الرئيسية / أضواء على / من مؤتمر فرساي إلى مؤتمر سيدر ما كتب قد كتب

من مؤتمر فرساي إلى مؤتمر سيدر ما كتب قد كتب

“لبنان الكبير هو بيتٌ صغير مشترك، أتريدون اقتسامه؟ – نعوذ بالله”

الشيخ نديم الجسر، نائب طرابلس

مجلس النواب في 14 تشرين الأول 1958

الحروب أشعلتها كلمات. والمدافع أسكتتها كلمات. مَيزَ التاريخ دائماً بين الجبابرة والأقزام. بين البناة والهدامين. إذ لا حاجة إلى التدليل عليهم. فأعمالهم تتبعهم. لكن سفينة الأوطان تستمر ماضيةً في نهر الزمان. أما نهر لبنان فلا قدرة لأحد على تغيير مجراه.

نشأ لبنان نقي الوجه صفي المقاصد. سيد نفسه. هكذا قضت ظروف التكوين في مثل هذا الوقت منذ مئة عام، عندما أدرج كيانه الجديد في مقررات مؤتمر فرساي عام 1919 إثر الحرب العالمية الأولى، قبل إعلان الإنتداب الرسمي ولبنان الكبير عام 1920.

وفي ذلك اليوم من أيلول 1943، عندما جمع رياض الصلح حول طاولة غرفة الطعام في منزله برأس النبع كاظم وتقي الدين الصلح ونصري معلوف، كي يصوغوا معه البيان الوزاري الإستقلالي وهم “يأكلون القرشللي ويشربون الشاي” كما روى بعد ذلك نصري معلوف، كان كل شيء قد كتب. ووجه لبنان قد تظهّر. لبنان نشأ وإستقلّ. خربته الحروب لعوامل وتدخلات معروفة. ثم خرج منها ولن يعود إليها. اليوم صار الكلام يسكته الكلام. دونما حاجةٍ للجوء إلى الساحات. وأطماع البعض وطروحاتهم العقائدية الزائفة ذهبت مع الريح. ولا مكان لها إلا في عقول الذين يعيشون أوهام الإنتصارات.

ترى، كيف لم يتعلم اللاحقون، حتى الآن، أن كل شيء قد كتب. كيف لم يتعلم الطامعون ان الدهر قد رسم خطاه ومشى. كيف لم يتعلموا ان الأيدي التي تعبث لن يكون مصيرها سوى الإنكفاء. والإنكفاء القسري. إذ لا مجال لأحد أن يمد يده إلى لبنان وينجح، ان يمد يده إليه ويبقى.

كيف لم يتعلموا أن الشرق العربي اهتز، ولبنان بقي على حاله، لا يمكنهم النيل منه عبر تلك الأساليب المكشوفة والمعروفة والمكررة، والتي لن تؤدي إلى أي نتيجة. كيف لم يتعلموا ان استعمال البعض النطق باسمهم يشبه البضاعة الفاسدة التي لا تباع.

كيف لم يدركوا بعد ان لبنان ليس مساحة لهم، وأن مجاله هو العالم الرحب، فالعالم تغيّر كثيراً ولبنان تحصّن. ليس ذلك بالقوة العسكرية، ولا حتى بوحدة داخلية – كانت ولا تزال عملية دائمة – بل بإقتناع الجميع، بمن فيهم مدعو القوة، أن لا قوة لهم على الآخرين. إذ أن هنالك حدوداً لقوة الأقوياء. هذا ما تم حسمه في لبنان مع تجاربه المتنوعة، ومع مختلف أنواع الإستقواء والتدخلات. لا قوة لأحد من داخل، ولا من خارج. فلبنان يحتضنه العالم، منذ فرساي 1919 إلى سيدر عام 2018.

كيف لم يتعلموا بعد أن مدّ الأيدي الصريحة، بالمصافحة اللائقة، والمخاطبة اللائقة، هي وحدها التي تبني، ما دام ليس هنالك من بديل، بعدما جربوا كل شيء. جربوا كل شيء ولم يتعلموا. فبقيت حساباتهم مكشوفة. بينما حساب لبنان مليء. إنه كان دائماً مليئاً، كما هو، كما هو دائماً. لأن ما عنده لا ينضب.

منذ الكيان إلى الإستقلال، وحتى الآن، لم يتمكن أحد من هزّ القواعد الأساسية، في البنيان. تشوهت الممارسة نعم. وخرج البعض عن الأصول وخرج البعض الآخر عن الكلام البنّاء، وهددّ آخرون باللجوء إلى الشارع. ولكن كل ذلك إلى أين؟ كمثل من يتعمد هدم الهيكل على رأسه قبل رؤوس الآخرين. هكذا كان الوضع دائماً. الجميع تحت الهيكل إياه.

في 14 تشرين الأول 1958، أثناء الاقتراع على الثقة بحكومة الرئيس رشيد كرامي، بعد إنتهاء أحداث 1958 وإنتخاب الرئيس فؤاد شهاب، وقف نائب طرابلس الشيخ نديم الجسر وتوجه إلى النواب قائلاً: “لا تتصوروا لبنان الكبير بين الناقورة والنهر الكبير… بل تصوروا بيتاً صغيراً فيه غرفتان متشابكتان مستطرقتان لمطبخ واحد وحمام واحد في ممر واحد… وفي هذا البيت عائلتان شقيقتان متنازعتان متقاتلتان بالرصاص والقنابل… كيف يكون حاله…؟

ويسألهما المصلح لذات البين ماذا تريدان باستمرار هذا الصراع؟

أيريد أحدكم ان يجلي الآخر عن الدار فيقولان كلاهما بصوت واحد حاشى الله…

أتريدان أن يفني احدكما الآخر، فيقول كل منهما بصوت واحد أستغفر الله.

أتريدان أن تقتسما هذا البيت فيقولان بصوت واحد نعوذ بالله…

إذاً ماذا تريدان أيها الشقيقان العزيزان الحنونان العطوفان الحكيمان المتقاتلان المتذابحان؟

نريد العدالة والمساواة، وأن يراعي كل منا عواطف الآخر في ما ينهج من نهج في إدارة البيت وسياسته…”.

بعد أحد وستون عاماً على هذا الكلام، لا يزال البيت هو نفسه. لا مجال لأحد للإستئثار به، ولا لطرد الآخر، ولا للقسمة، ولا للغلبة. تبدل الساكنون ربما، لكن الجلبة لا تزال إياها. يغذيها من الخارج من لا يعجبهم هذا البيت. ولكن بدل أن يتغيروا هم، بدل أن يفتحوا الأبواب، يحاولون تغيير من داخل البيت. وهذا لن يحصل ومن المستحيل أن يحصل، وهذا أول ما أدركه اللبنانيون أنفسهم، بإنتظار أن يتعلمه أهل الجوار: لا تمدوا أيديكم إلى هذا البيت، ودعوا أهله لأنفسهم، دعوا البيت يعيش بسلام.

هذا كان حال لبنان دائماً: مساحة حرية ممزوجة بالضجيج وبخاصة بعد إنفجار وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي. فأصبح كل شيء حدثاً. تقطع محطات الإرسال برامجها لتغطية لقاء سياسي عادي أو مؤتمر صحافي لأحد الوزراء وذلك من فقر المواعيد الكبرى وفقر أصحاب المواعيد. فهل يعقل اليوم أن يجري الحديث عن استحقاق الرئاسة المقبلة، ولم ينقضِ من عهد الرئيس ميشال عون سوى سنتين. وتالياً ماذا يريد المتصارعون على رئاسة الجمهورية؟ هل قال أحدٌ منهم ما هي رؤيته وما هو برنامجه وماذا يريد للبنان الغد. هل قال لنا أحد لماذا تأخر تأليف الحكومة في الأشهر الخمسة الأولى، في الصراع على أعداد الحقائب، والحقائب الخدماتية والسيادية. إنهم يخربون ولا يعرفون كيف يصلحون. مثل الجسم المريض الذي تتآكله الإشتراكات رويداً، والهمّ ليس في البحث عن وسائل الشفاء، بل في زيادة الأمراض. في أعداد الوزراء، في بدعة الثلث المعطل، في نوعية الحقائب. اما التقارير المالية العالمية الضاغطة، فهي ليست من همومهم.

عاقَبَنَا العرب. لبنان كان قبلتهم. كان جوهرتهم. كان محجتهم. استقبلوا اللبنانيين في بلدانهم بترحاب، وعاملوا لبنان بالصداقة والرعاية وحرص الحفاظ على خصائصه المميزة. سوريا كانت فصلاً آخر، فصلاً مأسوياً لا تزال آثاره ظاهرة. ومسألة إعادة إنضمامها إلى الجامعة العربية ليست شأناً لبنانياً.

أما إشتراك ليبيا فهو شأن لبناني. أوله إستمرار حضور الإمام موسى الصدر في ضمائر اللبنانيين، ذلك الرجل البناء الذي أدرك حقائق البنية اللبنانية فحصنها بحضوره وكلامه وثراء فكره الذي نشره في الكنائس والمساجد والمنابر، قضيته هي قضية جميع اللبنانيين وليست قضية حزب أو طائفة. وهو ليس موضع إنقسام مثلما هو الوضع تجاه سوريا. لكن العتب على من لم يتمكن من ضبط “العناصر غير المنضبطة” بإنزال العلم الليبي. فلبنان دولة. هذا ما نسيه البعض ربما، دولة تراجع إحترامها لدى أقرانها من الدول العربية. ولبنان، كان المؤسس، وكان موضوع عناية خاصة عندما تم إقرار التصويت بالإجماع في الجامعة العربية، بسبب وضع لبنان الخاص.

مع سوريا وليبيا لبنان ليس ضائعاً. الضائعون هم الحيارى بأنفسهم. وحيرتهم تدفعهم إلى زيادة الإشتراكات في الجسم العليل. ولكن هل يمكنهم النجاة بأنفسهم ولو غرق الآخرون؟!

اضف رد