الرئيسية / مقالات / 14 آذار “كما يرويها فارس سْعَيد” (1/2)

14 آذار “كما يرويها فارس سْعَيد” (1/2)

ماكينة لا تهدأ فارس سْعَيد: الطبيب السابق، النائب السابق، الأمين العام السابق. حاضرٌ بل ربّما الأكثر حضوراً في المواقف والسياسة والندوات والإعلام. فوقها ومعها ينكبّ هذه الأيام على وضع كتاب يختصر ما عاش ورأى. وهذه السردية جزء من فصل “انتفاضة الاستقلال 2005″، على السجية، قصّة ولادة غيّرت في مسار تاريخ لبنان، وخلاصاتها الماثلة. هنا بعض منها، على لسانه في جزء أوّل، يتبعه غداً جزءٌ ثانٍ.

بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري بدأنا في 15 شباط بالتظاهر كلّ يوم، وكل اثنين كانت تتجمع تظاهرة كبيرة. “حزب الله” نظّم تظاهرة 8 آذار يوم اثنين في ساحة رياض الصلح، وقيل لي إنّ بعض الشبان لا يزالون في “ساحة الحرية – الشهداء”. ونزلت مع النائب أكرم شهيّب إلى الخيم، وأذكر كان فيها نحو عشرة شبان، بينهم شاب اسمه سامي الجميّل. في المقابل كانوا 350 ألفاً تقريباً في تظاهرة “حزب الله”. والجيش أقفل الطرق المؤدية إلى الخيم لحمايتها.
في اليوم التالي، الثلاثاء 9 آذار زارنا في “مستشفى سعَيد”- وكان مركز اجتماعاتنا الوحيد في بيروت قبل أن أخسره – السفيران، الفرنسي برنار إيمييه، والأميركي جيفري فيلتمان، وكان حاضراً سمير فرنجية والياس عطالله ووائل أبو فاعور وبيار الجميّل وسمير عبد الملك وأركان حركتنا آنذاك… كان إيمييه وفيلتمان مبهورَين بتظاهرة “حزب الله”، قالا لنا ما مفاده: “غلبوكم وحُسِم الأمر”.

إقرأ أيضاً:“رابور” طبي لتغيّب 14 آذار

الأربعاء صعدت مع النائبة غنوة جلول إلى القصر الجمهوري وقلنا للرئيس إميل لحود إنّ نواب المعارضة انتدبونا لنبلغه أنّهم لن يشاركوا في الاستشارات النيابية لتسمية رئيس للحكومة خلفاً للرئيس عمر كرامي، الذي كان أعلن استقالته.

ومساء ذلك اليوم، الأربعاء، إتصل بي بهاء الحريري وطلب أن نلتقي في قريطم، وكان ذلك الاجتماع الوحيد معه، لم أرَه ولا مرّة بعدها، ولا عرفت أخباره. إجتمعنا ببهاء وباسم السبع وهاني حمود، وسمير فرنجية وأنا، وكان الموضوع: كيف نردّ على تظاهرة 8 آذار. قلنا لهم إنّنا نتظاهر عادة في ساحة الشهداء كل اثنين وسوف نحضّر أنفسنا ليكون عدد المشاركين أكبر يوم الاثنين التالي. سألوا: من سيتكلم في 14 آذار؟ وقال بهاء ومن معه: الأفضل أن يتكلم مروان حمادة وأنت (سعَيد) وبهية الحريري، و”لشو نعمل شي كبير”؟

بعد ذلك الأربعاء أخذنا بالتحضير، وبدأنا نرى ونلمس أنّ الناس تغلي يوماً بعد يوم. في جبيل مثلاً كنت أشاهد الناس، يشترون الأعلام ويستعدّون من تلقائهم. لم يدفع لهم أحد شيئاً ولم يقدّم أحد قنّينة مياه أو أمّن بوسطة لنقلهم إلى بيروت أو دفع ثمن صفيحة بنزين. في المختصر لم يكن هناك أي تنظيم.

عقدنا مرة اجتماعا تحضيرياً للتظاهرة في مقر “حركة اليسار الديمقراطي” في كورنيش المزرعة، فوق محل “هوا تشيكن”، كان جبران باسيل حاضراً والسؤال: ما هو عدد المشاركين الذين تستطيعون جمعهم كأحزاب، بين “مستقبل” و”إشتراكي” و”قوات” و”كتائب” و”أحرار” وعونيين؟ أعلى تقدير كان 150 ألفاً.

لاحقاً، عندما جاء نحو مليون لبناني إلى الساحات يوم 14 آذار، أصابنا هذا بالذهول.

في مساء ذلك اليوم صعدنا إلى المختارة، سمير فرنجية والياس عطالله وأنا، وكنّا فرحين ونعتبر أنّنا ربحنا كلّ شيء، و”البَيك” طبعاً كريم وأنيق، شربنا وضحكنا وقلنا تلك الليلة: ما عادت الأمور تكمل على المنوال السابق ويجب أن نسقط إميل لحود. ثلاثتنا قلنا ذلك، أما وليد جنبلاط فأبداً. قال: “يا عمي هذه تلزمها موافقة بكركي”.

جوابنا كان: “أترك بكركي علينا، واستحصل أنت على موافقة الأميركيين”.

كان البطريرك نصرالله صفير مرّ فوق ساحة الشهداء وشاهد تظاهرة 14 آذار من مروحية عسكرية أقلّته إلى المطار في طريقه إلى واشنطن لمقابلة الرئيس الأميركي جورج بوش، وبرفقته المطرانان يوسف بشارة وبولس مطر. علماً أن البطريرك كان بقي ثلاثة أيام في الفندق ولم يستقبله بوش عام 2001 لأنّه كان بطريرك الموارنة وزعيم “لقاء قرنة شهوان” وقائداً مسيحياً. تغيّر الموقف عندما وضع لبنان و14 آذار في جيبه. فاستقبله مع المطرانين لأنّه صار رمزاً للاستقلال.

اكتفوا بأنّ دم الرئيس الحريري أخرج الجيش السوري من لبنان، ولا تذهبوا إلى أبعد

إتصلت في اليوم التالي بالمطران يوسف بشارة في واشنطن. قال: “كيف نحكي نحن باستقالة رئيس الجمهورية؟”. وأوضحت له: “يا سيّدنا ليس المطلوب أن يقول بطريرك الموارنة أريد إسقاط رئيس الجمهورية. إذا أسقطناه هل تباركون؟ لا تظن أبداً أنني أطلب منك التحدث إلى سيّدنا البطريرك لكي يعطي الإذن أو يقول اذهبوا وأسقطوا رئيس الجمهورية، ولكٌنَّا أغبياء لو طلبنا إليه ذلك. السؤال تحديداً: إذا أسقطناه هل تباركون؟”. وكان الجواب: “إيه منحكي”.

في ذلك الوقت ذهب جنبلاط إلى مصر والتقى مدير المخابرات العامة اللواء عمر سليمان. إجتمعنا بعد عودته وقال لنا: “إنّهم غير موافقين على إسقاط إميل لحود، لأنّ إسقاط رئيس جمهورية لبنان يفسح في المجال لإسقاط رؤساء جمهوريات في المنطقة، ويطلق نوعاً من مفعول دومينو”.

هذا كان الموقف العربي، المصري، أبلغه عمر سليمان إلى جنبلاط. واستنتجنا أنّ هذا موقف الأميركيين أيضاً باعتبار أنّ المصريين هم هوائي الولايات المتحدة في المنطقة. وعزّز اقتناعنا الكلام الذي سمعناه من فيلتمان أيضاً، ومختصره: “اكتفوا بأنّ دم الرئيس الحريري أخرج الجيش السوري من لبنان، ولا تذهبوا إلى أبعد”.

ولمزيد من التأكيد على كلام عمر سليمان قال فيلتمان عبارة “Elections on time ، إنتخابات في موعدها”. وكان يقصد انتخابات نيابية نربحها، وبعدها نحكي عن انتخابات رئاسية.
هل يعني كل ذلك أنّ “14 آذار” كانت تسير على وقع رغبات الدول والسفارات؟”. أبداً وعلى الإطلاق. كانت تعبيراً عن إرادة وطنية بامتياز. لكنّها لم تكن معزولة عن قراءة الأوضاع الإقليمية والدولية. وطبعاً استفدنا من تبدّل الأوضاع الإقليمية. هل كنّا لنستطيع تركيب “لقاء البريستول” لو لم يسقط صدام حسين ويصير الجيش الأميركي على حدود سوريا في 2003؟

اضف رد