20 فيلماً صنعت عامي السينمائي (2018)

  • هوفيك حبشيان
  • المصدر: “النهار”
  • 18 كانون الثاني 2019
  • إقرأ المزيد في النهار

أفلام ملهمة من أنحاء العالم كافة.


2018: عام آخر شعاره الثراء والتنوّع والجرأة. أفلام كبيرة وصلت إلى الشاشة وغادرتها، لكنها ستصمد في الذاكرة لأطول وقت ممكن. غيرها، أقل أهمية وجمالاً وعظمة، سيسقط كورقة خريف مع حلول الموسم الجديد.

بقدرتها على بلورة الخطاب الإنساني وإشهار الأسئلة وصناعة الترفيه، لا تزال #السينما في صدارة الفنون الحيّة.

على امتداد 12 شهراً، همست لنا الشاشة حكاياتها الأبهى وأسرارها الأجمل.

“موتها” المؤجل والمبرمج له من مواقع التحميل الالكترونية ومنصّات المشاهدة الفردية لم يحن آوانه بعد.

في الآتي، 20 فيلماً (بلا أي ترتيب) تُعدّ خلاصة عام كامل من المشاهدة الأكولة في المهرجانات الدولية والصالات التجارية، من كانّ إلى برلين والبندقية، فعدد لا يقل على 25 موعداً سينمائياً أُتيح لي حضورها لالتقاط كلّ مستجد ومثير.

هذه أفلام ملهمة من أنحاء العالم كافة وثّقت واقعنا بيأس وغبطة، وأمل وغضب، وتخبّط واصرار على قول شيء مختلف عن السائد. خاطبت العالم بلغة الصورة التي تقفز فوق اللغات المنطوقة. بعضها نال ما يستحق من تحيّة وبعضها الآخر يحتاج إلى دعم، وإن على هذه الصفحات، كي يصل إلى التقدير الذي نجدها أهلاً له.

رغبة السينمائيين في أن يكونوا شهوداً على زمنهم، حبستنا في الصالات المظلمة لفترة لا تقل على 600 ساعة طوال عام كامل؛ هناك حيث النور الممتدّ في الفراغ يتحوّل دموعاً وأحلاماً وخيبات ونهايات سعيدة. فلذلك، يحقّ لنا ربمّا ان نطلب منكم بعض الوقت لقراءة هذا المقال الطويل جداً.

ملتقانا في مطلع 2020، مع التمنيات بعام سينمائي على مستوى التوقّعات.

“أماندا” لميكايل هر

بديعٌ كيف يحوّل ميكايل هر المأساة إلى لحظة عذوبة ما بعدها عذوبة. عند تناول هذا الفيلم، لا أكاد أرغب الا في الحديث عن هذا الإيمان في الإنسان الذي لا تكسره أعظم قوة في العالم. فأيّ عبقرية هذه التي تسمح لكلّ هذا التسامح والعذوبة والرغبة في معانقة الحياة بأن يتولّد من أحداث 13 تشرين الثاني 2015 الإرهابية في باريس. ومن أين يأتي كلّ هذا الضوء في الفنّ عموماً والسينما خصوصاً؟ كيف لفيلم عن الحداد ان يتحوّل إلى تمجيد للحياة؟ فعلاً، هذه بعض الأسئلة التي شغلتني فور خروجي من الصالة مصدوماً وسعيداً وحزيناً في آن واحد. من خلال الارتقاء بالتراجيديا، هل أراد ميكايل هر ان ينقذ روحه وروح سينماه وروحنا معهما، هو الذي يرفض المعاملة بالمثل، ويقاوم “سينما تصفية الحسابات”؟ الجواب بكلّ تأكيد هو “نعم”. ولكن، خلف هذا كله نقاء فكري كبير ليس جديداً على هر.

الدماء التي سالت في شوارع باريس يومها لم تصل إلى عتبة الفيلم. صحيح ان الإرهاب يخطف في البداية شقيقة الشخصية الرئيسية (دافيد – فنسان لاكوست) سارقاً جزءاً من حياته ليصبح معيل ابنة شقيقته الصغيرة أماندا بالرغم من صغر سنّه، الا ان أحداً لم يتمكّن من النيل من قدرة الفيلم على الحبّ، مثلما لا تهتز صورة باريس. كلّ ما نراه هو سيارات اسعاف تعبر الشارع بصفّارات انذار.

بين ليلة وضحاها يكبر دافيد ما يوازي سنوات. الفيلم يلتقط هذه اللحظة بجدارة. كيف من كائن لامبالٍ لا يفكّر بسوى اغواء جارته، يصبح شخصاً يتحمل مسؤولية. “أماندا” هو بهذا المعنى فيلمه أيضاً وكان في امكانه ان يحمل اسمه، لكنه يفضّل النظر إلى المستقبل، فيختار أماندا، ليتطلع إلى الآتي من الأيام بصفاء ووضوح وبإصرار عظيم على اعادة بناء ما تهدّم. هذه سينما عواطف بلا شحذ عواطف. روحانيات بلا أدبياتها المعتادة. صمود في وجه العواصف. باريس الجريحة شخصية كاملة هنا. إخراج هر يلتقط فيها النور. الشمس الدافئة التي تظلل أزقّتها حيث يتجوّل دافيد بدرّاجته النارية، فيتولّد كونتراست باهر مع برودة الأرواح المعذّبة التي تلوذ بالصمت.

“ذا بوست” لستيفن سبيلبرغ

“ذا بوست” ينبش في قضية اشتهرت في مطلع السبعينات بـ”أوراق البنتاغون”. هي واحدة من أولى الخبطات الصحافية في تاريخ الإعلام الأميركي. سبعة آلاف صفحة سرية للغاية تحكي الحجج التي استندت اليها الإدارة الأميركية لإفتعال ما عُرف بحرب فيتنام، وضعها صحافيان من “واشنطن بوست” في متناول القراء، بعد تسريبها.

من الصعب، لا بل من المستحيل في مكان، ان تكون صحافياً منذ سنوات ولا تشعر بقلبك يعتصر وأنت تشاهد فيلم سبيلبرغ. فالصحافة المكتوبة التي يصوّرها هي تلك التي تغيّر العالم، وباتت مهددة في الآونة الأخيرة بعد اشتداد الأزمة عليها. لا بد من الشعور ازاءها بحنين مع بعض الغصّة. فكلّ شيء، من آلات الطباعة الضخمة التي يلتف حولها العدد الذي سيصدر غداً، إلى تلك اللمعة في عين الصحافي الواثق من انه حقق سبقاً للمصلحة العامة، حاضر حضوراً لائقاً في فيلم سبيلبرغ. فضلاً عن استعادة باهرة للسبعينات التي تحتضن الأحداث.

ولكن، هذا ليس السبب الذي جعلني أدرجه في لائحتي السنوية. هناك أسباب عديدة لاعتبار “ذا بوست” عملاً بديعاً، منها ان الفيلم في ذاته درسٌ في الإخراج المتلزم والفعّال، وهذا يحتاج إلى مساحة كبيرة لشرحه. الفيلم نسوي سياسي بامتياز، ولا يخفي أياً من هذا، بل يدعو إلى التحرّك، ولكن لا يهمل السينما في أي لحظة من اللحظات، على غرار أفلام نضالية أخرى. سبيلبرغ يجد ضالته في إيقاع تشويقي لا مبالغة في وصفه بالهيتشكوكي، مع استعارات لا تُخفى على السينيفيلي من السينما الكلاسيكية الأميركية (كابرا)، وطبعاً بلا أي لجوء إلى مؤثرات تسطيحية.

يشبه “ذا بوست” في إيمانه التغييري الأفلام الثمانيناتية عن فيتنام، الا ان أرض المعركة هنا مكاتب التحرير. روح سبيلبرغ التلقينية التي تموضعه معلّماً تنويرياً، تتجسّد في كلّ لقطة، أما سيره عكس النزعة السينمائية الحالية للتشاؤم، فهذا محسوس ومقصود.

“ذا بوست” يطمئننا: صاحب “إي تي” لا يزال في القمّة.

“شجرة الإجاص البريّة” لنوري بيلغي جيلان

نوري بيلغي جيلان يتعقّب سينان (أيدن دميركول)، الشاب العشريني الذي يعود إلى دياره بعدما درس الأدب في اسطنبول. يلتقي بكلّ الأشخاص الذين صنعوا حياته الماضية، لكن نظرته حيالهم تغيرت. هناك عابرون سيهتمّ بهم للحظة قبل ان يمضوا. وهناك… الأب: الشخصية المكرّسة، الحاضرة، مصدر الذنوب. الأب المدين، المتعثر، المُحبّ، المرجع الذي لا مفر منه في ثقافة الأتراك. بين الأب والابن أكثر من مواجهة، لا بل مناكفة، أو حتى محاولة لانتزاع اعتراف.

مرة جديدة، يكشف المخرج التركي المعلّم، الروعة على مراحل، فيدنو من الحياة خطوة خطوة، كمَن يستيقظ ليلاً ويحرص على عدم كسر صمتها وتخريب صفائها. الفيلم الذي ظلمته لجنة تحكيم مهرجان كانّ الماضي، هو إحدى تحف 2018. يضع الإنسان في مواجهة محيطه، ولكن قبل أي شيء آخر، في مواجهة نفسه وحاضره في ظلّ ماضيه وعلى أعتاب مستقبله. رائعة جيلان تتولد على هذا التقاطع الزمني. انها رواية من الروايات التي تظهر كيف ان السلطة القمعية التي لا نراها البتّة، تساهم في تدمير ممنهج، ليس فقط للفرد بل للضمير والقيم. فيلم جيلان يمنحنا فكرة واضحة وشاملة للمشهد السياسي والديني والاجتماعي والنفسي في تركيا.

يخلّد جيلان صمت بلاده. يمسح وجهها. يرتقي بوجع أبنائها، ذلك انه يستعمل التعبير والبلاغة والكلمة والمشهد، لا الموقف والتصريح والخطاب. شجاع في إمراره لمحات حول الوضع المريع الذي تعيشه تركيا اليوم في عهد أردوغان، من دون أي نرجسية أو تدليس أو رغبة في تلقين دروس. الأشياء تأتي من تلقاء نفسها، تهرّ بين الأصابع كحبيبات الرمل.

“حرب باردة” لبافل بافليكوفسكي

تعيدنا الأحداث إلى بولونيا بعد سنوات قليلة من الحرب العالمية الثانية. ثلاثة أشخاص مكلّفون جمع التراث الموسيقي البولوني في القرى والأرياف البعيدة، والهدف هو المحافظة على هذا الكنز الذي تحتقره النخب. الا ان الحزب الشيوعي الحاكم سيوظّف هذا التراث للتدليس السياسي والدعاية الستالينية. فمِن مكتشِف مواهب، يتحوّل “الثلاثي” إلى منسّق فرق مغنّين وراقصين يمجّدون الثقافة البولونية ويردّون الاعتبار اليها.

يقحمنا المخرج البولوني الكبير في أجواء صارخة بالجمال ومتّشحة بالسواد والظلال. تلك الأجواء التي جعلت من “إيدا” (2014) فيلماً بديعاً. بافليكوفسكي يعرف ان المقاربة البصرية التي يعتمدها تتماشى تماماً مع الحقبة التاريخية والإيديولوجية التي يرويها، وهي غير منفصلة عن سيرته الشخصية، ويتضح هذا مع إهداء الفيلم إلى والديه في خطوة تكشف علاقته بالميلودراما التي يغلّف بها عمله الممتاز، هذا الذي عُرض في مهرجان كانّ الأخير ففاز فيه بجائزة الإخراج.

ينطوي الفيلم على الكثير من المشاعر المكبوتة التي تمدّ الفيلم بجمال خاص. السيناريو ينتهج لغة كونية هي لغة الموسيقى والحركة الجسمانية والتشكيل، من دون أن يفقد شيئاً من أصالته. أما اللوحات الكوريغرافية فتوفّر بعض الغبطة في نصّ يروي من جملة ما يرويه الحبّ المستحيل في الزمن الصعب، ولا يقع، وإن للحظة، في الأنماط التي عهدناها في أفلام الحب التي تجري في زمن الصراعات. الدراما الحميمية تتأرجح بين العام والخاص وتغوي بقدرتها على الاعتناء بالشخصيات وتعقّبها في إطارٍ من الاختزال الزمني.

التكوين، من كادر وتفاصيل، مدروس دراسة بالغة، في حين تحرص الإضاءة على التعبير عن أهواء الشخصيات ومشاعرها الدفينة. هذا كله يجعل “حرب باردة”، تجربة وجدانية فريدة تنغمس في اللحظة، ولا تقيم أي اعتبار للوطنية التي لا تحتاج إلى أكثر من بضع لقطات لإدانتها.

“البيت الذي بناه جاك” للارس فون ترير

ربما هو أفظع شيء مصوَّر شاهدته في ٢٠١٨. القائمون على كانّ أوجدوا “حلاً وسطاً” لاعادة المعلّم إلى كانّ بعد تصريحاته الجدلية عن هتلر. هذه ضربة معلّم جديدة للمخرج الدانماركي، المستفز على الدوام. نحوٌ من ستين جريمة في سجلّ جاك (مات ديلن في أداء بديع)، يوثّق منها الفيلم لحماً ودمّاً خمساً موزعة على فصول ويتم تقديمها باعتبارها أعمالاً فنية. جرائم مجانية مروعة، سادية، تختلف فيها أساليب القتل المقززة. جاك يهوى قتل النساء، مع ان لديه ضحايا رجالاً كذلك، وبعض الأطفال. جاك مثقّف، مكابر، مطّلع على التاريخ ومنظّر للفنّ. جرائمه تغذّي مخيّلته وحاجته إلى التحقق، يرسم عبرها لوحة فنية.

هذا عمل “خطير” يحرر مشاعر مكبوتة، يقرّب المسافة بين النزعات، يحكي عن الصراع الأبدي بين الحاجة إلى الخلق والرغبة في القتل. لم يسبق أن رأيتُ فيلماً يقترب فيه القتل إلى عملية الخلق بهذا القدر، لينتهي كلّ شيء بخطاب إنقلابي عن الخير والشر.

الفنّان الكبير هو ذاك الذي يبني ليخرّب. يجازف فون ترير في كلّ المجالات الحيوية التي صنعت فيلمه هذا، كأنه يسدد حسابه مع المناخ السياسي الحالي الذي حدّد المعايير الأخلاقية التي ينبغي للفنّان الصالح ان يلتزمها.

خطاب فون ترير حمّال أوجه. أعظم شيء فيه هو انه كتابٌ مفتوحٌ. ورشة عمل لا تنتهي. فيلمه أبلغ ردّ على كلّ المحاولات لترويض الفنّ وتأطيره وجعله مفيداً وهادفاً وجميلاً. هذه سينما لا يصنعها سوى شخص ذي روح معذّبة، يختار مواجهة العالم بدل المصالحة معه والخضوع له.

“روما” لألفونسو كوارون

أجمل ما حقّقه المخرج المكسيكي مذ بدأ صناعة الأفلام في العام ١٩٩١. فيلم منمنمات. تفاصيل. بورتريه لعائلة، لبلد، جردة حساب لحياة، حصيلة فهم آخر للسينما يفضّل المناكفة على الصدام. اجتهاد لقراءة سياسية واجتماعية من منظور ذاتي بحت. كوارون أدرك جيداً ان الحقيقة في تلك الأماكن الصغيرة. نصّه ينزلق ببطء شديد، ولكن أكيد، إلى هدفه.

مدينة مكسيكو الباهرة المعشّشة بالحكايات وعتق الزمن الذي نكاد نشتمّ رائحته، تحتضنه مجدداً، ويا له من حضن! أما زمناً، فعودة إلى السبعينات، وهذا يعني ان الحقبة مرتبطة بشكل مباشر بطفولة المخرج المولود في ١٩٦١، وبصباه، وكذلك بالذكريات التي عاشها في مسقطه.

ليس ثمّة ما هو أجمل من النحو الذي يصوّر فيه كوارون مكسيكو القديمة، مع عظمتها وانحطاطها، ممسكاً بهذه التحديقة التي فيها شيء من التعلّق بالماضي الذي لا يتحوّل إلى حنين مريض. العالم الذي يرسمه كوارون هو عالم نساء. نساء يُدرن شؤون منزل بورجوازي كبير وأموره، من تربية الأولاد والاهتمام بهم إلى تدبير أشياء الحياة اليومية ومستلزماتها. يتسلل الفيلم إلى حميمية كلّ واحدة منهن على حدة؛ الأم البورجوازية (مارينا دو تافيرا) حتى النخاع، ثم الخادمة كليو (ياليتسا أباريسيو) التي يكاد الفيلم ان يكون فيلمها. فقصّتها هي الأقوى وحضورها الأشد تعبيراً والأكثر قدرة على ان تكون الشاهدة. “روما” من الأفلام التي “تبقى”.

“لا تترك أثراً” لدبرا غرانيك

نصّ سينمائي بديع للمخرجة دبرا غرانيك. في ثاني روائي طويل توقّعه، تصوّر علاقة مراهقة (الممثّلة النيوزيلاندية الشابة توماسين ماك كنزي التي تستحق “أوسكار” أفضل تمثيل) بوالدها ويل (بن فوستر)، وعلاقة كل منهما بالهامش الذي يعيشان فيه، وهو عيش لا ينسجم مع متطّلبات الحياة العصرية. العمق الأميركي، أو احدى غاباته، هو مسرح الأحداث. فالأب، جندي سابق، غير قادر على تأمين سقف لائق له ولابنته ولا يطيق العالم الذي خارج الغابة حيث نصب خيمته.

الفيلم يوثّق هروبهما من الغابة كل مرة تدهمهما الشرطة، ويقتفي أثرهما عندما يتسكّعان في مختلف الأماكن بلا هدف محدد سوى زيارة المراكز التي توفّر لهما المساعدة.

الا ان هناك قصصاً أخرى يجب الانتباه لها، اذ، مرة اخرى، يختار النصّ البناء العمودي. من فيلم يبعث على الملل في نصفه الأول، ينتقل “لا تترك أثراً” إلى ان يكون حبّة دواء يجب انتظار مفعولها في الجسم لشدّة ما تعمل غرانيك على نحت الزمن.

لا ينزلق الفيلم إلى أي من الـ”جانرات” الذي من المتوقع ان ينزلق فيه. وعليه، نسأل مراراً إلى أين تريد غرانيك أخذنا، فلا وجهة تلوح في الأفق. حتى التعاسة والنزعة المأسوية التي تلفّالشخصيات لا تنجح في تحويله فيلماً تعيساً أو مأسوياً. الشخصيات تقف سداً منيعاً أمام كلّ محاولة لحصرهما. غرانيك تقدّم “أميركا الأخرى” التي تكاد تغيب عن السينما المنتشرة.

“لا تترك أثراً”، عمل رصين عن سؤال الانتماء والتمرّد والعيش على الهامش والبحث عن الذات. يختار الأسلوب المحتشم وسيلة للاستدلال إلى الأشياء التي لا تحتاج إلى أكثر من همسات لتعلق في وجدان المُشاهد. صداها يتردد بقوة في الوجدان.

“مانتا راي” لفوتيفونغ أرونفنغ

يوفّر “مانتا راي” رحلة بصرية مذهلة إلى واحدة من أبعد النقاط في السينما. “يكسحك” كي نستعمل تعبيراً خاصاً بمارك كازنز. يغمرك بحداثيته. نحن ازاء عمل تجريدي ينتزع الاعتراف ويفرض الاحترام ويثير الاعجاب، رغم انه أول فيلم. لكن، مهلاً، نحن أمام تجربة خاصة جداً، وقد لا يُفهم منها كلّ شيء، ذلك ان الغموض هو سيد الموقف في هذا الفيلم الذي أخرجه أحد تلامذة التايلاندي أبيشاتبونغ فيراسيتاخول، وبصمة الأخير واضحة عليه.

يُمكن اختصار القصّة بالآتي: في بلدة واقعة على البحر، ينتشل صائد سمك من الغابة رجلاً شبه ميت، ويعيده إلى الحياة. هذا الشخص الذي لا ينطق بكلمة واحدة، يسمّيه الصائد تشونغاي، ولكن سرعان ما يعود إلى الحياة ويحلّ محله! هل هو من الروهينجا، الأقلية العرقية المضطهدة؟ ثمة غموض يلفّ هويته. يُحكى عن مقبرة جماعية في غابة واقعة بين تايلاند وبورما. ولكن لا يهم. ليس هذا مربط الفرس، اذ ان الخطاب السياسي دفاعاً أو تعاطفاً أو تنديداً يذوب في الخيال والغنائية والأحلام والأشباح ضمن صيغة “فانتازماغورية” أقل ما يُقال فيها انها منتهى الغرابة والابتكار. ما يمنع امكان بلورة أي موقف تقليدي، وتوظيفه لماهيته. الأشياء التي يتعامل معها المخرج بانبهار وخوف، تتداخل الحدود بينها، مثل ردم الهوة بين الأحياء والأموات، المياه والبر، المنطقي والحالم. يعني: تخيلوا ديفيد لينتش وأندره تاركوفسكي وهما يتشاركان إخراج فيلم. أقلّه هذا ما يطمح اليه المخرج في هذه الرائعة التي تعطي الانطباع بأنها سقطت أرضاً من أحد الكواكب.

“عن الآباء والأبناء” لطلال ديركي

يبدأ الفيلم بصوت المخرج وهو يقول إن والده علّمه في صغره، ان يكتب كوابيسه على ورقة، حتى لا تعود مجدداً، وها انه يكتب الآن أطول كابوس عاشه على الإطلاق. يصوّر ديركي البيئة التي تسيطر عليها السلفية عبر التعريف عن نفسه بصفته المصوّر الصحافي المتحمس لتلك الأفكار. الاقتحام هو التعبير الدقيق. فمنذ البداية، الخطر شديد الحضور والوطأة، والفيلم ابن هذا الخطر الذي يتجسّد بكامل عناصره في أحد مَشاهد القنص حيث يجد المخرج ملاذاً له خلف السلفي الذي يروي له تفاصيل من حياته الشخصية فيما سلاحه يطلق الرصاص على جيش النظام السوري. الخوف والخطر يصنعان الفيلم ويشدّان عصبه، فديركي يعرف ان لا حل آخر لضمان نيل ثقة هؤلاء، سوى ان يكون منهم ويتظاهر بأنه يفكر مثلهم ويعيش وإياهم لفترة من الزمن.

فهكذا نتعرّف إلى السلفي أبو أسامة الذي يحارب في احدى الفصائل المسلّحة التابعة لـ”جبهة النصرة”؛ هو مقاتل لكنه أب أيضاً، وهذا يسمح للفيلم بأن يوسّع دائرة الأشياء التي يتحدّث عنها.

يمعن الفيلم في الكثير من التفاصيل، في مقدّمها تربية عقائدية يتلقّاها الأطفال تفخخ عقولهم وقد تحوّلهم في القريب إلى قنابل تتفجّر في أرض المعركة. لا سياسة بالمعنى المباشر في مقاربة ديركي، فهو يكتفي بالنتائج ولا يتوقف كثيراً عند الأسباب، الا ان أهمية النظرة التي يلقيها على هؤلاء تكمن في وقوفها على الحدود الفاصلة بين الأشياء. نظرة تحاول ان تفهم من دون ان تبرر، تسعى إلى استيعاب الأفكار من دون ان تصبح جزءاً من الديكور، في سعي مستمر للحفاظ على شيء من الموضوعية.

“غروب” للازلو نمش

إيريس (يولي ياكاب) تصل إلى بودابست، طامحةً إلى العمل في مجال عرض القبّعات في متجر يرتاده كبار القوم، فتجد نفسها على عتبة هذا العالم الداكن، الزائف، الخطر، القبيح، وعليها ان تتصرف وتعتمد على نفسها للخروج إلى مكان أكثر أمناً.

فيلم – دوّامة ينطلق مع الافتتاحية ولن يهدأ حتى الختام، أي حتى اللحظة التي يدرك فيها الجميع ان لا وجود لأمل بالنجاة. يقارب نمش السينما كفنّ يدوس آخر قطرة إحساس عالقة في أعماق الكائن ولا يدرك وجودها. من الطبيعي ان تبتلع الدوّامة في تدفقها كلّ شيء، وهي فعلاً ستبتلع كلّ شيء. كلّ شيء وليس أقل من ذلك. الأخلاق والقيم والمبادئ. لكن، تبقى التجربة وروعتها وعظمتها، وهذا الحزن الخانق الذي يجعلنا نشعر بأن ما عشناه لن يتكرر.

يأتينا “غروب” من المكان الأكثر غموضاً للسينما ويحملنا إلى المجهول الذي يغذّي المخيلة. هذا المجهول الذي يقع في مخالبه كلّ مَن أراد يوماً الغوص في الطبيعة الآدمية المعقدة. لا شرح، لا تبرير: فقط المُشاهَد والفيلم. نوع العلاقة الذي لا يحلم به السينيفيلي الا مرات نادرة في حياته.

نمش واعٍ لغته، اسلوبه، والنحو الذي يؤفلم به النزول إلى الجحيم. يعي كذلك عشقه للوجوه الضخمة على الشاشة واللقطات الطويلة، للكائن الذي يتخبط، للحظة السينمائية التي تعانق كلّ اللحظات، للبحث الذي لا ينتهي لأنه بحثٌ عن ذات.

بعد انطلاقة قوية جداً مع “ابن شاوول”، لا يخيّب نمش الظن. يشرق علينا من ظلمات التاريخ.

“الوريثات” لمارسيلو مارتينيسّي

وقّع المخرج الباراغواني فيلماً مينيمالياً محكماً، يطفح بالمشاعر الرقيقة وبالمسكوت عنه، مقدّماً رؤية عميقة جداً لحالات إنسانية في مجتمع معقّد لا نعرف عنه الكثير. ينطلق الفيلم من واقع تشيلا وتشيكيتا (آنا برون ومارغاريتا إيرون)، امرأتين في الستينات من العمر. ندخل إلى حميميتهما، فالأبواب غير مغلقة في هذا الفيلم، يكفي ان تضرب برجلك على أحدها لتصبح في الداخل. الا ان الدخول لا يكفي وليس شرطاً وحيداً لفهم ما يجري. فهناك كمية كبيرة من الكلام الموحى والمبطن والبنود الثقافية التي لا تُلتَقط معانيها بتلك السهولة.

لا يُمكن توقّع أحداث كبيرة، فالفيلم ينتمي إلى صنف سينمائي يولي الأهمية لدراسة كاراكتيرات بعض فئات المجتمع الذي لا يعلق المخرج عليه الا من خلال اظهار سلوك هذه الفئات ورغباتها. عن المشاعر الدفينة، وسلوك النخبة، والاذعان لظروف الحياة في سن متقدّمة، يقدّم “الوريثات” نصّاً سينمائياً يمضي بنا إلى المجهول، ولا يبرر أيّاً من خياراته. اللقطة التي يفتتح بها الفيلم هي مدخل لفهم المسافة التي سيُنظر منها إلى الأشياء: باب مشقوق.

“كتاب الصورة” لجان لوك غودار

لا توجد مرجعية يمكن الاستناد اليها لتقييم هذا العمل أو أيٍّمن أعمال غودار الأخيرة. هذا شيء يتجاوز السينما والفنّ، يكسر علاقة الصانع بالمتفرج التقليدية، انه مفهوم للسينما يتجرّد كلياً ليعود إلى الأصل والمنبع، أي إلى الفكرة والكلمة، لذا لا يُمكن مقارنة غودار إلا بغودار.

نحن في “كتاب الصورة” شهود أكثر من كوننا مشاهدين، وفي هذا ينبذ غودار تقاليد العمل الفنّي ليحملنا إلى لعبة تماهٍ من خلال حرفة يملك سرّها، وهذه الحرفة هي في قلب عملية خربطة علاقتنا بالمشاهدة منذ زمن طويل. غودار يُغرقنا في نهر من الصور المتدفقة التي تخنقنا حرفياً. لا نفهمها دائماً، لا نتدارك مكانها في الإعراب، نبحث عبثاً عن منطقها التسلسلي، ولكن هل من ضرورة لهذا المنطق؟ فالمسألة هنا، كما كان يقول جان كوكتو، لا تتعلق بالفهم بقدر ما تتعلق بالإيمان.

يفتتح الفيلم بإصبع مرفوعة تقول الكثير عن وجهة النظر التي يتبناها هنا صاحب “الاحتقار”. مونتاجه يتجوّل في حقل ألغام. ما الرابط بين مَشاهد من فيلم “الفكّ المفترسة” لسبيلبرغ و”سالو” لبازوليني؟ ربما عليك انتظار مسح شامل للعنف والحروب وأميركا والفاشية… فهذا يشرح ذاك، حتى وإن مرت ربع ساعة بين اللقطة وصداها.

“كتاب الصورة” لا يختلف في العمق عمّا قدّمه غودار في أفلامه الأخيرة منذ “في مديح الحبّ” (٢٠٠١). انه نوع من “زابينغ” أو كولاج ينتقل بنا من أميركا إلى الشرق الأوسط، من السينما إلى الفلسفة والشعر والموسيقى، من الأنا التي تعبّر عنها إصبع البداية إلى القلق الجمعي على مستقبل الإنسان. لكنه، قبل أي شيء، عمل في منتهى الضرورة.

“بيترلو” لمايك لي

يعمل لي بأسلوب كلاسيكي بليغ، محاولاً قول الكثير من خلال القليل، أي باستخدام الحد الأدنى من الموراد السينمائية. المتذوّق للسينما لن يستغرب أنّ هذا الأسلوب يستهدف العقل مباشرةً. “بيترلو” ملحمة تاريخية عن فصل مهم من سيرة بلاده: “مجزرة بيتلرو” التي مضت قرابة 200 سنة على حدوثها. فكرة قد تبدو مستهلكة ومكرّرة، لكن لي يقدّم شيئاً مختلفاً، هادئاً، مسكوناً بالجمال والفضيلة والنعمة والبساطة والصرامة. وأيضاً مشبّعاً بالكلام الوفير الذي كان رأسمال السياسة في تلك الحقبة (مشهد السجال بين اللوردات بديع). يبدأ الفيلم بالسياسة والشعارات، وينتهي كأنشودة للحرية تذكّرنا بأنّ الإنسان من دونها كائن يحفر قبره يبده.

هذا فيلم عن الإصلاح قبل أي شيء آخر، وهو أساس انتقال الشعوب من الأنظمة الجائرة والمستبدة إلى دول تضع الإنسان فوق كلّ اعتبار. يعود لي إلى لحظة غرس بذور الحقوق السياسية والمواطنة والوعي، ويفعلها بمناقبية سينمائية مشهودة له. يعطي كلّ شخص ضحّى من أجل الحريّة مساحته المستحقّة على الشاشة، من دون أن يهمين أحدهم على الآخر، جاعلاًالبطولة جماعية لا فردية.

“كتاب أخضر” لبيتر فاريللي

هذا الفيلم بمثابة نسيم يهبّ علينا. لعلّه التجسيد الأبهى والأروع للسينما الأميركية في العام 2018. هذه السينما التي تشهد واحدة من أكبر “الانتكاسات” في الفترة الأخيرة. بساطة الطرح والمعالجة المثالية جعلتا منه فيلماً جماهيرياً يرضي طبقات عدة من المتفرجين، كأنه يصلنا من الستينات، الفترة التي تجري فيها الأحداث. الحكاية تُختصر بالآتي: توني (فيغو مورتنسن في أداء مدهش) رجل أبيض سوقي سيرافق عازف بيانو من أصول أفريقية (مهرشالا علي) إلى العمق الأميركي حيث العنصرية لا تزال على أشدّها. هو بحاجة لتوني سائقاً ومرافقاً، لكن العلاقة بينهما تتطوّر بشكل ندعكم تكتشفونها.

فكرة “المساكنة” الاضطرارية بين شخصين يختلفان جذرياً ورغم ذلك هما مجبران على قطع مسافة معينة معاً، فكرة وظّفتها هوليوود كثيراً في عدد من الأفلام. الا ان الأمور هنا تذهب أبعد من مجرد التوظيف، خصوصاً في ظلّ قدرة فاريللي على الحديث عن أمور جديّة بحس فكاهي يستحق الاشادة والاحترام. في النهاية، لكلّ منّا ما يرضيه في فيلم كهذا، الا انه لا يُمكن الاغفال عن حقيقة ان “كتاب أخضر” ينتصر للغة. اللغة غير المنطوقة التي تتبلور بين كائنين مختلفين. يحاول النصّ تقريب المسافات بينهما بلا دراما وبلا كلام مباشر عن العنصرية، منعاً للركون إلى عمل ذي نَفَس نضالي. هذه اللغة على أشكالها تجعل الأرض مكاناً أفضل للعيش.

“إغواء، حبّ وركض سريع” لكريستوف أونوريه

يوقّع المخرج الفرنسي كريستوف أونوريه فيلماً باهراً، يمكن اعتباره الأفضل له حتى اليوم. نحن في تسعينات القرن الماضي. تتحلق القصّة حول أرتور (فنسان لاكوست)، شاب من منطقة بروتان الفرنسية يحلّ في باريس ذات صيف من العام 1993. هو مشغول بشهوانيته ومأخوذ بحلمه: الاستقرار في العاصمة. في حين هو يتسكّع في شوارع باريس ليلاً، يحاول جاك (بيار دولادونشان)، وهو كاتب باريسي مثقّف كاريزماتي حامل لفيروس السيدا، اغراق حزنه وقلقه ومعاناته في شقة جاره (المدهش دوني بوداليديس).

العلاقة التي ستتبلور في اتجاهات غير متوقعة، والوقت الذي سيمضيانه معاً، أرتور وجاك، هما كلّ ما ينطوي عليه الفيلم. ليت الجميع يجيد تصوير الأحاسيس الدفينة على النحو الذي يفعله أونوريه، أي بتوريط المُشاهد، حد ان الفكاك منه لا يعود الفكاكممكناً. فجاك حائر في البداية: هل يستسلم لإغواء أرتور وهو يعلم ان الحياة ليست وردة نكتفي بقطفها بل لأفعالنا تداعيات؟ في حين أرتور لا مبالٍ، فهو الشاب الذي لا يجد في الحياة هدفاً سوى امتاعه. من هاتين المقاربتين للأشياء، يولد فيلم شديد الحسّية. والممثلان يعرفان كيفية التعبير عن حالات متداخلة من الحيرة والقلق والندم والرغبة التي يضعها الفيلم في ذمتهما. ما هو الحبّ، متى يولد، لماذا، كيف نعيشه؟ هذه بعض الأسئلة التي شغلتني وأنا أشاهد الفيلم طوال ١٣٢ دقيقة مرت بلمحة بصر بلا أي احساس بالملل أو الاطالة. لعل العاطفة التي تتولد من مواجهة الموت، هي التي تحض على تساؤلات حول أخلاقية ان نرمي بأنفسنا في حضن مَن نريد ان “نحميه” من أنفسنا ومصيرنا.

“كوبا والكاميرامان” لجون ألبرت

هو أحد الوثائقيات الذي يعرف كيف يوفّر متعة مشاهدة، فنخرج من الصالة بغبطة لا توصف، رغم مأسوية الموضوع الذي يناقشه. السبعيني جون ألبرت، صحافي ومخرج وثائقي فائز بـ”أوسكار”، أمضى نحو نصف قرن متنقّلاً بين الولايات المتحدة وكوبا. كان شاهداً على أشد المراحل صعوبةً في تاريخ الدولة المحاصَرة، منذ السبعينات حتى سقوط الإتحاد السوفياتي الذي كان وقعه أليماً على حياة الكوبيين. سيرة ألبرت متداخلة بشكل لافت بسيرة الزعيم فيديل كاسترو (1926 – 2016). فهو بدأ يلتقي كاسترو ويحاوره منذ مطلع السبعينات، ورافق الـ”كوماندانتي” في رحلته الشهيرة إلى نيويورك في العام 1979 ليلقي خطاباً في الأمم المتحدة. هناك مواد أرشيفية وريبورتاجية تخرج إلى العلن للمرة الأولى، تحاول البحث في جوانب “أخرى” من شخصية كاسترو، فنكتشف انها مطابقة إلى حدّ ما لصورة القائد الفخور والعنجهي الذي يخطب أمام الجماهير في هافانا. الفيلم يولد من هذا التعايش بين الإعجاب بشخصية ونقد تجربتها الفاشلة. قلة فقط قادرة على الامتداح بلسان، والمحاسبة (السينمائية) باللسان نفسه.

ألبرت وثّق كلّ هذه الأحداث التاريخية ليس ليصنع فيلماً شعبوياً على طريقة مايكل مور، أو تحليلاً سياسياً منمّقاً يأخد من أرول موريس نموذجاً له. فهو يتفرد في طرحه الذي يقف في منتصف الطريق بين منهجين، الجاد والخفيف، الشخصي والعام، السياسي والإنساني، الخ. لذلك، كما يشير العنوان، هذا الفيلم هو عن ألبرت بقدر ما هو عن كوبا.

(خرج في أواخر العام 2017، ولكن اكتشفناه في 2018).

“فيلٌ جلس ساكناً” لهو بو

هذا الفيلم الصيني الذي يقارب الساعات الأربع، سبقه صيته بسبب انتحار مخرجه البالغ من العمر 29 عاماً في 12 تشرين الأول من العام 2017، حتى قبل ان يضع اللمسات الأخيرة عليه. اكتشافه في مهرجان برلين الأخير كان لحظة صدمة كبيرة ممزوجة بالكثير من الأسى السينيفيلي على المصير الذي كان في انتظار موهبة ضخمة ضاعت منّا فور اكتشافنا لها. للصراحة، هناك شيء من هذا الموت في الفيلم، أقله فيه ما يكفي من الأشباح لتذكيرنا بالموت.

أربعة أشخاص يقيمون في مدينة ضبابية واقعة شمال الصين هم محور الفيلم. هناك اسطورة تدّعي بأن فيلاً يجلس ساكناًفي حديقة حيوانات. اذاً، هيّا بنا إلى هناك، بالقطار… الشخصيات التي يقترحها الفيلم غير سهلة بالمعنيين الإنساني والسينمائي. الا ان هو بو يصرّ. يصرّ كي يستخرج منها آخر قطرة إنسانية. وصفه لها منتهى الدقّة. لكن المأزق وجوديُّ صعب. الاذلال والعنف ليسا من الاستثناءات في هذه البيئة، لكنك تحتاج إلى امتلاك كلّ المفاتيح الثقافية لتفهم وطأة العنف على الإنسان الصيني وكيف يتغلغل داخله، هذا الإنسان الذي يحرص هو بو على مسح وجهه بكاميراه في حركات حميمية مدهشة. هو بو، المتأثر جداً ببيلا تار، يستلهم من المعلّم المجري اللقطات الطويلة وحسّاً مشهدياً واضحاً، ولكن من دون سعي إلى الوقوف على عتبة سينماه.

“الخيط الشبح” لبول توماس أندرسون

كلّ فيلم لأندرسون حدث. وهذا الذي عُرض في مطلع السنة الماضية لا يشذ عن القاعدة. الحكاية بقدر ما هي شفّافة و”سهلة”، هي قادرة على الزجّ بنا في متاهات الروح الإنسانية المعقّدة والشرّيرة والمعذّبة التي لأندرسن الموهبة والجرأة في وضعها على المشرحة.

خيّاط (دانيال داي لويس في آخر دور له قبل اعتزاله) وملهمته (فيكي كريبس)، هذا كلّ ما في القصّة. الفنّ يجمعهما، ولكن أشياء كثيرة أخرى ستضع أحدهما في مواجهة الآخر، حتى… الرمق الأخير. لا أريد كشف المزيد، لأن جزءاً أساسياً من المتعة التي يوفرها الفيلم هو الاكتشاف التدريجي للشخصيات على حقيقتها. فدعونا نستخدم مفردة من أجواء الفيلم: أندرسون يعرّيهما قطعة قطعة حتى العراء الكامل. قبل ان يفاجئنا بقدر معين من الانحراف الذي يكشفه من خلال حكاية هذا الخيّاط الذي اعتاد ان يدس رسائل وأسراراً في بطانة الفساتين التي يصمّمها. صحيح ان هذا الميل، الميل إلى الانحراف، كان يطلّ برأسه في أفلامه السابقة، ولكن هنا يصل إلى درجة غير مسبوقة، من خلال دسّ السم في العسل.

لعل أروع ما في الفيلم هو الجو الذي يلتقطه أندرسون (لندن الخمسينات). عالمٌ كئيب آيل إلى الاختفاء. هناك شيء أبوكاليبتي في كلّ لحظة، كنذير شؤم. بمرجعياته وغمزاته السينيفيلية الكثيرة التي لا مجال لتعدادها هنا، يغدو “الخيط الشبح” فيلماً عن السينما بقدر ما هو فيلم عن الخياطة والجمال والأناقة. نادراً ما ارتبط الحبّ بالخلق إلى هذه الدرجة من الهوس. بأسلوب يُعتبر ذروة الكلاسيكية، يحكي أندرسون عن علاقات القوة والسلطة والابتزاز داخل الحبّ، دائماً بعظمة وانحطاط.

“حريق” للي تشانغ دونغ

من الأفلام التي كانت أهلاً لـ”سعفة” مهرجان كانّ الأخير أكثر من “سارقو المتاجر” (لم أدرجه في هذه اللائحة بالرغم من اعجابي به).

عمل ميتافيزيقي، صادم على كلّ المستويات، يأتي على شكل بازل درامي. يصعد مفعول الدراما إلى الحنجرة لنشعر باختناق كلّما اقترب الفيلم من خاتمته. وهذا الاختناق هو الذي يقود الشخصيات إلى حتفها. أياً يكن، يبث فينا “حريق” أحاسيس غريبة جداً يصعب وصفها، لكنها تتجاوز الغضب والخوف والانفعال، وفي هذا شيء من عظمته.

هذا سادس فيلم روائي للمخرج الكوري الجنوبي الكبير الذي كان وزيراً للثقافة في بلاده في مرحلة من المراحل، وهو نصّ مستوحى من رواية لهاروكي موراكامي يقدّم مرافعة أخلاقية كبيرة عن المجتمع الكوري. الحكاية معقودة على ثلاثة أشخاص؛ شابان وفتاة. النهايات ستكون أكثر قسوةً وفظاعةً من المدخل إلى الحكاية؛ الشيء الذي لا يفاجئنا كثيراً باعتبار ان الافتتاحية تقول شيئاً من هذا. يختار لي تشانغ دونغ التضليل المريب، واضعاً هذا العالم كله فوق نار خفيفة ستأكل كلّ شيء، تاركةً رائحة حريق تملأ الرئتين.

“الأخوان سيسترز” لجاك أوديار

وسترن حميمي بموازنة كبيرة ونجوم؟ لقد فعلها الفرنسي جاك أوديار في أول فيلم أميركي له، مقتبس من رواية للكندي باتريك دو ويت. وبالتأكيد يجب عدم التقليل من أهمية هذا الانجاز. المشاهدة تفرض نفسها لفهم ما أقوله.

شقيقان من آل سيسترز (يواكين فينيكس وجون سي رايلي) قاتلان مأجوران يجوبان الغرب الأميركي المتوحش في منتصف القرن التاسع عشر. أيديهما ملطّخة بدماء الأبرياء. العدالة غائبة والأرض مزنّرة بالعنف. في هذه البيئة، يغرس أوديار بذور عمل شديد الإنسانية ومبهر إخراجياً (فاز عنه بجائزة الإخراج في مهرجان البندقية). نادراً ما كان الوسترن ينطوي على هذا القدر من المشاعر المرهفة التي تتولّد من أفظع الظروف.

طبعاً، كي يبقى وفياً لأصول “فيلم الكاوبوي”، لا بدّ من بحث وصراع وتصفيات جسدية. هذا كله يصل إلى ذروته الدرامية والنفسية هنا في مشهد استخراج الذهب من النهر. كان على أوديار ان يخرج إلى المساحات الشاسعة ويعاين القلوب المتحجّرة كي نكتشف عنده بعضاً ممّا عصيت علينا رؤيته في أفلامه الفرنسية، أي هذه النزعة إلى تضييق البؤرة كي لا تلتقط سوى ما يساعده على بلوغ الأحاسيس، من النوع الذي يجعله في غنى عن الكثير من الاستعراض.

هناك تروما أسرية تلازم الأخوين، وها انها تطل مجدداً. لكن الفداء في هذه الأميركا طريق المذنب إلى برّ الأمان، طبعاً مع بعض الحظ! يقترح الفيلم حلاً يبتعد كثيراً عن الصواب السياسي. أما الخاتمة التي تتجسّد في الدقائق الخمس الأخيرة، فلعلها أجمل خاتمة فيلم في العام ٢٠١٨. لو شاهده جون فورد لتبنّاه جملةً وتفصيلاً.  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*