ديفيد هيل قال لسائليه اللبنانيين: لا اعتراض على “الحزب” في “الصحّة”!

قيل الكثير وكُتب الكثير وسيُكتب ويُقال الكثير عن القمة الاقتصادية العربية التي استضافها لبنان أمس، وعن الأسباب التي حوّلتها من قمة الى اجتماع عادي لوزراء عرب بعضهم يتولى حقيبة الخارجية في بلاده وبعضهم يتولى حقائب أخرى أقل أهمية. ولا يغير هذا الواقع اشتراك رئيسي دولتين واحدة يعتبرها العالم دولة جدية ومهمة هي قطر، رغم ضعفها الديموغرافي، أولاً بسبب ثروتها النفطية والغازية الضخمة، وثانياً بسبب دورها المهم في منطقتها وفي الخليج العربي وفي العالم العربي في صورة عامة، وذلك رغم اختلافها مع المملكة العربية السعودية الذي عرّضها الى حصار صعب تمكنت من تجاوز آثاره المؤذية لشعبها وكذلك لصورتها الخارجية. وهي ما كانت لتنجح في ذلك لولا قيادتها الشابة “العنيدة” أو الصلبة الرافضة أن تكون دولتها جرماً يدور في فلك دولة أكبر وإن شقيقة وجارة، وفي الوقت نفسه لولا علاقتها الممتازة مع الولايات المتحدة، واستقبالها قاعدة عسكرية كبيرة لها في منطقة العديد. هذا فضلاً عن علاقتها الممتازة مع احدى الدول الثلاث المهمة في المنطقة حالياً تركيا وإيران والسعودية، كما مع دولة كبرى استعادت دورها الاستراتيجي المهم في الشرق الأوسط هي روسيا. وبعدما كان التمثيل على مستوى الملوك والأمراء والرؤساء في قمة لبنان الاقتصادية العربية مقتصراً قبل أيام على ثلاثة رؤساء أحدهم رئيس الدولة المضيفة، صار مؤلفاً من رئيسين وأمير بعدما اعتذر رئيس الصومال عن الحضور في آخر لحظة لأسباب غير سياسية. طبعاً عدّل ذلك الميزان قليلاً إذ كانت دولتين من الثلاث تنتمي عملياً الى سلك الدول الفاشلة في العالم في حين أن الدولة الثالثة وهي موريتانيا جدّية وهادئة، رغم ضعف امكاناتها المادية ومشكلاتها السياسية العادية، وما يميّزها عن لبنان هو التواضع والصدق وعدم المبالغة كما عدم الاختلاف على التاريخ والهوية والابتعاد عن الكذب على الذات والتكاذب والانقسام وعن الوطنية الحقة والقومية الحقة والدينية الحقة.

هذه المقدمة الطويلة الهدف منها الاشارة الى أن اجتماع الأمس الذي لا يستحق اسم القمة ربما فاجأ حكّام الدولة اللبنانية أي رؤساءها الثلاثة، لكنه لم يفاجئ الكثيرين في السلك الديبلوماسي العربي والاجنبي المعتمد لديها. وفي ذلك دليل ملموس على ابتعادهم عن الواقع وعن عيش معظمهم في الخيال أو بالأحرى في الأوهام، وتحديداً رئيس السلطة التنفيذية منهم ورئيس الدولة الذي يتصرّف على أساس أنه الدولة والسلطة التنفيذية ويحاول بمواقفه خلق أعراف جديدة وشحن الجو الطائفي والمذهبي، والتذرّع باستعادة الأهمية المطلقة لموقع طائفته في السلطة بعدما خسرته لأسباب تُسأل عنها زعاماتها أولاً ومعها زعامات الطوائف الأخرى. علماً أن الاصرار على القمة بعد تأكّد غياب الغالبية الساحقة من الملوك والرؤساء عنها، كان الهدف منه تكرار مواقف تعيد للبنانيين في السلطة ثقة من أوصلوهم إليها من داخل ومن خارج، بعدما بدأت الشكوك تضعفها وعلى أكثر من صعيد. في أي حال قبل أيام من القمة وربما في أثناء زيارة مساعد وزير خارجية أميركا ديفيد هيل للبنان تساءل ممثل دولة عربية مهمة للبنان أمام أصدقاء له: لماذا لا يؤجل لبنان القمة؟ ولم يكن بذلك يعبر عن موقفه الشخصي بل عن موقف حاكم بلاده الذي كان أول من أكد الحضور ولمدة ثلاث ساعات يوم القمة. والسؤال الذي يُطرح هنا هو: ألم يصل ذلك الخبر الى المنتظرين منها تعويماً لهم إما عربياً وإما داخل محور عربي محدّد اعتُبروا دائماً جزءاً منه ويرغبون في استعادة رضاه لأسباب لم تعد خافية على أحد؟ طبعاً يُستبعد ذلك. لكن ما وصل الى متابعين لبنانيين أن التحسّن في أوضاع حكّام لبنان الذي أمل فيه هؤلاء لم يتحقق على الأقل حتى الآن، ولذلك لا بد من الانتظار. طبعاً لن نسترسل في هذا الموضوع كثيراً في انتظار نتائج القمة التي حاول الأمين العام لجامعة الدول العربية ومساعده التخفيف من وطأة غياب الملوك والرؤساء عنها باعتبارها مهمة في نتائجها. والرد على ذلك هو بالسؤال الآتي: ماذا أنتجت غالبية “القمم الحقيقية” رغم قراراتها التي حصلت على موافقات إجماعية؟ إذ استمر تراجع الوضع العربي وتجذّر انقسامه وغليان شعوبه لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية، واتجه بعضها الى الثورات أو التظاهرات أو العنف أو الإرهاب. وذلك دليل ساطع ليس على فشل القمم فقط بل الحكّام العرب أيضاً مع احترامنا التامّ لهم. علماً أن هناك رداً على السؤال يؤكد أن العرب لا يزالون غير جاهزين لمساعدة لبنان لاعتبارات كثيرة بعضها يتعلّق بعدم ثقتهم بالسياسة اللبنانية وبأعدائهم من اللبنانيين كما بحلفائهم والآخرين الذين يسعون الى “الربط” معهم من دون “الفك” مع هؤلاء الأعداء. والردّ هو أن العرب المعادين لـ”حزب الله” وإيران لا يوافقون على تمثيل سنّة “اللقاء التشاوري” في الحكومة الجديدة.

ماذا عن زيارة ديفيد هيل الى لبنان؟ تفيد معلومات عدد مهم من الذين التقاهم في بيروت أنه أكد أن بلاده ستدعو لبنان الى الاشتراك في قمة بولندا الشهر المقبل المخصصة للبحث في مواجهة “إيران الإرهابية”. وقد استبق مسؤولو لبنان ذلك برفض الدعوة قبل استلامها. وتفيد أيضاً أن هيل قال رداً على سؤال صريح أن بلاده لا تعترض على إعطاء “حزب الله” حقيبة الصحة، لكنها تريد الحؤول دون تصرفه فيها بلا حسيب ورقيب.

وتفيد ثالثاً أنه أثار موضوع النفط والغاز والخلاف مع إسرائيل في شأنهما. لكنه لم يقدم جديداً إذ طرح ما كان طرحه ديفيد ساترفيلد في زيارة سابقة للبنان وهو: الاتفاق مع اسرائيل على الحدود البرية شرط لقبولها التفاوض حول نفط البحر وغازه. وتفيد أخيراً أن أميركا تريد حكومة جديدة في لبنان. لكن إذا فشل اللبنانيون في ذلك لا مانع من تفعيل الحكومة المصرّفة للأعمال لإصدار موازنة عامة.

اضف رد