الرئيسية / بالإشارة الى... / 24 مليون جرذ ترقص الباليه في إيل دو فرانس: باريس تحت الاحتلال

24 مليون جرذ ترقص الباليه في إيل دو فرانس: باريس تحت الاحتلال

كاتيا الطويل
النهار
07112018

بين الصورة الأدبية المرسومة في الذاكرة عن الجرذ، وبين حال باريس مع الجرذان، فرق شاسع.

فلنعد قليلاً في الزمن إلى الوراء، وعلى وجه التحديد إلى أوائل القرن التاسع عشر.

كان التلميذ يتمتّع بلقب مميّز يخصّه دون غيره من الناس. فقد كان يُطلَق عليه لقب “الجرذ”. وفي روايات بلزاك مثلاً، كان الجرذ هو التلميذ طالب العلم الذي ترافقه الأحداث والذي يرافقه السرد. وكان هذا الجرذ عندما يُنهي تحصيله العلميّ ويتخرّج، يتحوّل مباشرة، وبشكل طبيعيّ ومنطقيّ وعلميّ تمامًا، إلى نمر.

وكانت راقصات الباليه الصغيرات كذلك يشاركن التلميذ حصّته في هذا اللقب. فاللواتي منهنّ تتراوح أعمارهنّ ما بين السابعة والرابعة عشرة، كُنّ يُعتبرن أيضًا من فئة القوارض هذه، وكنّ يُسمّين “جرذان دار الأوبرا”.

إلى جانب التلاميذ والراقصات، كان عُشّاق الكتب أيضًا ينالون نصيبهم من هذه التسمية. فجرذ المكتبات هو كلّ عاشق للكتب وكلّ امرء يقبع بين الرفوف وروائح الورق العتيق الأصفر.

أصبحت هذه التسمية شائعة، وانتقلت إلى لغات أخرى، وصارت ضربًا من ضروب التباهي التي يعتمدها القرّاء النهمون ليشيروا إلى أنفسهم.

في فيلم “راتاتوي” تحوّل الجرذ إلى كائن لطيف محنّك ينقذ الإنسان من مواقف محرجة ويساعده ليتقدّم في مسيرته العمليّة.

من الأمور التي لا يعرفها معظم الناس عن الجرذ هو أنّه كائن وفيّ، ذو ذاكرة حادّة، لا ينسى مالكه ولو بعد مرور وقت طويل.

والجرذ كائن خجول يؤثر الظلمة على ضوء النهار، ويؤثر الاختباء على المواجهة والتحدّي. وكما كمنت قوّة شمشون في شعره، تكمن قوّة الجرذ في ذنبه، فيشكّل مصدر توازنه الجسديّ البيولوجيّ.

أمّا في العودة الآن إلى قرننا الحادي والعشرين، وإلى حياة باريس في هذا القرن المتوتّر المرتبك، فلا بدّ من أن أخيّب آمالكم وأن أُنزلكم عن غيمة الرومنطيقيّة التي امتطيتموها.

يؤسفني أن أخبركم أنّ الجرذ في يومنا هذا لم يعد الكائن المثقّف ذاته. لم يعد التلميذ ولا راقصة الباليه ولا عاشق الكتب.

الجرذ اليوم هو كائن مخيف، ذو حجم لا بأس به، يقيم في شوارع باريس وأزقّتها ويرفض التنازل عن أرضه لأ

الجرذ في يومنا هذا بات كائنًا لا مباليًا، لا يخاف ولا يتنحّى جانب الطريق عند مروركم ولا يهتمّ بوجودكم أصلاً.

تشير الأرقام إلى أنّه مقابل كلّ باريسيّ مقيم في باريس (يبلغ عدد سكان باريس ضمن الدوائر مليونين و220 ألفاً)، هناك جرذان اثنان مقيمان قربه. قربه أو معه أو حتّى في مسكنه نفسه (نحو أربعة ملايين و450 ألف جرذ).

فإذا كان معدل السكان التقريبي في باريس وضاحيتها نحواً من 12 مليون نسمة، فهذا يعني أنّ باريس الكبرى “إيل دو فرانس”  تحتوي على 24 مليون جرذ.

وإذا افترضنا، أقول افترضنا، وأشدّد، إذا افترضنا، أنّ كلّ ثنائيّ من فئة القوارض هذه ينجب ما لا يقلّ عن
“دزّينة” قوارض صغار في العام؛ وإذا افترضنا، أقول افترضنا، وأشدّد، إذا افترضنا، أنّ قوانين مواجهة هذه الظاهرة ستبقى على الدرجة التي هي عليه الآن من التساهل والمحافظة على حقوق الحيوان، فسنصل بعد أقلّ من خمس سنوات إلى مرحلة يتجاوز فيها عدد الجراذين المقيمين في باريس عدد الفرنسيين والمقيمين فوق الأراضي الفرنسية بشكل فاضح ومخيف.

ويمكن القادم إلى باريس بهدف السياحة والاستجمام ألاّ يلاحظ جيرانه الجرذان والمستوطنين على الأراضي الفرنسيّة قربه. إنّما لا يمكن أيّ مقيم في باريس ألاّ يلتقي بجرذ يتمشّى على ضفاف السين ذات مساء، لا يمكنه أن يشيح بنظره عن الجرذ الذي يختال في زوايا البار الذي يحتسي فيه نبيذه. لا يمكن المقيم في باريس ألاّ يلاحظ جرذان المترو، كما لا يمكنه أن يتغاضى عن الصوت الغريب الذي يسمعه في الحائط عندما يلقي برأسه على وسادته مساءً. صوت ينبعث من الحائط. كأنّها أظفار تجرح الحائط وتحاول اختراقه. أسنان تنهش الحائط وتحاول الخروج منه. ممّا تراه مصنوعا هذا الحائط الرقيق؟ أتراه يتمكّن من التصدّي لهجوم الجرذ القابع خلفه؟ تبتسم لنفسك. يذكّرك هذا الحائك بحائط “لعبة العروش”  سقط الحائط في قصّة صراع العروش أمام الجيش البارد، أفتراه يسقط في باريس أمام جيش الجرذان؟

اضف رد