الرئيسية / مقالات / 14 آذار وثمن دفعته “النهار”

14 آذار وثمن دفعته “النهار”

خيرالله خيرالله
أساسميديا
https://www.asasmedia.com/
14032020

في الحرب المستمرّة على لبنان واللبنانيين، لا يزال يوم الرابع عشر من آذار 2005 يوماً فاصلاً. أعلن اللبنانيون يومذاك، بأكثريتهم الساحقة، رفض كلام حسن نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله” في تظاهرة الثامن من آذار والذي يمكن تلخيصه بعبارة “شكراً سوريا”. هل كان حسن نصرالله يعبّر وقتذاك عن شكر حقيقي للنظام السوري على كلّ الخدمات التي أدّاها لـ”حزب الله”، أي لإيران في لبنان، أم كان يشكر النظام السوري على تغطية جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط 2005؟


وحده التاريخ سيجيب عن هذا السؤال، لكنّ الأكيد أنّ خروج اللبنانيين يوم 14 آذار 2005 إلى الشارع، في أكبر تظاهرة شهدها البلد في تاريخه القصير، أدّى إلى خروج الجيش السوري من لبنان مع ما استتبعه من تمكّن “حزب الله”، الذي ليس سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، من ملء الفراغ الناشئ عن الانسحاب العسكري والأمني السوري.
لم يكن “حزب الله” في أيّ وقت بعيداً عن جريمة اغتيال رفيق الحريري وما سبقها وما تلاها. هذا على الأقلّ ما يقوله جانب الادّعاء في المحكمة الدولية. في كلّ يوم يمرّ، يتبيّن أنّ اغتيال رفيق الحريري كان يستهدف اغتيال لبنان لا أكثر ولا أقلّ والقضاء في الوقت ذاته على أيّ أمل له باستعادة حياة طبيعية وأخذ موقع على خريطة الشرق الأوسط.
ليس سرّاً أنّ رفيق الحريري عمل على بقاء لبنان حيّا. ليس سرّا انّه لعب دوراً أساسياً في بقاء المؤسسة العسكرية واقفة على رجليها في مرحلة معيّنة. ليس سرّاً أنّه ساعد في بقاء الجامعة الأميركية ومستشفاها يعملان، مع جامعات ومستشفيات أخرى وضعت نفسها دائماً في خدمة لبنان واللبنانيين. ليس سرّاً أنّه علّم ما يزيد على ثلاثين ألف طالب لبناني. ليس سرّاً أنّه أبقى على الحياة في مؤسسات لبنانية عدّة تعتبر من رموز لبنان. ليس سرّاً انّه أعاد بيروت إلى أهلها جميعا وإلى اللبنانيين جميعا عن طريق إعادة بناء الإنسان والحجر…
من بين الذين ساعدهم رفيق الحريري على البقاء والاستمرار، كانت جريدة “النهار” التي كانت هدفاً للنظام السوري ولبشّار الأسد بالذات بصفة كونها رمزاً لبنانياً يتجاوز دوره حدود لبنان.
في كانون الأوّل 2003، التقى رفيق الحريري بشّار الأسد في دمشق. كانت تلك جلسة تأنيب للرجل تولّاها شخصياً رئيس النظام السوري بحضور ثلاثة ضباط هم غازي كنعان ورستم غزالة ومحمّد خلّوف…

لم يتغيّر شيء بالنسبة إلى “النهار”، على الرغم من تخلّص رفيق الحريري من أسهمه. بقيت المؤسسة مستهدفة

من بين ما طلبه الأسد الابن في تلك الجلسة تخلّص رفيق الحريري من أسهمه في “النهار”. طلب ذلك بلغة الأمر. عاد الرجل بعد ذلك إلى بيروت حزيناً ومصدوماً. كان هناك طلبان آخران لبشّار أولّهما عدم تناول قضيّة “بنك المدينة” من الآن فصاعداً عبر وسائل الإعلام التابعة له، والآخر الامتناع عن أيّ خوض في موضوع تمديد ولاية إميل لحود. قال له بالحرف الواحد: “ورقة التمديد ورقة في يدي. هل تريد أن تحرق يدي”؟

لم يتغيّر شيء بالنسبة إلى “النهار”، على الرغم من تخلّص رفيق الحريري من أسهمه. بقيت المؤسسة مستهدفة. قبل اغتيال رفيق الحريري، كانت محاولة لاغتيال مروان حمادة بواسطة سيارة مفخخة. نجا مروان بأعجوبة من تفجير يوم الأوّل من تشرين الأوّل 2004. لم تكن هناك شكوك في أنّ الرسالة التي انطوت عليها عملية التفجير ثلاثية الأبعاد. كان رفيق الحريري مستهدفاً، كذلك وليد جنبلاط، في ضوء علاقة كلّ منهما بمروان. أمّا البعد الثالث، فكان مرتبطاً بعلاقة مروان حمادة بـ”النهار” بصفة كونه خال جبران تويني من جهة وعضواً في مجلس الإدارة من جهة أخرى.
بعد اغتيال رفيق الحريري، بقيت “النهار” مستهدفة. اغتيل سمير قصير في مطلع حزيران 2005 لاسباب عدّة. كان بينها دوره في “ثورة الأرز”، وقبل ذلك في مقاومة الوصاية السورية، ودوره في تظاهرة الرابع عشر من آذار والشعارات التي رفعتها… وما كان يكتبه في الصفحة الأولى لـ”النهار”.
كان إغلاق “النهار” او تدجينها مطلبا دائما لبشّار الأسد مع تركيز خاص على جبران تويني الذي فجّر موكبه قبل نهاية 2005. كان جبران ديك “النهار” التي كانت ولا تزال رمزاً من رموز بيروت والدور اللبناني المطلوب القضاء عليه على الصعيد الإقليمي، وهو دور يتجاوز الإعلام.
بعد خمسة عشر عاما على تظاهرة 14 آذار، يتأكّد أنّ “النهار” دفعت غاليا ثمن دورها في قيام أكبر تظاهرة في تاريخ لبنان. لكنّها للأسف صارت على صورة بيروت، بل صورة لبنان كلّه. إنّها تقاوم، لكنهّا تعكس بصدق والم، في آن، عمق المأزق اللبناني. هناك مأزق تعبّر عنه أزمة لم تعد تجد حتّى من يديرها في “عهد حزب الله” و “حكومة حزب الله”.

اضف رد