الرئيسية / home slide / 34 عاماً على غياب عرّابة المونولوج في لبنان: فريال كريم… رسولة البهجة

34 عاماً على غياب عرّابة المونولوج في لبنان: فريال كريم… رسولة البهجة

عرّابة المونولوج في لبنان ورسولة البهجة والبسمة في زمن الحرب. فنانة الفرح والعلامة الفارقة في الكوميديا اللبنانية. لم تعرف الشاشة اللبنانية منذ بدايتها وحتى اليوم فنانة موهوبة بالفطرة بحجمها تمثيلاً وغناءً وتقليداً. عصفورة التلفزيون وفراشة المسارح التي تحل هذه الأيام ذكرى 34 عاماً على غيابها الجسدي، والباقية بضحكتها الرنانة المزدانة بالعفوية المطلقة التي كرّستها نجمة ذهبية لأجيال متعاقبة ممّن عايشوها وممّن تعرفوا إليها لاحقاً عبر مقاطع اليوتيوب أو الإعادات لأعمالها على الشاشة.

عاشت للمسرح وماتت عليه في يوم 3 تموز (يوليو) 1988

طافت مسارح العالم حاملةً صوتها وضحكتها، وغنّت في بلدان عديدة من بريطانيا إلى إيطاليا فالإمارات ومصر وغيرها. كانت نجمة البسمة والسعادة أينما حلّت وحيثما ارتحلت في حياتها الخاصة كما المهنية. كانت الضحكة لا تفارقها، لا تكلّ ولا تملّ من مواجهة مشكلاتها ببساطة. وأكثر ما كانت تحبه في نفسها هو عشقها للحياة رغم صعابها، وانطلاقتها وحيويتها، فكانت ترى أنّ الله هو الذي منحها الطاقة والقوة ليساعدها في هذه الحياة.

العائلة الفنية
ولدت فريال كريم أو فيرا سمعان (13 نيسان/ أبريل 1938 ــــ 3 تموز/ يوليو 1988) وسط عائلة فنية، فقد شجّعها والدها بشارة سمعان على دخول المجال الفني بعد شقيقتيها إيزابيل التي عرفت باسم «لمعان» وكلير. وظهرت موهبة فيرا الأولى بوضوح في التقليد الذي كانت تقوم به أمام العائلة في سن الخامسة، ثم أدهشت الجميع في إحدى الزيارات إلى مصر بقدرتها على أداء أغنيات للمطربة ثريا حلمي وهي لم تتجاوز الست سنوات، ليستعين المخرج المصري سمير لاما بها في فيلم «سكة السلامة» (1948). بعدها، بدأت مسيرة فريال الفنية الفعلية مع شقيقتها كلير، فوقفتا كمغنيتين على خشبة «مسرح فاروق» في بيروت وعُرفتا بلقب «الشقراء والسمراء». ومن «مسرح فاروق»، كانت الانطلاقة الفعلية نحو الاحتراف، وهو المكان الذي كان يشهد تقديم الممثل السوري سعد الدين بقدونس إسكتشات تمثيلية، والمطرب محمد كريم الأغاني الطربية، وليكون المسرح بداية قصة حب انتهت بالزواج بين فريال ومحمد كريم، و كلير وسعد الدين بقدونس. ومن «مسرح فاروق» إلى التلفزيون حيث تعرّفت إلى الفنان الكبير محمد شامل، فاستعان بها في «شارع العز» الذي كان يبث مباشرة على الهواء، ثم «حكمت المحكمة» الذي شهدت إحدى حلقاته خروجاً لفريال عن الدور المرسوم لها في قاعة المحكمة، وحوّلت الدمعة إلى ضحكة، لتعلن الصحف اللبنانية في اليوم التالي عن ولادة ظاهرة كوميدية اسمها فريال كريم.

زمرد وأم خبار
شهرة لافتة حصدتها فريال مع مسلسل «أم خبار» (نص سامي الصيداوي) الذي أبرز موهبة فريال الغنائية لتضمَن كل حلقة من حلقاته «مونولوجاً» تؤديه فريال ببصمتها الخاصة. أما النجاح المنقطع النظير في مسيرة فريال، فكان مع دور «زمرد» في مسلسل «الدنيا هيك» (نص محمد شامل) الذي استمر عرضه أربع سنوات متتالية، ويكاد يكون أكثر المسلسلات استعادةً على «تلفزيون لبنان». واللافت هو الجماهيرية الكبيرة التي كان ينالها مع كل عرض جديد. كما أطلت فريال في التلفزيون، كذلك مع أبو سليم أيضاً في مجموعة من الحلقات بينها: «اللص الظريف»، و«الأبواب السبعة»، و«المليونير»، و«البوسطة»، و«سيّارة الجمعيّة»، و«انسى همومك» و«مسرح الفكاهة»، ومع الأخوين رحباني في «ساعة وغنية». كما أطلت أمام إيلي صنيفر في «عيوق ورفقاتو» لميلاد الهاشم ومروان نجار. أما آخر أعمالها، فكان «إبراهيم أفندي» لماري تيريز سلهب وإبراهيم مرعشلي. كانت فريال فنانة مسرح بامتياز، فوقفت مع الفنان الراحل حسن علاء الدين/ شوشو في عدد من المسرحيات منها «فرقت نمرة» و«وراء البرافان»، و«الدكتور شوشو» و«الحق عالطليان» و«واو وسين». كما مثلت مع المطربة سلوى القطريب في مسرح روميو لحود، واشتركت مع فيلمون وهبي في مسرحية لجورج خاطر بعنوان «عمارة بس بالإعارة»، ومع الياس الرحباني في مسرحية «وادي شمسين» أمام الشحرورة صباح.

المسرح والسينما
عشقت فريال المسرح وأخلصت له، ففي عز الحرب الأهلية اللبنانية كانت تلغي عروضاً خارجية كثيرة تؤمّن لها المردود المادي الكبير كرمى لعيون المسرح. وكانت تقول: «المسرح عشقي الأول والأخير، فهو بيتي وملاذي وفيه أفجر طاقاتي». سجّلت فريال حضوراً سينمائياً في الأفلام اللبنانية المصرية المشتركة والأفلام السوريّة في فترة الستينيات والسبعينات مثل «فندق الأحلام» (1968) و«الطريد» (1968) أمام فريد شوقي، و«عالم الشهرة (أمواج)» (1971) أمام نادية الجندي، و«جنون المراهقات» (1972) مع نبيلة عبيد و«مسك وعنبر» (1973) مع دريد لحام. رغم تمثيلها باللهجة المصرية في عدد من أفلامها، إلا أنّها كانت تعتبر أنّ الأولوية المطلقة هي لتمثيلها باللهجة اللبنانية. وهو ما أدى إلى حرمانها من العديد من المسلسلات التي كان ينتجها «تلفزيون لبنان» الذي كان يلتزم بالفصحى في العديد من مسلسلاته لشروط التسويق للدول العربية. مع ذلك، لم تندم فريال قائلة: «اللغة الفصحى تسرق من الممثل بعض صدقه في تقمّص الأدوار، وبالنسبة إليّ فأنا أمثل الأدوار الكوميدية، والكوميديا لا يمكن أن تقدّم بالفصحى، فهل يتصوّر أحد أن يقدّم فؤاد المهندس أو عادل إمام أدوارهما بالفصحى، وأنا مثلهما، فاللغة العامية أكثر تجاوباً مع الناس وأكثر احتكاكاً بهم وبيوميّاتهم».

للو وعنتر
الغناء كان ملعبها الذي أبدعت فيه، فلا تزال أغانيها حاضرة في يومياتنا. تعاونت مع كبار الملحّنين ، مثل «أنا بدي إهوى رجّال» التي غنتها في «مهرجانات أرز الباروك السياحية» عام 1972 وهي من كلمات أنطوان طرابلسي وألحان نعيم حميدان، و«سوق الخضرة» و«بيتي والتلفزيون» (ألحان جورج يزبك)، ثم أغانيها التي نالت شهرة واسعة مع الياس الرحباني مثل: «برّات البيت عاملي عنتر»، و«يا أسمر يا كحيل العين»، و«خدلي إيدي» و«جارنا الشاويش». تعاون بارز لفريال كان مع الموسيقار ملحم بركات الذي كان يرى فيها مقدرة فنية كبيرة، ويعتبر أنها الفنانة الوحيدة التي لم يكن يتقاضى منها أجراً نظير الألحان التي أهداها إياها وأبرزها: «عم بيزعلني للو» و«قرقورك يا بديعة» و«دير بالك لحماتك» و«غير حبك مش عايزة».

اللحظة الأليمة
عانت فريال كريم من داء الروماتيزم الذي أصاب قلبها وهي في السادسة من عمرها. ورغم الوجع والألم، حملت على عاتقها إدخال السعادة إلى القلوب، فلم تتذمّر أو تدع وضعها الصحي يؤثر على مسيرتها. خلقت من آلامها أسطورة فرح كرّستها أنموذجاً يُحتذى به في التآلف مع المرض. عاشت للمسرح وماتت عليه. في يوم 3 تموز (يوليو) 1988 خلال حفلة لها في المعاملتين، سقطت فريال على المسرح وهي تغني «جارنا الشاويش». لحظة درامية أليمة حيث خانها قلبها المليء بالآلام ولم يعد باستطاعته بث الفرح، فكانت اللحظة التاريخية التي أرّختها كاميرا أحد المتواجدين في المكان. وعن الحادثة، عرض الإعلامي زافين قيومجيان عبر برنامجه على شاشة «المستقبل» عام 2016 تقريراً عن الشخص الذي اتكأت عليه فريال لحظة وفاتها على المسرح. كان أحد الشباب الذي كان يُحيي ليلة زفافه وشقيقه يصوّر الحدث بكاميرته. تروي العروس لحظات فريال الأخيرة، قائلة: «اقتربت مني وسألتني ماذا تريدين أن أغني لك». فأجابت العروس «عم يزعلني للو»، فردت فريال: «لا لا إنت عروس بعد بكير حتى يزعلك». اليوم بعد مرور 34 عاماً على الرحيل، انتشرت بعض الأخبار عن محاولات جدية لتحويل سيرة فريال كريم إلى مسلسل تلفزيوني، خصوصاً بعد غياب التكريم الرسمي لفنانة بحجمها، هي التي تستحقّ جائزة باسمها تقدّم سنويّاً لأفضل فنان كوميدي أو كتاباً يؤرخ حياتها أو تكريمات كثيرة لنجمة انتزعت من ويلات الحرب بسمةً من شفاه اللبنانيين.