ميشال زكور: لبناني بحت ونموذج رائد في الصحافة والنيابة

النهار
من الأرشيف
16102018

 نستعيد في #نهار_من_الأرشيف تقريراًَ كتبه محمد أبي سمرا في “النهار” بتاريخ 23 حزيران 1997، حمل عنوان: “ستون عاما على رحيل ميشال زكور… لبناني بحت، نموذج رائد في الصحافة والنيابة، أطهر قلم كرمه سجية نفس ويرتفع فوق الأحزاب”.

ليل الجمعة – السبت، 18-19 حزيران 1937، توفي في المستشفى الفرنسي في بيروت الصحافي والنائب والوزير ميشال زكور، اثر انفجارفي الدماغ، وكان لم يتجاوز بعد الحادية والاربعين من عمره، ففجع به اهله وذووه وابناء منطقته، وكذلك الوسطان الصحافي والسياسي في لبنان الثلاثينات. واستعادة ذكرى ميشال زكور هي اليوم مناسبة لالقاء ضوء على وجه من وجوه حقبة من تراث لبنان الصحافي والسياسي والاجتماعي ما بين الحربين الكبريين. فالرجل المولود في اواخر القرن التاسع عشر (عام 1896)، في الشياح، احدى بلدات ساحل المتن الجنوبي، بدأ حياته العملية في اعقاب الحرب الاولى (1914-1918)، وتوفي عشية الحرب الثانية (1939-1945). كأن القدر شاء ان تقتصر حياته في المعترك العام على حقبة واحدة من تاريخ لبنان، هي حقبة ارساء أركان دولة لبنان الكبير، في عهد الانتداب الفرنسي. واذا كانت طفولة ميشال زكور وصباه في قريته، قد عاصرا الاعوام الاخيرة من انهيار الرابطة العثمانية وزوالها، فان دخوله معتركي العمل الصحافي والحياة السياسية من باب التمثيل النيابي، والوزارة تاليا، انما جاء في سياق تدشين صفحة جديدة من صفحات تاريخ لبنان ومصيره، في مختلف الوجوه والميادين. واذا شئنا اتخاذ ميشال زكور وعائلته مثالا نموذجيا على ذلك السياق الجديد البادىء عام 1918، فان الاغتراب اللبناني المديد وثماره، ونشوء الصحافة وتوسعها، وظهور التمثيل السياسي البرلماني، وكذلك مؤسسات الحكم الحديثة، وما نجم عن هذا كله كبروز رأي عام، ومثالات وصور جديدة للحياة والعلاقات الاجتماعية والفردية… تبدو العناوين الابرز في تلك الصفحة. الاهل والصحافة فالبلدة الساحلية التي أبصر فيها ميشال زكور النور كانت، بحسب كاتبي سيرته، فاضل سعيد عقل ورياض حنين، وناشريها عن “المطبعة الكاثوليكية” عام 1988 في عنوان “ميشال زكور – حكاية عصامية وتاريخ حقبة”، “تتوزع بيوتها منفردة، بين بساتين (…) التوت والليمون، والرمان والمشمش”. وكان سكانها مزارعين ينقلون منتجاتهم من خضر وحليب على ظهور الدواب الى بيروت، حيث يبيعونها. اما عائلة زكور فيعود اصلها الى قرية زكريت في المتن الشمالي، قبل نزوح فروع منها الى الشياح، حيث استقر حنا مخول زكور، والد ميشال، وتزوج من لميا يوسف الدكاش، من حارة حريك المجاورة. وكان حنا من وجوه البلدة المحليين، اذ كان وكيل وقف كنيسة مار ميخائيل للطائفة المارونية. اما اخوة ميشال زكور الاربعة الذكور فهاجروا جميعا، الى واحدة من شقيقتيه، الى كولومبيا. فيما كان جده لأمه يملك واخوته معملا للحرير في حارة حريك، قبل تحولهم على تجارة الاقمشة في بيروت. وفي مدرسة البلدة، تلقى ميشال دراسته الاولى، قبل استكمالها في مدرسة الحكمة التي تخرج منها عام 1913 والتحقق بالمعهد الفرنسي لدراسة الحقوق. لكنه سرعان ما تخلى عن متابعة هذه الدراسة وعمل في الصحافة التي اتصل تكاثر صدورها وتوسعه في مطالع القرن بشبكة من العوامل: اتساع التعليم وازدهار الطباعة والصلة بالاغتراب والهجرة اللبنانيين الى مصر، وكذلك الاهتمام بالكتابة والتدوين، وبروز اساليب جديدة في التعبير، وصنف جديد من الكتاب والادباء المحترفين خارج أطر الكتابة التقليدية بنتيجة الصلة بالغرب وثقافته. هذا اضافة الى ظهور حيز للحياة العامة والرأي عرفت شؤونهما وشجونهما طريقها الى العبارة والكتابة. وبدأ ميشال زكور حياته الصحافية في جريدة “النصير” لصاحبها عبود ابي راشد، ثم في “الجامعة” التي اسسها في عاليه الياس شبل الخوري، صاحب “الجامعة الوطنية”، قبل اصداره وصديقه سعيد عقل (من شهداء 6 ايار في ما بعد) جريدة “الاحوال”. ومن الصحف الكثيرة التي ساهم في الكتابة فيها نذكر “البلاغ”، و”الاقبال” و”الاخاء” و”الحقيقة”، قبل تسلمه رئاسة تحرير صحيفة “الحرية” (عام 1919)، ثم التحرير في “البرق” لصاحبها الشاعر بشارة الخوري (الاخطل الصغير). المعرض وفي عام 1921، وفي مناسبة افتتاح الجنرال غورو “معرض بيروت” اصدر ميشال زكور في أول ايار صحيفة “المعرض” التي ظلت تصدر حتى عام 1936، مرتين اسبوعيا في البداية، ثم يومية، قبل تحولها اسبوعية في اعقاب مشاركة ميشال ابو شهلا، في اصدارها. وكانت ل “المعرض” مطابعها الخاصة التي سافر ميشال زكور بنفسه الى المانيا لشرائها بأموال من اخوته المهاجرين. اما مكاتبها فانتقلت من سوق سرسق الى خان انطون بك، ثم الى شارع اللنبي. وفي مكاتبها تألفت “عصبة العشرة” من اربعة عاملين فيها، هم ميشال ابو شهلا وفؤاد حبيش (مؤسس “المكشوف” لاحقا) والياس ابو شبكة وخليل تقي الدين. وكانت”المعرض” اول مطبوعة لبنانية مصورة، ورائدة في جمعها بين السياسة والادب والفنون، وفي تسلم هيئة ادبية مؤسسة (عصبة العشرة) تحريرها. هذا الى انها كانت الجريدة الاولى في استعمالها الالوان ونشرها الكاريكاتور. ويحصي كاتبا سيرة ميشال زكور مئات الاسماء التي نشرت لها “المعرض” مقالات، نذكر منهم: الياس ابو شبكة (174 مقالا)، الاخطل الصغير (44 مقالا)، حليم دموس، خليل مطران، جبران خليل جبران، شبلي الملاط، ايليا ابو ماضي، امين نخلة… الخ. اما “عصبة العشرة” التي ارتبط ب “المعرض” اسمها فكانت ركيزة الجريدة، لكن اعضاءها الدائمين ظلوا اربعة، بينما كان الستة الباقون يتبدلون، ومنهم كرم ملحم كرم ويوسف ابرهيم يزبك وتقي الدين الصلح. وفي هذه العصبة كتب ابو شبكة قصيدة قال فيها: “اربعة، لكنهم عند القياس عشرة اذا أهابوا بالدجى أرخى عليهم قمره وان أهابوا بكنوز الوحي حلّ صرره صلّت نراجيلهم على الطلى والكركره”. بورتريه وفي عدد 22 حزيران 1930 من “المعرض” ابو شبكة بورتريه لميشال زكور، نقتطف منها: “طلعة اريستوقراطية في وجه جبلي انوف. شعور كهل في رأس فتى. قامة رومنطيقية، أنيق اللباس الى حد اقصى. منديل رومنطيقي يطل من جيب سترته لا استطيبه، وقد يكون كرهي اياه ناجما عن كرهي كل ما يعد من كماليات الزي الحديث. انزع الصلف عن الاستاذ زكور فيتسقيم أمره. يرتفع فوق جميع الاحزاب. يتطير من مجالسة من هو دونه مقاما، فهو يتقي بذلك شماتة اشباه الرجال. وقد يكون عنصر كبريائه صادرا عن هذه الحشرة في خلقه. مبسوط اليد، وقد يكون كرمه سجية في نفسه. وفي سياسياته التي تقرأها في صدر “المعرض” عُرْف طاهر النشر ينفثه أطهر قلم يحمله صحافي في هذا البلد. لبناني بحت. وقد يكون الاستاذ زكور الصحافي الوحيد الذي ختم “الشعب” على حبه الضمائر والقلوب وانتخبه نائبا عن حب اكيد واعجاب صادق. وفي العشرة الاعوام الشريفة التي خدم بها القضية اللبنانية في صحيفته “المعرض” والتي لم يلوث خلالها بخط تبقى عليه تبعة، لأوضح برهان على ان نائب الشباب لن يحيد عن الطريق التي سلكها من قبل. “نادرا ما تسهر ليلة اريستوقراطية ولا تجد زكورا، ففي الرستوران الفرنساوي تجده، وفي الميرامار تجده، وفي التياترو الكبير تجده، وفي الامبير تجده. تجده في كل ليلة من ليالي سيسيل سوريل، الكسندر روبين، وماري بل، ورمسيس، وفاطمة رشدي، وتجده أحيانا في الاماكن الديموقراطية، ففي قهوة النجار تجده، وفي مغارة شقير تجده، وفي جريدة “البيرق” تجده. أما في جريدته “المعرض” فقد لا تجده”. نائبا ووزيرا كانت الصحافة سبيل ميشال زكور الى النيابة، شأنه في هذا شأن كثير من أهل القلم والرأي. فخبز الصحافة اليومي كان، الى المقالة الادبية، تناول الحياة السياسية وأهلها وبطانتها وتياراتها في لبنان الذي كانت قد بدأت تتشكل فيه حياة سياسية محاورها الدستور والاستقلال وشؤون الحكم والتمثيل والعلاقة بحضور الدولة المنتدبة (فرنسا) وبسوريا. وهذه كلها أمور جديدة على لبنان ما بعد الحرب الاولى، في مقدمها نشوء مؤسسات دستورية محلية، وبروز الفئات والكتل الاجتماعية اللبنانية وممثليها ووجوه الرأي فيها، على مسرح الحياة العامة. وتبين مراجعة افتتاحيات “معرض” ميشال زكور ان المندوب السامي الفرنسي وبطانته في المؤسسات اللبنانية، هي مادة الكتابة السياسية الصحافية ومدارها. وقد كان زكور دستوري الهوى والتوجه في مواقفه وآرائه. وهذا ما أوصله الى النيابة في عام 1929، حين ترشح عن ساحل المتن الجنوبي استجابة للتشجيع الدائم من صديقه اسعد عقل. ومن لائحة الثمانية مرشحين التي كان زكور في عدادها، لم يفز في الانتخابات غيره الا مرشحا آخر هو توفيق مجيد ارسلان. وقد نال زكور اعلى نسبة من اصوات الناخبين. وفي الدورة النيابية التالية (1933) رشح زكور نفسه مجددا ضمن لائحة كان في عدادها كميل شمعون الى مرشحين ثلاثة آخرين، ففازت اللائحة كاملة، لانها لم تواجه بغير مرشحين منفردين. ويبدو ان انشغال زكور بالنيابة وشؤونها قد صرفه عن الصحافة. فزميله في “المعرض” الياس ابو شبكة كتب عشية انشغال زكور بالحملة الانتخابية للعام 1933، ينعى الجريدة التي “يعلق صاحبها على كرسي النيابة هما كبيرا. وقد يضحي لأجله بأعز ما لديه”، اي ب “المعرض” التي كانت في رأس ما أوصله الى النيابة التي اوصلته بدورها الى الوزارة عام 1937. وهي الوزارة الائتلافية التي ضمت دستوريين وكتلويين، برئاسة خير الدين الاحدب، وكان نصيب زكور فيها حقيبتي الداخلية والخارجية. وفي المناسبة، اقيمت احتفالات ومهرجانات خطابية في قرى الساحل، وأمّت وفود شعبية منها منزل زكور في الشياح تهنئه بالوزارة. وأمضى زكور في الوزارة 97 يوما، انتهت بوفاته في 18 حزيران 1937، بعيد عودته من حفلة مدرسة البنات الاميركية في بيروت الى سرايا الحكومة، حيث فاجأته نوبة دماغية. كان الى جانبه في تلك اللحظة مدير الداخلية صبحي ابو النصر الذي أسعفه قبل وصول الاطباء، وفي مقدمهم الدكتور الياس البعقليني، كبير جراحي المستشفى الفرنسي الذي نقل زكور اليه. وكانت العبارة الاخيرة التي نطق بها لسانه: “دخيلكم، أريد ان اشاهد زوجتي وأولادي”. محمد ابي سمرا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*