2000- 2005: من “نداء المطارنة” إلى “ثورة الأرز”

ان تحاول الكتابة عن البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير يعني ان تحاول ان تختصر تاريخ لبنان الحديث، بمراحله الساخنة ومحطاته المفصلية.

هل تتكلم على مرحلة حروب المسيحيين بين بعضهم البعض ومرحلة عامي 1989 و1990، وهي المرحلة الاشد حساسية في البيت الداخلي المسيحي؟ ام تتكلم على فترة تفكك اوصال الدولة وغياب الجمهورية اللبنانية، وقت كان الزعماء المسيحيون مبعدين، مغيّبين، مسجونين؟ ام تتكلم على مصالحة تاريخية في جبل كان مشتاقا وقتها للتلاقي والتعايش والاستقرار؟ ام تتكلم على فترة الوصاية السورية التي توجته “بطريرك الاستقلال”، من “لقاء قرنة شهوان” الى “لقاء البريستول” الى “ثورة الارز”.

كل ذلك يكاد يختصر في رجل واحد، ويكاد يكوّن كتاباً دسماً – غنياً من كتب تاريخ لبنان الحديث.

ليس اختيار محطة واحدة من هذه المحطات سهلاً او خياراً ذاتياً، بل انها سلسلة متكاملة يصعب افتراق احداها عن الاخرى. هي حلقة مترابطة متجسدة في رجل واحد، تحوّل رمزا.

لكن ان تختار تسليط الضوء على مرحلة الوصاية السورية، فلا مجال الا ان تعود الى عام 2000. صحيح ان محطات النضال والمواجهة لذاك الاحتلال كانت سبقت هذا العام بكثير، تقريبا بحدود اعوام عشرة لا اقل، الا ان عام 2000 كان عاماً مفصلياً، او بالاحرى حوّله البطريرك صفير عاماً تأسيسياً. كان عام نداء المطارنة الموارنة الشهير.

من هنا، لا يمكننا التحدث عن “ثورة الارز” او عن 14 آذار او عن “لقاء قرنة شهوان”، من دون ان ننطلق من هذا النداء الشهير.

اذاً الى عام 2000 نعود… صبيحة هذا النهار، ربما لم يكن كثر ينتظرون النداء. لكن ما ان اذيع حتى تحدّدت البوصلة: باتت بكركي مرجعاً سيادياً وطنياً لتؤسس بذلك لكل مراحل استعادة “السيادة والحرية والاستقلال”.

صبيحة الاربعاء في 20 ايلول 2000، صدر النداء. وفيه الكثير: “مطالبة بانسحاب الجيش السوري”. ما قلّ ودلّ، لانّ “هناك أموراً أصبحت لا تطاق، وهي التي تقود البلد إلى الضياع”.

قال البطريرك كلمته، لا بل اتت تلك الكلمة على شكل نداء لتعطيها قيمة معنوية وفعلا عمليا طبع كل السنوات اللاحقة.

من اميركا الى لبنان

لم يأت هذا النداء من فراغ. كانت له محطات تحضيرية. ربما كان البعض “يعاتب” البطريرك بأنه لا يسمي الامور بأسمائها او انه لديه طريقته في التعبير السيادي الحر او في الحفاظ على الوجود المسيحي، لكن هذا البعض نسي او تناسى ان البطريرك كان يعي الوقت المناسب والظرف الملائم ليعطي الشرارة الاولى لاندلاع معركة استعادة السيادة والاستقلال.

هذا الظرف كان تحقق في عام 2000. تحديداً في 25 ايار 2000 انسحب الاسرائيلي من لبنان. لم يعد ثمة مبرر لمقارنة بين عدو وشقيق في نظر البعض. التقط البطريرك جيداً هذا الظرف. لا بل اكثر في 10 حزيران 2000 توفي الرئيس السوري حافظ الاسد. أيقن البطريرك “الحكيم” دقة اللحظة. “لم تكن عنده الامور الا مدروسة”. هكذا كان ينقل عنه عارفوه، فكيف اذا كانت هذه الامور من صلب استعادة سيادة منقوصة واستقلال مفقود.

مرّ اقل من عام: انه شباط 2001، يتوّج البطريرك زيارة تاريخية لاميركا.

هناك في اميركا. قال البطريرك كلمته مجدداً. كان سفيراً للصوت المسيحي السيادي. وقف على المنابر ليطالب “بحرية بلد وكرامة شعب”. اما في لبنان، فقد وصل الصدى الى مسامع اللبنانيين، لا بل الى قلوبهم المشتاقة لنبض سيادي.

بين اميركا ولبنان، مسافات شاسعة، الاّ ان الوفود كانت تحاول اختصار ذاك البعد. ما إن وصل البطريرك الى بيروت، حتى كانت الاستقبالات الشعبية الحاشدة والتظاهرات الداعمة تسبقه الى بكركي… كرّس البطريرك معلماً بارزاً. كل ذلك، كان يؤسس لمرحلة ما، لشيء ما لا بد انه سيحصل. وهكذا صار.

منذ تلك اللحظة، باتت مواقف البطريرك اكثر وضوحاً، او لنقل اكثر حدّية… وكانت ولادة “لقاء قرنة شهوان” تقترب. لكن كثر ممن عايشوا تلك الفترة يشيرون الى ان “لقاء قرنة شهوان” كان اصلاً قد ولد، من دون ان يكون علنيا. كانت الاجتماعات تعقد وفي قرنة شهوان ايضاً. المواقف كانت تنسّق، ودوماً برعاية البطريرك ومباركته، الى ان اتت الولادة العلنية في 30 نيسان 2001.

قانون الايمان

مذذاك، تداعت ابرز الشخصيات المسيحية المعارضة الى الاجتماع: حزبيون، اكاديميون، صحافيون، باحثون… جميعهم انضموا تحت عباءة البطريرك، وكان المطران يوسف بشارة راعيهم.

بدأت ” قرنة شهوان” بالتركيز على ركائز بنيان الدولة: سيادة، حرية، استقلال… لكنها كانت تنطلق من ركيزة قانون الانتخاب اولاً، لأن “همّ الوجود المسيحي الحر” كان الشغل الشاغل للبطريرك. “لا بد من تصحيح التوازن والتمثيل المسيحي”.

تلك هي القاعدة الذهبية عنده. كان يدرك جيداً ان خللاً كبيراً اصاب البنيان. خلل دفع ثمنه طرف واحد أوحد. هو الذي قال: “نحن من بناة هذا البلد ونريد ان نكون شركاء فيه”. غريب امر هذا الرجل، كان يتحدث دوما عن تهميش المسيحيين واضعافهم، من دون ان يجنح يوماً نحو التعصب او اللا- انفتاح، لانه في الوقت نفسه، كان يدرك سر هذا البلد الصغير: سرّه في تعايش اهله من كل الطوائف والملل. كانت هذه القاعدة “قانون الايمان” عنده.

لم تترك “قرنة شهوان” مفصلا الا وتحدثت عنه… رويداً رويداً باتت “قرنة شهوان” “لقاء البريستول”. يوم اشتدت المواجهة، كان لا بد من توسيع محورية التحرك. لم يعد الهمّ السيادي همّاً مسيحياً حصراً. توسعت دائرته. ضم “لقاء البريستول” مختلف الطوائف وكانت “انتفاضة الاستقلال”…

كلما اشتدت العواصف، اتجهت الانظار الى بكركي. الى سيّدها، الى خطابه… هذا ” السيّد” الذي لمعت عيناه يوم تفجرت “انتفاضة الاستقلال” لتعلن ولادة “ثورة الارز” في 14 آذار 2005.

يومها، قال البطريرك: “على الجميع ان يسمع صوت الشعب ونبضه”.

الا ان عينيّ البطريرك كانت دمعت مراراً في عام 2005، حين توالت الاغتيالات. هل يبكي الرئيس رفيق الحريري ام الصحافي جبران تويني… وتلك القافلة التي تطول… كان زمناً عصيباً، كأن سيّد بكركي قدره التحديات والاستثناءات… كل تلك المحطات مرت سريعا في خمسة اعوام فقط. 2000 – 2005 وكأنها زمن بذاته.

يوم، ملأت الجموع قلب العاصمة في 14 آذار 2005، كانت بكركي تراقب، تتابع وترصد. رحل رجل الــ99 عاما، على باب مئوية لبنان الكبير. ليست صدفة تلك المصادفة. هو الذي عاش حياة، كانت الكرامة والسيادة فيها “فعل اعتراف” ذاتياً يتجدّد يومياً. فكان ان رفض زيارة سوريا، لأنه كما قال يوماً: “ليذهب من يذهب، الضمير لا يتنقلّ بالبريد السريع…”.

manal.chaaya@annahar.com.lb

Twitter: @mchaaya

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*