مئتان على ولادة دائرة المعارف المعلّم بطرس البستاني: الطليعي والحديث باستمرار

وحده بين أعلام النهضة يليق به لقب المعلّم استحقاقاً. انه بطرس البستاني (1819 – 1883) وهذه السنة هي الذكرى المئوية الثانية لولادته. أديب موسوعي ومربٍّ ومؤرخ ومجموع بنّاء. أحد أهم أركان النهضة الحديثة في القرن التاسع عشر. امتلك وعياً ثاقباً بأهمية العلم والمعرفة في بناء الانسان والوطن. وبأن الأمة لا يمكن ان تتقدم الا بالتعليم. وبأن اصلاح التعليم هو النور الذي يضيء في أذهان الناس وفي كل ما سعى كان مصدره ومرتجاه افادة الناس والبلاد.

كان بطرس البستاتي اول من اسس مدرسة وطنية عالية في لبنان (تلاميذها وأساتذتها من مختلف الاطياف). وأول من ألف قاموساً عصرياً (المحيط) (1870)، وأول من وضع دائرة معارف عربية (1876) وأول من وضع دستوراً للنهضة، وأول من أنشأ مجلة هادفة “نفير سورية”، وأول من دعا إلى تعليم المرأة وتمكينها في الشرق، “تعليم النساء” (1849) ودعا الى مواجهة التتريك والتغريب عبر رسالة وطنية ليبيرالية علمانية (فصل الدين عن الدولة) او ما سمّاه وجوب وجود حاجز بين الرياسة اي السلطة الروحية والسياسية اي السلطة المدنية، “… لأن المزج بين السلطتين من شأنه ان يوقع خللاً بيناً وضرراً واضحاً بين الاحكام والأديان”.

كذلك صرخته المدوية في عام 1860 مستنكراً الأعمال البربرية التي جرت في الحرب الاهلية اللبنانية. وكانت له مساهمة كبرى في ترجمة “الثورات” الى العربية (1848) بالتعاون مع ناصيف اليازجي وكرنيليوس فان دايك والشيخ يوسف الأسير الازهري. اضافة الى أعماله المهمة والرائدة مثل “تاريخ نابوليون الأول” (1868) و”آداب العرب” (1869) و”التحفة البستانية في الاسفار الكيروزية” و”شرح ديوان المتنبي” – بيروت (1860) إضافة الى الصحف “الجنان” (1870) نصف شهرية دستورها خدمة الحقيقة وخدمة صالح البلاد وشعارها حب الوطن من الايمان و”الجنة” (1871) و”الجنينة” (1871). لما سأله عصام محفوظ في حوار متخيل معه لماذا أصدرت كل هذه الجرائد والمجلات أجاب: “ان الجرائد لكي تكون مفيدة وذات قوة مؤثرة في أمة يجب ان يكون لها ما تقتضيه أحوال الأمة من الحرية. ورأينا ان في نمو الجرائد وانحطاطها في كل البلدان كان دائماً بحسب ما لها من الحرية وما عليها من القيود”. هذا الرجل كان “رجلا سابقا لعصره” كما عنون الدكتور يوسف قزما الخوري كتابه عنه لا بل كان سابقاً لنفسه بتعبير جبران. وكان كما وصفه الدكتور كرنيليوس فان دايك “انه السابق الى كل مأثرة علمية وعالمنا وغارس افنان المعرفة في وطننا”.

هو بطرس بن بولس بن عبدالله بن كرم بن شديد أبي شديد بن محفوظ بن أبي محفوظ البستاني. ولد في الدبية – اقليم الخروب عام 1819. درس العربية والسريانية على يد الخوري ميخائيل البستاني ومنها الى مدرسة عين ورقه التي اعتبرها في إحدى خطبه أمّ المدارس الوطنية في هذه البلاد. تخرج فيها وعلّم حتى العام 1940 ثم اتصل بالمرسلين الأميركان وصار يعلّمهم العربية ويعرّب ويترجم لهم الكتب واستعانوا به على إدارة عمل مطبعتهم. في تلك الاثناء اعتنق المذهب الانجيلي. عيّن استاذاً في مديرية عبيه فمكث فيها سنتين ثم عين ترجمانا للقنصلية الاميركية. وكان مع العاملين لتأسيس كنيسة انجيلية وطنية ومنحوا هذا الحق سنة 1848 وكان من الخطباء في حفل تدشين البناء 1876. واستمر نشره للكتب وتحقيقها وترجمتها مثل “بحث الطالب” للمطران جرمانوس فرحات و “أخبار الأعيان في جبل لبنان” لطنوس شدياق وحقق “قصة اسعد الشدياق” واصدر “نفير سورية” بين عامي 1860 و1861 واعتبرها رسالة الى أبناء الوطن من “محب للوطن” وضمّنها نقده لتحقيق أسباب الرقي والاصلاح والتمدن في بلادنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*