موناليزا فريحة
النهار
05112018

بلغ التوتر في المنطقة مستوى جديداً مع إعادة واشنطن فرض عقوبات تستهدف قطاعي النفط والمصارف الحيويين لايران، واصرارها على نهج متشدد حيال ايران لتحجيم برامجها الصاروخية والنووية واضعاف نفوذها في الشرق الاوسط. وردت طهران بمناورات جوية وتصريح الرئيس الايراني حسن روحاني بأن الأمة تواجه “حالة حرب”.

وتلحق العقوبات الاميركية الجديدة أذى خصوصاً في قطاع النفط الحيوي، والمصدر الرئيسي للعملة الصعبة للاقتصاد الايراني النازف. فقد تراجعت قيمة العملة الايرانية في الاشهر الاخيرة، مما ادرى الى ارتفاع كبير في أسعار السلع، من أجهزة الخليوي الى الأدوية.

ولكن ايران تبدو حتى الان مصممة على مقازمة الاجراءات. ومع سريان العقوبات اليوم، قال الرئيس الايراني حسن روحاني “هذه حرب اقتصادية على إيران… لكن على أمريكا أن تعلم أنها لا تستطيع استخدام لغة القوة ضد إيران… نحن على استعداد لمقاومة أي ضغط”.

وتنهي العقوبات كل المكاسب الاقتصادية التي وفرتها أميركا لطهران بموجب الاتفاق النووي الموقع عام 2015، ومع ذلك لا تزال طهران تلتزمه، وخصوصاً لجهة تقييد مستوى تخصيب الاورانيوم. ومع أن المسؤولين الايرانيين لم يهددوا حتى الان بمعاودة التخصيب العالي المستوى، لمحوا في الاشهر الاخيرة الى أن تلك العملية المثيرة للجدل يمكن أن تتجدد في أي وقت وأسرع من قبل.

وصباح اليوم بث التلفزيون الايراني لقطات لأنظمة دفاع جوي وبطاريات مضادة للطائرات في مناورات تسمتر يومين في شمال البلاد، وتشمل اطلاق صواريخ أرض-جو لإصقاط طائرات من دون طيار. ويفترض أن تستمر المناورات غداً، ويشارك فيها بحسب الجنرال الايراني حبيب الله سياري، الجيش الوطني والحرس الثوري.

وقبل ذلك، استعادت شوارع طهران هتافات “لتسقط أمريكا”، ومشاهد احراق العلم الاميركي ودمى تمثل الرئيس دونالد ترامب. ففي الرابع من تشرين الثاني، تحيي ايران كل سنة اقتحام شبان السفارة الاميركية قبل 39 سنة وأخذهم 52 رهينة أميركياً لسنة تقريبا. ومع أن المناسبة تكون عادة منتدى للمناصرين المتشددين للنظام للاعراب عن غضبهم، تحولت هذه السنة مع تزامنها مع اعادة فرض العقوبات الى منتدى أقوى لمناصري النظام، وغالبيتهم من الطلاب واعضاء الباسيج.

وخاطب قائد الحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري ترامب أمام الحشد، محذراً اياه من تهديد ايران باجراءات عسكرية، معتبراً أن أي عدوان أميركي سيواجه بنفس نوع الهزيمة التي منيت بها القوة التي أرسلت عام 1980لانقاذ رهائم السفارة. ففي حينه قتل ثمانية أميركية في العملية الفاشلة.

العصر الحجري

والى مظاهر التحدي هذه، حذر آية الله علم الهدى، ممثل النظام الإيراني في محافظة خرسان رضوي، من أن إيران ستدمر السعودية والإمارات خلال ساعة واحدة، إذا قرر ترامب حظر تصدير قطرة نفط واحدة من الأراضي الإيرانية، مشيراً إلى الولايات المتحدة باسم “الشيطان الأكبر. وذكر الهدى، وهو والد زوجة روحاني بما قاله المسؤولون قالوا من إذا منعت إيران من تصدير نقطة واحدة من النفط، فإن إيران لن تسمح بمرور أية قطرة نفط عبر مضيق هرمز،مركداً أن هذا ليس شعاراً أو تهديداً، وإنما واقع.

وكانت لافتة اشارة الهدى الى مقال قال إنه ورد في “وورد وور جورنال” يقدم سيناريو مرعباً لهجوم ايراني على ودول الخليج بزعامة بسبب حظر تصدير النفط الإيراني .

وفي السيناريو أن إيران ستزرع مضيق هرمز بالألغام، و مع ثلاث ناقلات نفط سعودية تمر عبر المضيق يومياً، ويمكن إيران أن تستولي عليها وتعتقل طواقهما إذا أرادت ذلك. كذلك، تغلق طهران منصات النفط المشتركة مع الإمارات وقطر، وتطلق صواريخ على نظام التحكم في قاعدة الوفاق في قطر. وإذ يرجح أن قطر والإمارات قد تشنان غارات على إيران، ويقول إن طهران ستستبقهما بغارات جوية متزامنة على المطارات الدولية الست في أبو ظبي ودبي والشارقة والمنامة والدوحة. وخلال ثلاثين دقيقة، يمكنها تدمير كل المطارات والموانئ البحرية في الخليج. وفي الوقت الذي تتدخل في واشنطن وحلفاءها، ستجد دول الخليج قد عادت العصر الحجري.

آية الله علم الهدى.

ليس واضحاً بعد ما اذا كانت طهران ستذهب الى هذا الحد في مقاومة العقوبات، وما اذا كانت ستتحرش بأمن المضائق أو ستستغل أوراقها الاقليمية.

وعن التهديد الإيراني، يقول أستاذ العلوم السياسية الاماراتي عبدالخالق عبدالله إن الامارات تعرف جيداً كيف تتعامل مع كل تهديد. وقال: “على الرغم من سخف هذا التهديد ومن ضعف مصدره الا أن الامارات تأخذ اي تهديد ايراني من أي مستوى بجدية تامة. وهذا ينطبق على هذا التهديد وغيره من التهديدات الايرانية اليومية والتي نسمعها على مدى 40 سنة من التعامل مع النظام الايراني. ولان الامارات تأخذ هذه التهديدات الإيرانية بجدية فإنها تمكنت من تحصين نفسها بدرع أمني جعلها آمنة ومستقرة ومحافظة على إزدهارها الاقتصادي”.

وفي أي حال، تعلق واشنطن أهمية كبيرة على وقف الصادرات النفطية من ايران.

وفي هذا الشأن، أبلغ الممثل الاميركي الخاص لايران براين هوك الى صحافيين من مؤسسات عدة في المنطقة، بينها “النهار” إن “واشنطن أخرجت  مليون برميل (من النفط) من السوق  منذ أيار الماضي، وهذا وحده قلص إيرادات النظام الإيراني النفطية بملياري دولار “. وتوقع خفضاً أكبر للنفط الايراني بعد رزمة العقوبات الجديدة، إذ أن “الهدف هو وقف صادرات النفط الايراني تماماً. ونوّه زيادة الصادرات من السعودية وروسيا والولايات المتحدة والعراق أتاحت تعويض النقص”.

وعلى رغم عدم انضمام الدول الاوروبية الى العقوبات، تبدو واشنطن واثقة من فاعليتها. ويقول بريان: “في الاشهر الستة الاخيرة، حصلنا على دعم واسع لحملتنا، واستجابت 20 دولة للعقوبات وسحبت 100 شركة استثماراتها من ايران، مما ألحق بالاقتصاد الايراني خسائر بالمليارات”.

والى وقف صادرات النفط وعزل ايران عن النظام المصرفي العالمي، تسعى ايران الى الحد من التدخل الايراني في دول المنطقة، وتحديداً سوريا والعراق واليمن. ويربط هوك ممارسة الضغوط الاقتصادية بالاهداف السياسية، قائلاً: “سنفوّت على النظام ملايين الدولارات التي كان سينفقها في العراق وسوريا واليمن”. ولفت الى أن السفير الاميركي الجديد لسوريا جيمس جيفري وضع هدفاً اساسياً باخراج كل الميليشيات الايرانية من البلاد، اضافة الى العناصر ال1500 من الحرس الثوري. وهؤلاء يعرقلون الاستقرار وتنظيم انتخابات وتحقيق انتقال سياسي في سوريا. وأضاف أن تجميد أية مساعدات لاعادة اعمار المناطق التي لاتزال تحت سيطرة نظام الرئيس بشار الاسد يندرج أيضاً في سياق الضغط  لاخراج الميليشيات الايرانية من سوريا.

مع زيادة الضغط الاميركي، تبدو واشنطن مدركة لاحتمال استخدام ايران ميليشياتها للرد على العقوبات. وقال بريان :”لن نميز بين النظام الايراني والميليشيات المدعومة منه في العراق وسوريا واليمن، وكان الرئيس واضحاً في توعده باجراءات حازمة في حال حصول تعديات على مؤسساتنا”.وتوعد أيضاً بـ “أننا سنعمل جاهدين لمنع أي دولة من تخفيف أثر عقوباتنا على ايران”.

 … في الخلاصة، دخلت واشنطن وطهران اليوم مرحلة جديدة من الحرب الباردة المستمرة بينهما منذ أربعة عقود. وفيما يرى روحاني أن لغة القوة ضد إيران لن تجدي، تبدو واشنطن واثقة من أن العقوبات سترغم طهران على العودة الى طاولة المفاوضات، وخصوصاً أنها تواجه ضغوطاً اقتصادية كبيرة لن تكون قادرة على مواجهتها.

اضف رد