هل الكنائس الورقة التالية لـ”شرعنة” الأسد؟

روزانا بومنصف
النهار
14082018

في الوقت الذي بدا ان لبنان قد يرتاح من تسييس ملف النازحين السوريين مع انطلاق مبادرة اعلنتها روسيا من اجل تأمين عودة هؤلاء، فانه لم يفت استمرار الدفع من بعض القوى في تحالف 8 آذار في اطار اعتبار ان هذه المسألة تحتاج الى تواصل بين الحكومتين في لبنان وسوريا، وان المساهمة في اعادة اعمار سوريا من دون التطبيع مع بشار الاسد قد تكون صعبة. ويدافع بعض المصادر في هذا الاطار من منطلق ان الوفد الروسي الذي زار لبنان اخيرا من اجل البحث في المبادرة الروسية ابلغ رئيس الحكومة سعد الحريري ضرورة ان يفتح لبنان حوارا مع الاسد لهذه الغاية، وان الرئيس المكلف وإن كان اعلن انه لن يفعل ذلك فليس مستبعدا ان يتم تكليف من يقوم بذلك. ويعتقد سياسيون ان المبادرة الروسية اعطت دفعاً في الواقع لما يطالب به مؤيدو النظام وحلفاؤه في لبنان بالدعوة الى التواصل مع هذا الاخير على قاعدة ان المبادرة الروسية لمن اطلع عليها لم تشمل سوى شق لوجستي عسكري تقني حول نقل اللاجئين الى مناطق تهجيرهم او مناطق يمكن ان يعودوا اليها من دون اي بعد سياسي، او الكلام على ضمانات سياسية في مقابل الاعتقاد بقوة ان الهدف الرئيسي لهذه المبادرة هو العمل والترويج لضرورة اعادة التطبيع مع النظام وتاليا اتاحة المجال لاعادة الاعتراف بشرعيته خصوصا من الدول الاوروبية، في مقابل السعي الى تأمين اموال لاعمار المناطق المهدمة. وتتردد في هذا الاطار معلومات ان دولا كثيرة لم تعلق على المبادرة الروسية في الوقت الذي امتحنها الالمان والفرنسيون الذين من المقرر ان يجتمع بهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في اليومين المقبلين في تركيا من خلال رصد امكان اعادة النازحين الموجودين في المانيا وفرنسا الى سوريا قبل الحديث في اي امر آخر انطلاقا من ان اوروبا التي عانت من موضوع النازحين اضطرت الى عقد اتفاق مع تركيا من اجل وقف التدفق اليها عبر هذه الاخيرة.

المبادرة الروسية لمن فاته الاطلاع على مضمونها تعدد في لوائح مفصلة اماكن وجود النازحين السوريين وعددهم في هذه الاماكن وما هو عدد الطائرات او الباصات من اجل اعادتهم الى بلادهم كما هي الحال بالنسبة الى لبنان والاردن وتركيا مثلا، وتتحدث عن ان عدد السوريين في سوريا راهناً هو 17,9 مليوناً، وان 6,5 ملايين غادروا سوريا منذ بداية الحرب، والحاجة الى اعادة إعمار مناطق دمر منها في بعض المدن ما بين 40 و70 في المئة، وحاجات العائدين المحتملين الى مساعدات لمدة معينة. وهذه ليست خطة تحتاج فعلا الى درس بل الى ما وراءها. وهناك امران يثيران اسئلة في الاوساط السياسية المتابعة لموضوع المبادرة الروسية. الاول يتصل بامكان ان تنجح هذه المبادرة على رغم الاقرار الاميركي لروسيا بالدور الفاعل والمؤثر في سوريا، وحتمية معرفة التفاصيل الفعلية لهذا الموقف وما ستكون الشروط لذلك، وهل ستتصل بحتمية الوصول الى حل سياسي وطبيعة هذا الحل، علما ان التواصل مع الدول العربية ولا سيما منها الخليجية لم يحصل وفق ما هو متوقع، وانه سيعوَّل حتماً على التمويل الخليجي وليس فقط التمويل الاوروبي لاعادة الاعمار. وتجدر الملاحظة ان روسيا لم تتوجه الى مجلس الامن من اجل الحصول على دعم اعضائه الدائمين وغير الدائمين لمبادرتها لعودة اللاجئين. والامر الثاني يتصل بواقع اذا كان يمكن موسكو ان تلجأ في المرحلة المقبلة الى تحريك الكنيسة الارثوذكسية في روسيا كما حصل في بعض المراحل، وتاليا في سوريا من اجل مساعدة النظام في استعادة الشرعية، خصوصا ان الكنائس ورؤساءها لعبوا دورا كبيرا منذ بداية الحرب في استمرار الغطاء لبشار الاسد وضرورة استمراره في السلطة. ومن غير المستبعد وفقا لهذه الاوساط احتمال اللجوء الى دعوة من الكنيسة الارثوذكسية في سوريا الى لقاء مصالحة وطنية برعاية الاسد. وتجدر الاشارة الى علامة استفهام كبيرة في هذا الاطار حول مدى موافقة الفاتيكان على سياسة مماثلة، اذ ان هذا الاخير حذر إزاء موضوع التطبيع مع الاسد واحتمال عودته الى ما كان عليه، ومع ان موضوع النازحين هو انساني إلا ان له بعدين سياسي وديني ومن ضمن اي ضمانات. وتوظيف العامل المسيحي في هذا الاطار قد يلعب من خلاله بعض الافرقاء السياسيين في لبنان من ضمن التقارب المعروف لفريق رئيس الجمهورية مع النظام السوري حتى قبل وصول العماد ميشال عون الى الرئاسة الاولى على قاعدة ما يشاع من ان ما يسمى “حلف الاقليات” في المنطقة قد نجح في مساعدة المسيحيين في لبنان على استعادة حضورهم السياسي، وتاليا يمكن ان يلعبوا دورا في هذا الاطار في احتمال محاولة اقناع الفاتيكان او ربما وضعه امام امر واقع سياسي.

واستكمالا يسأل بعض الاوساط عن رد فعل الولايات المتحدة واوروبا وحتى الدول العربية على رغم ان الرئيس الاميركي اعطى اشارات ايجابية، لكن ثمة ملاحظات حول ما اذا كانت هذه الاشارات تسري على اعادة تشريع نظام الاسد والتسليم كليا لروسيا وموقف الدول العربية الحليفة من ذلك. وتاليا يسألون عن قدرة روسيا على تقديم الضمانات الامنية والسياسية للعائدين ومدى صلاحيتها اي لشهر او لسنة او اكثر، علما ان هناك من يتحدث عن حتمية ايجاد حلول للراغبين في العودة من غير المعارضين لكن غير المتحمسين للمشاركة في جيش بشار الاسد في وقت ان هذا الامر هو احد شروطه.

هل يمكن لبنان ان يواكب المبادرة الروسية بأفكار تناسبه؟

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*