الرئيسية / home slide / (2) “مَن قرّر “التخلّص” من الإمام موسى الصدر عام 1978″؟

(2) “مَن قرّر “التخلّص” من الإمام موسى الصدر عام 1978″؟

06-10-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

سركيس نعوم

سركيس نعوم

الإمام موسى الصدر.

“اتصلتُ بجوزف (أبو شرف) الذي كان صلة الوصل بيني وبين قيادة حزب #الكتائب في الأشرفية واتفقتُ معه على موعد للقاء محدّد مع أمين الجميّل الذي تعرّفت إليه سنة 1972 عندما زرتُ #لبنان مترجماً ضمن وفدنا البرلماني، وكان نائباً في البرلمان” كتب الديبلوماسي السوفياتي العريق فاسيلي كولوتوشا في مذكراته “حكايا ونوادر المترجم العجوز” أو “مرفوع عنها السرية”. أضاف: “في اليوم المحدّد وصلتُ الى مكان الإجتماع والتقيت الجميّل واستمر حديثنا ثلاث ساعات. كان أمين البادئ بإعطاء الحديث طابعاً حاداً مع سمةٍ عدائية، وقال إنه سعيد بهذا اللقاء الذي يتيح الفرصة لإبلاغ السفارة السوفياتية بكل “ما هو مؤلم لدرجة الغليان”. فاعتبر الحرب في لبنان نتيجة مؤامرة دبّرها الإتحاد السوفياتي والدوائر اليسارية الدولية، وقال إن لبنان كان يعيش في هدوء وأمان وازدهار، كما كان نموذجا للتعايش المشترك السعيد بين مختلف الطوائف. فجأة ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية فتدخّلت في الحياة السلمية للبنانيين، وعلى الفور تحرّك اليساريون المحليون وراحوا يطالبون بتحطيم النظم والتقاليد الراسخة. بطبيعة الحال وراء منظمة التحرير الفلسطينية واليساريين المحليين تطل علينا هيئة موسكو… هذه السياسة المسيئة والبغيضة لموسكو دفعت الكل الى الإبتعاد عنها حتى أقرب الحلفاء الإقليميين للإتحاد السوفياتي مثل سوريا. استمر هذا المونولوغ ساعة فطلبت بعده أن يأذن لي بالرد على اتهاماته لموسكو وللسفارة وللسفير سولداتوف شخصياً، فقلتُ: “هل يمكن اعتبار الحروب الطائفية التي زلزلت لبنان على مدى القرن التاسع عشر كله عام 1840 و1860 تعبيراً عن السلم والوفاق بين اللبنانيين؟”، ثم ذكرت بأنه لوقف المذبحة بين الطوائف، الموارنة والدروز، في لبنان أنزلت فرنسا فيلق مشاة للتفريق بينهم بالقوة. وقلتُ لأمين إنه كان لروسيا في حينه قنصل في بيروت يدعى قسطنطين ميخايلوفيتش أمضى فيها 20 سنة ودوّن مذكرات هامة للغاية في كتاب عنوانه: “سوريا وفلسطين تحت الحكومة التركية تاريخياً وسياسياً”. ومما جاء فيه: “خرجتُ مساءً الى الحديقة ورنوت ببصري في اتجاه الجبال. لليوم التالي النيران مشتعلة ومتوهّجة هناك ويبدو أن الدروز شنّوا الهجوم والآن يحرقون القرى المارونية”. عقب ذلك حدّثتُ أمين بأسلوب لا يخلو من التهكّم قائلاً إنني مثل القنصل المذكور أعلاه خرجتُ عندما اندلع النزاع الحالي في لبنان وبالذات المعارك في المدن الجبلية مثل عاليه وبحمدون وشملان ورأيتُ الحرائق مشتعلةً هناك”.

تطرّق كولوتوشا بعد ذلك الى العلاقة بين الفلسطينيين وسوريا فقال: “صحيح أن المعارك هدأت في النصف الثاني من عام 1976، وبدأت الحياة في لبنان تعود الى مجراها الطبيعي، لكن التوتر كان ما زال سائداً في الأجواء، إذ لم يغفر الفلسطينيون والقوى الوطنية اللبنانية لدمشق انضمامها الى الكتائب الأمر الذي أدى الى إخلال بتوازن القوى أدى الى سقوط “مخيم تل الزعتر” الفلسطيني. ورحتُ أنا وعرفات وزعيم اليساريين اللبنانيين كمال جنبلاط نبحث عن إمكانية تحييد سوريا، وأخذنا نرنو الى منافسي دمشق في العالم العربي. فزار جنبلاط سرّاً القاهرة وحاول الحصول على دعم الرئيس أنور السادات. إلا أن تحدّي جنبلاط لدمشق كلّفه حياته، إذ في 16 مارس (آذار) 1976 تجاوزت سيارته التي كانت تقلّه الى المختارة سيارة بنوافذ مطلية بالأسود ترجّل منها ثلاثة أشخاص وطالبوا جنبلاط وحارسه الشخصي وسائقه بالترجّل من السيارة والوقوف ووجوههم في اتجاه الشجيرات على طرف الطريق، ولا حاجة لأن أكتب ما حصل بعد ذلك. “الذي أصدر الأمر بذلك، أضاف كولوتوشا، كانت “سوريا” لأن رأيها كان أن كمال جنبلاط طرح برنامجاً راديكالياً لإعادة تشكيل المجتمع اللبناني ما كان ممكناً أن يقبله المسيحيون اللبنانيون. بذلك يكون جنبلاط، وبحسب رأيه طبعاً، دفع المسيحيين الى البحث عن مخرج من هذا الموقف الصعب بالتقارب مع إسرائيل. قد نوافق أن جنبلاط كان يسارياً فعلاً وعلى مسافة بعيدة جداً مما كان يسمح به الواقع اللبناني في حينه. لكننا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نبرّر تلك الأساليب التي فرضت بها دمشق إرادتها على لبنان”.

“في أغسطس (آب) 1978” تابع كولوتوشا “وعقب سفر الإمام #موسى الصدر الى ليبيا اختفى بلا أثر إمام الشيعة اللبنانيين… وهو كان هادئ المظهر لكنه كان أيضاً متمرداً بطبيعته. فشكّل أو أسّس “حركة المحرومين”، ودخل في تناقض موضوعي مع سيطرة الفلسطينيين آنذاك على جنوب لبنان ووادي البقاع. كان نشاطه الموجّه نحو النهوض بالحركة السياسية للطائفة الشيعية مناقضاً الى حد ما لمنطق وسلوك المنظمات الفلسطينية التي حوّلت المدن الصغيرة والقرى على طول الحدود اللبنانية – الإسرائيلية قواعد محصّنة لها تنطلق منها لتنفيذ عمليات داخل إسرائيل. كانت كل عملية تجرّ رداً انتقامياً على كل الجنوب الشيعي. تصاعد التوتر في العلاقة بين موسى الصدر والفلسطينيين. وكان فتح هؤلاء جبهة مع الشيعة لأنهم كانوا في نزاع مسلّح مع المسيحيين اليمينيين. فقرّرت القيادة الفلسطينية حلّ هذه العقدة بأرخص ثمن ممكن لها عن طريق تصفية الصدر جسدياً وبأيدي الغير. وقد سمعتُ بنفسي من مصدر كبير وهام أن طلب حلّ مشكلة الصدر أُبلغ الى الزعيم الليبي معمّر القذافي المعروف كفوضوي ومندفع يتهوّر من إحدى الشخصيات القيادية المهمة في “حركة فتح”… أنا شخصياً أعتقد أن هذه القصة حقيقية على رغم تسليمي بصعوبة تأكيد شيء وكأنه أمرٌ مسلّم به. طبعاً لم يساعد إغتيال الإمام الصدر واستبعاده من المشهد السياسي الفلسطيني، إذ اضطرّ الفلسطينيون عام 1982 الى مغادرة لبنان بعد اجتياح إسرائيل له وسُدّ الفراغ الذي تركوه بـ”#حركة أمل” و”حزب الله” الشيعيين”.

ماذا أيضاً في مذكرات الديبلوماسي ثم السفير السوفياتي كولوتوشا؟

Sarkis.naoum@annahar.com.lb