الخلافات المنذرة بمرحلة خلافية كبيرة!


روزانا  بومنصف
النهار
29062018

تم تجنب تفاقم الخلافات في اليومين الاخيرين على اثر البيانات التي تعاقبت من القصر الجمهوري ومن الكتل النيابية الموالية لكل من الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري عبر زيارة للوزير ملحم الرياشي الى الرئيس عون موفدا من رئيس حزب “القوات اللبنانية” وزيارة الرئيس الحريري لقصر بعبدا ثم لملمة نعي “تفاهم معراب” من التكتل العوني على نحو اظهر بوضوح استدراك الجميع تسارعا في انزلاق البلد الى ما يحذرون منه. لكن هذا لا يمنع الاقرار من جانب مصادر سياسية عليمة بان التطورات الاخيرة المحيطة بتأليف الحكومة القت بظلال قاتمة جدا على المرحلة المقبلة نتيجة الخشية من ان هناك من يفتعل مشكلات جديدة بدلا من المساهمة في ايجاد حلول للمشكلات القائمة اصلا. اذ ان انطلاق الخلافات السياسية على نحو مبكر اعطى مؤشرات سلبية ازاء مرحلة يبنى عليها الكثير من اجل تفادي الوصول الى وضع خطير في لبنان خصوصا ان الموقف الرئاسي استكمل بمنظومة من الشروط والضغوط ما لا يجعل المسألة ككل بريئة. فمع ان البيان الذي صدر عن قصر بعبدا فسر صلاحيات رئيس الجمهورية على نحو يتفق دستوريون كثر على انه لا ينسجم وما يرد في اتفاق الطائف ولو ان البيان تحدث عن التزام رئيس الجمهورية هذا الاتفاق وهو لم يسم من يرفع في وجهه هذه الصلاحيات، الا ان البيان الذي صدر عن كتلة المستقبل النيابية اظهر ان رئيس الحكومة المكلف قد يكون معنيا بنسبة كبيرة من هذا البيان علما ان الرئيس الحريري اظهر مرونة واضحة لعدم رغبته في كسر الجرة مع رئيس الجمهورية. والمخاوف على المرحلة المقبلة التي بات ينظر اليها بحذر شديد على خلفية عدم التعلق باوهام هو تجاهل المسببات التي ادت الى تقديم الرئيس الحريري استقالته من الرياض في تشرين الثاني من العام الماضي. اذ انه وايا تكن طبيعة المشكلة التي حصلت مع المملكة السعودية انذاك، فان ذلك لا ينفي ان هناك مشكلة كبيرة كانت تتصاعد نتيجة الخلل المتعمد في التوازن الداخلي من جهة وكان ثمة خلل في الاداء في السياسة الخارجية. ومع انه لا يتوقع احد تكرار هذه التجربة مع المملكة السعودية لاعتبارات تتعلق بتجربة غير ناجحة، لكن دول الخليج تترقب مآل الوضع في لبنان على ضوء كل هذه التطورات فيما لبنان لا يزال يعد نفسه برفع الحظر عن سفر رعايا دول الخليج الى لبنان. وتاليا فان الاداء المشكو منه من افرقاء كثر في موضوع تأليف الحكومة والمقاربة الرئاسية المباشرة او عبر التكتل النيابي الموالي للعهد يجعل المعارضة اقرب الى التشكل اكثر من اي وقت مضى ولو من مواقع مختلفة ومن دون حتمية الانضواء ضمن جبهة واحدة. وهذا ما قد لا يكون مناسبا بالنسبة الى انطلاق حكومة العهد ما بعد الانتخابات ولو انه مبدأ ديموقراطي ان يكون هناك موالاة ومعارضة ولو ان الدستور لم ينص على الاطلاق بان تكون كل الحكومات حكومات وفاق وطني تضم الجميع. وثمة ما يدعو الى عدم التقليل من اهمية التذكير باحتمال تصاعد نفس معارض قاس ليس بناء على بيان تكتل المستقبل فحسب بل بناء على موقف كان اعلنه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان في عيد الفطر واشار الى تجاوزات غير مقبولة في التصرف بملفات تعود الى الحكومة ككل والى رأي او تقويم كان اعلنه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من اداء العهد قبل اسابيع قليلة لا تزال تتفاعل اثاره في رفض رئيس الجمهورية الحصة الوزارية التي يطالب بها الحزب نتيجة حصوله على الحصة الدرزية شبه كاملة في الانتخابات النيابية. وتشكل هذه المواقف جميعها مؤشرا على ان امور الحكم لا تدار بالطريقة التي تتم ادارتها راهنا ومن المرجح ان تتصاعد هذه المواقف اذا بقيت الحال على ما هي عليه، علما ان حال الاستياء تجد صدى لها ايضا لدى بعثات ديبلوماسية كانت تتحفظ عن ابداء رأي واضح او سلبي مما يجري لكنها اسقطت تحفظها اخيرا.

ثمة من يثير تساؤلات في المقابل عن طبيعة هذا الصراع السياسي وان كان معبرا عن حقيقته وفق ما هو ظاهر او هناك ما يخبئه او من يختبئ وراءه على خلفية ان واقع الصراع على الحصص الوزارية لا يخفي ان مجلس الوزراء لم يعد هو سلطة القرار الفعلية في البلد بل غدا هو سلطة اسمية تنفيذية لسلطة قرار فعلية تقوم في احد جوانبها على التفاهمات التي تبنى بين رؤساء التكتلات السياسية الكبيرة اذا كان حرص على توافق الجميع او على تفاهمات جزئية يتم السعي الى ترجمتها او فرضها على الاخرين فتنشأ خلافات على الاثر علما ان القرار الفعلي غدا يتحكم به “حزب الله” على مستوى الداخل بنسبة كبيرة وحتى على مستوى الخارج الى حد ما. وقد اضحى هناك تشويه متعمد ومقصود للالية الديموقراطية الدستورية في البلد مرة عبر التفاهمات على القرارات خارج مجلس الوزراء ومرة عبر الالغاء العملاني للفصل بين السلطات مع تحول مجلس الوزراء الى مجلس نواب مصغر بحيث يشارك الجميع تقريبا في الحكومة ولم تعد هناك اي محاسبة لعمل الوزارات ما لم يكن الاعلام منصة سياسية احيانا لحملات سياسية يفتح فيها افرقاء ملفات الخصوم وليس ملفات الحلفاء او الملفات الخاصة.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*