2018: عام الكولونيل ساتيو

سمير عطاالله
النهار
04012019

أحياناً، وخصوصاً في حالات الابتذال الشديد، تصبح العامية اكثر تعبيراً من طاقات الفصحى. لذلك، لا يكفي القول إن 2018 كان عام الذروة في تراجع الديموقراطية عبر العالم، فالأكثر دقة القول إنه “شبشلة” أو “تشوّش”، أو أسوأ. وبما ان ظلم ذوي القربى اشد مضاضة، فقد عانَتْ هذه الصيغة المتفاوتة النجاح والفشل، من اكثر الدول تعلقاً بها: الشعب البريطاني يقترع للخروج من رحمه الطبيعي. والشعب الاميركي تحت انفعاليات رئيس لا شبه لسلوكه التعسّفي، المتفلّت من كل الضوابط. حتى الدول الفاشلة، أي تلك التي لها اعلام ورايات ومقاعد في المحافل الدولية، لكنها في الواقع مجموعات قبلية، بدائية، تحتكم الى تزوير القانون وتسخيف مضامينه. فالكونغو هو أيضاً يذهب الى الانتخابات بموجب قوانين تشبه النسبية، وربما ادعت ايضاً الانتساب الى اينشتاين. لكن العلّة الاساسية في الديموقراطية أنها تحمل على مَحَفَّة واحدة رجالاً أمثال ايمانويل ماكرون في باريس وفيكتور أوربان في بودابست.

لا يزال معظم العالم يعمل بالدرس الذي اعطاه الرقيب النسموي أدولف هتلر. وهو ان الاصرار على الكذب يحوّل نحت النحاس الى لوحات. والكذب المتكرر في عصور الضحالة، لا يتحول فقط الى حقائق، بل يتعدّاها في خدر الشعوب إلى مواجهة مع المقدسات. القائد هتلر لم يعد مجرد زعيم يجر خلفه الشعب الجرماني وَوَرثة الامبراطورية النمساوية، ارقى الامبراطوريات في التاريخ، بل صار منظِّروه يعقدون المقارنة كل يوم بين عظمته ومسكنة المسيح. فمن هو ابن الجليلي هذا إلاَّ صديق لدزينة من صيادي الاسماك، يبشّر بقبول الصفعة والخضوع لسخرة الاميال مضاعفة، في حين ان الفوهرر يضرب بريطانيا ويحتل فرنسا، وينقضّ على الروسيا ولن يمضي وقت إلا ويكون قد أصبح إله الكوكب الازرق.

تعبّر الديموقراطية عن صورتها اولاً، بالخطاب الذي تعتمده. لذلك لن تجد في عالمها ودولها خطاباً يتعدى نصف الساعة، أو يحمل جملة مبتذلة واحدة. ضرب نيكيتا خروشوف بحذائه طاولة الأمم المتحدة امامه وهو يتحدث عن تعلّق السوفيات بالسلم العالمي! وكان فيديل كاسترو يتحدث طوال ست ساعات من دون توقف غير مدرك ان بين آلاف الرفاق الذين يصغون إليه، من لا يستطيع البقاء طوال هذه المدة، محتبساً حاجاته الطبيعية. جميع خطب الرئاسة في اميركا، بما فيها خطاب جورج بوش الإبن، جُمعت في كتب تاريخية. إلا خطاب دونالد ترامب الذي هو تغريدة اطول من العادة، لرجل مبعثر الافكار، يحتقر ما سبقه من اعراف، يهاجم الذين اختارهم أعواناً له، ويحمل على حلفائه، خصوصاً الكبار منهم، ويعلن دوماً ومن دون أي تردد، أن اميركا لن تتدخل في مكان إلا إذا دُفع أجرها سلفاً. وهو لا يُدرك، بين اشياء كثيرة، أن الولايات المتحدة ذهبت الى الحروب في انحاء العالم، من دون دعوة من أحد. بل هي التي جرّت الأمم الى حروبها بسبب قضاياها. طبعاً، لا ننسى أنها خاضت الحربين العالميتين بدعوة من أوروبا، لكنها انتهت منهما كأكبر قوة في العالم.

يشبه منطق دونالد ترامب وسلوكه الشخصي وموقفه من القضايا البشرية، وما لا يزال يسمى حقوق الإنسان، أو القيم الاخلاقية المتعارف عليها – يشبه الى حد بعيد شخصية رجل آخر يقطن في الكرملين منذ سنوات عدة ويستعد للبقاء فيه مدى الحياة. ذهبت الى غير عودة تلك المُثُل التي كان الاميركيون والسوفيات يدّعون الصراع من اجلها، والتي من اجلها سُمِّيَت اميركا “زعيمة العالم الحر”، أو دولة “الانصهار البشري”. فالرئيس اليوم يريد بناء جدار كامل مع المكسيك، ويرد اللاجئين، أما روسيا البوتينية، وريثة شعار الكادحين وعمال العالم، فهي لم تستقبل موجة واحدة من اللاجئين الذين يطوفون البحار والمحيطات.

حُكم تويتر الاقتضابي في البيت الأبيض، وعودة الفاشية الشعبوية في أوروبا، والاتجاه نحو الثقافات الاستبدادية، وتخلي الصين عن ليبيرالية سياسية صوريَّة من أجل العودة الى القبضة الواحدة، مظاهر تؤكد ان الديموقراطية في أحلك أزماتها منذ الثلاثينات. ها هو فيكتور أوربان في بودابست يصف معارضيه بالخونة، مثله مثل عمر البشير في الخرطوم، أو قبله معمَّر في طرابلس. وفي دول اوروبية كثيرة بينها بولونيا، يظهر حنين واضح الى الايام الشيوعية بما يخالف أعراف ومفاهيم الوحدة الاوروبية. وفيما عادت المظاهر النازية الى المانيا، عادت الى الحكومة في ايطاليا قوة فاشية جديدة، ويحاول اتباع موسوليني ان يصبحوا من جديد جزءاً من الهيكل السياسي في البلاد. وفي تركيا التي كانت قبل 10 سنين تطلب بحرارة الانضمام الى الوحدة الاوروبية، يتصرف رجب طيب اردوغان وكأنه أتاتورك جديد. وفي اليابان التي انتقلت بعد الحرب من زمن الامبراطور المعبود الى النظام الديموقراطي، يتصرف القضاء الآن وكأنها دولة ستالينية: طوكيو تمدد السجن للرجل الذي ادّى لها اكبر الخدمات الاقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية.

تشبه قضية كارلوس غصن فيلم “جسر على نهر كواي” عندما بنى اسرى الحرب جسراً لحساب المضطهد الياباني. واتخيل المدعي العام اليوم في شخص الكولونيل ساتيو، الفظ، الرافض لأي مشاعر، المتعالي فوق كل امتنان. الديموقراطية وقضاء الكولونيل ساتيو لايستقيمان. إلى الآن لم تمحَ تلك الوصمة التي الحقها مكارثي بالديموقراطية في اميركا. وسوف يأتي يوم، لعله قريب، ينتشلها من تويتر ترامب.

كنا نقول دائماً إن المشكلة ليست في خطاب السياسي الأول، بل في النموذج العاطل الذي يتركه للعامة. فعندها ينظر الرجل العادي الى السفاهة والبذاءة والحنث في الوعود والكذب وإنكار الكذب، على أنها امور طبيعية، واحياناً، على أنها مهارة. خصوصاً عندما لاتكون لديه اي مهارة اخرى، عندها يتردى كل شيء آخر.

يبدو فلاديمير بوتين اليوم وكأنه النموذج الذي يجتذب الشبان حول العالم. إنه سياسي ثابت لا يتحرك فيما يتخبط منافسه كل نصف ساعة في قرار. في اليوم نفسه اعلن الانسحاب من سوريا وطار سراً الى الانبار في العراق، ترافقه زوجته.

مسكينة الديموقراطية، أحياناً. وكم هو صحيح قول تشرشل “إنها افضل الخيارات السيئة”. كان 2018 عاماً مضنياً عليها. وكان سخيفاً علينا. امضيناه نهنىء بعضنا بعضاً بالولادة، ثم نكتشف ان صناعتنا الحقيقية هي الاجهاض. وأن الحمل المشترك مجرد متاهة في اليتم. سباق الفحول في ساحة عقم. صارت الحكومة بعد سبعة أشهر عيدية، كما ان النفط لم يتحرك في باطن البحر إلا على وجه وزير الطاقة، الكلي الظهور، تبارك في تجليه، وقدَّس الله نوره الساطع 24/24. حكومي وموتورات.

قال ترامب، مغرداً، إنه اعطى أميركا أعظم اقتصاد في تاريخها. وفي اليوم التالي سقطت بورصة نيويورك مثل برج التجارة في 11 سبتمبر! وفي اليوم الذي بعده خرج يحارب البنك المركزي ويهز العالم.

حال الدستور الاميركي مثل حال دستورنا. أول مرة اقرأ ان رئيساً اميركياً تحدث عن سعر الفائدة، كانت على تويتر. حتى الآن لا يعرف هذا الرجل لماذا انتخب، ولا نحن. لكن ثمة أمراً مقلقاً في الموضوع. والأكثر اقلاقاً هو الأثر السيئ في نفوس الصغار والمقلدين في العالم. جميعهم سوف يعتبرون ان الحقيقة هي إهانة الاصدقاء وشتم الخصوم والثرثرة اليومية التي لا تقول شيئاَ، ولا يبقى منها شيء، وتبقى الدراجة الهوائية هواء منفوخاً مهما انتقيت لها من اسماء ومن القاب.

عام الديموقراطية الآفلة. في البيت الأبيض (وليس في واشنطن)، وفي الكرملين. وعام خروج أنغيلا ميركل، اعظم مستشار الماني منذ كونراد اديناور. قلبت ميركل شعار “المانيا فوق الجميع” الى “المانيا للجميع”.

عاماً بعد عام تمضي أزمان التاريخيين، وتنتقل من ثقافة جون كينيدي وريتشارد نيكسون وباراك اوباما الى حضارة تويتر. وتعود اميركا من لنكولن الى الدونالد. وبما ان كل سنة لها مفاجأتها، رحبوا بالرفيق كيم جون-أون. لقد استطاب الرحلات الى الجنوب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*