الرئيسية / home slide / 14 آذار: تواريخ في تاريخ لبنان ومحطات وتداعيات

14 آذار: تواريخ في تاريخ لبنان ومحطات وتداعيات

14-03-2022 غسان حجار | 00:35 المصدر: “النهار”

14 آذار 2011.

لتاريخ #14 آذار محطات وذكريات أثّرت كثيراً في مسار البلد. وليس من تاريخ مماثل يحتمل القراءات والسرد والتحاليل والتأويلات. ولعلّه التاريخ الجامع رغم الانقسامات، لأن كل فريق سياسي يجد فيه مناسبة يحييها ويحتفل بها، وربّما يُحرّض على الآخرين من خلالها أو يستجمع قواه ويحتضن ناسه. فمن 14 آذار 1978 تاريخ الاجتياح الاسرائيلي الاول ل#لبنان في ما سُمّي آنذاك “عملية الليطاني”، مرورا بـ 14 آذار 1989 عندما اعلن رئيس حكومة لبنان الانتقالية وقتذاك العماد ميشال عون “حرب التحرير” ضد الجيش السوري في لبنان، وصولاً الى 14 آذار 2005 المحطة الاستقلالية الكبرى في تاريخ لبنان الحديث. ولا يمكن للبنانيين إغفال 14 آذار 2011 تاريخ اندلاع شرارة الحرب السورية التي تترك الى اليوم انعكاساتها بل تداعياتها على لبنان الذي يؤوي نحو مليون ونصف مليون لاجىء سوري ينهكون اقتصاده المتهالك أصلاً، ويزيدون الاعباء المالية والاجتماعية والامنية. في ما يأتي عرضٌ سريع لتلك المحطات:

التاريخ الاول في العام 1978 ادى الى وقوع لبنان تحت احتلال توسَّع في العام 1982، وولد ما سُمّي “الشريط الحدودي” و”جيش لبنان الجنوبي”، كما أوجد قرار مجلس الامن 425 وبعده الـ 426. والاجتياحان لم يكونا يتيمين اذ استُتبعا بسلسلة من الحروب والاعتداءات كانت آخرها حرب تموز 2006 التي استمرت 33 يوما، ولم يكن ممكنا التخلص من آثارها لولا الاحاطة الدولية للبنان، والدعم العربي للاعمار، وقد خسر لبنان حسن الجوار والعلاقة مع معظم الدول العربية، علماً ان شعار “شكراً قطر” لا يزال ماثلا في الاذهان، خصوصا في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية. 

1978 ولا يمكن للبنان، وللمجتمع المسيحي تحديدا، وللمناطق “الشرقية”، محو مرارة الذاكرة التي ولّدتها “حرب التحرير” (14 آذار 1989) التي ارادها العماد ميشال عون لتحرير لبنان من الاحتلال السوري، فإذ به، مكشوفا دوليا واقليميا، يخوض حربا عبثية جعلت المناطق الشرقية (المسيحية) تحت وابل المدفعية السورية، تدمرها وتحرقها وتقتل ناسها، ثم يرتد عون الى الداخل في “حرب الالغاء” لتوحيد البندقية والتخلص من سطوة حزب “القوات اللبنانية”، فدمّر ما لم تدمره آلة الحقد السورية، وقتل من قتل، وهجر من هجر، حتى وهن القرار المسيحي، ليعود ويطالب باستعادة الدور متأخراً جداً في رئاسة جاءت محبِطة الى حد كبير، يخرج منها مهزوماً من دون إقرار، كعادته في كل الحروب العبثية التي خاضها. 

1989  أما 14 آذار 2005، فكان تاريخا مجيداً، لا تمحوه الايام، ولا السنون، لانه يوثّق قدرة الشعوب، وايمان الشعب اللبناني بوطنه، ووحدته في الملمّات، وحيويته وعنفوانه وكرامته وثورته التي، وإنْ خبت، فهي تستعر كالنار، اذ لا تزال جمراً تحت الرماد، وهو ما اثبتته انتفاضة 17 تشرين الاول 2019. ولئن كانت الظروف سيئة وقاسية، بفعل التبدلات واللاتوازنات الاقليمية، وحروب الآخرين وتداعياتها، فان تلك المحطات تبقى مضيئة، ويمكن البناء عليها دائما، والرهان على اللبنانيين، لمستقبل افضل لا بد سيبنونه معاً. 

2005 وهنا عرض لأبرز المحطات:

14 آذار 1978: تاريخ الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان، في ما عُرف آنذاك بـ”عملية الليطاني”. وأدّى الاجتياح الذي كان هدفه المُعلن إبعاد التنظيمات الفلسطينيّة إلى شمال نهر الليطاني، إلى صدور القرارين 425 و426 عن مجلس الأمن الدولي، واللذين نصّا على انسحاب إسرائيل ونشر قوات الطوارئ الدوليّة على الحدود بين البلدين. 

1978  وقد أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك موردخاي غور للمراسلين في تل أبيب، أن معظم الأهداف المطلوبة قد تم احتلالها، وان قوات جيش الدفاع الإسرائيلي ربطت جميع الجيوب المحتلة في شريط أمني يمتد إلى عمق 7 – 10 كلم على طول الحدود. وهو ما صار يُعرف لاحقا بمنطقة الشريط الحدودي بقيادة الرائد “المنشق” (؟) عن الجيش اللبناني سعد حداد الذي اسس ايضا ما بات يُعرف بـ”جيش لبنان الجنوبي” نواته جنود من ابناء المنطقة، واعتمد لاحقا على التطويع. 

1978  وفي تقييم للعملية أجرته وزارة الدفاع السورية (لا يزال على موقعها الرسمي) بعضُ اعتراف: “حققت العملية العدوانية الإسرائيلية ضد القطر اللبناني جزءاً من الأهداف الموضوعة من الجهة الأمنية، وهي الخلاص من قوات المقاومة في منطقة جنوب نهر الليطاني، بصورة موقتة، ووجهت ضربة للقوى الوطنية المتعاونة والمتعاطفة مع قوى الثورة الفلسطينية، وزادت في عمق النطاق الأمني داخل الأراضي اللبنانية. ونفذت القوات الإسرائيلية عملياتها في الجنوب اللبناني بحذر وبطء شديدين للإقلال من الخسائر قدر الإمكان، وتجنب الاشتباك مع القوات العربية السورية العاملة ضمن قوات الردع العربية”.

وقد شكّل تاريخ 14 آذار موعداً سنويّاً لاحتفالات ونشاطات تنظمها حركة “أمل” استمرت إلى العام 2000 موعد الانسحاب الاسرائيلي من لبنان عندما اعلن رسميا عن اعتماد نهار 25 أيار من كل سنة عيدا للمقاومة والتحرير.

14 آذار 1989: أعلن رئيس الحكومة العسكريّة الانتقاليّة آنذاك العماد ميشال عون “حرب التحرير” لإجبار الجيش السوري على الانسحاب وتطبيق قرار مجلس الأمن الرقم 520. لكن “حرب التحرير” ارتدّت على صاحبها وعلى المناطق التي كانت تُسمّى “محرّرة” من الوصاية السوريّة، إذ قوبلت الحرب بتدمير للمناطق “الشرقيّة” بعد تعرّضها لحصار وقصف مضاد من الجيش السوري والقوى والأحزاب الموالية له. حُسم النزاع في 13 تشرين الاول 1990 عندما اقتحم الجيش السوري القصر الجمهوري ووزارة الدفاع ومعاقل عون الرئيسية، وراح ضحيّتها مئات المدنيين والعسكريين اللبنانيين. وقد ادت العملية الى لجوء عون الى السفارة الفرنسية قبل ان ينتقل الى باريس وينتهي معه الفصل الاخير من الحرب الاهلية.

ففي 14 آذار 1989 أعلن عون “حرب التحرير” وفتح فوّهات المدافع لقصف مواقع الجيش السوري في “بيروت الغربية” واعالي المتن وبعض البقاع، واستمرت المعارك شهوراً إلى حين نفاد الذخيرة لدى قوات الجيش اللبناني التي كانت تأتمر بعون في تلك الفترة، فطلب مؤازرة “القوات اللبنانية” وشكّل غرفة عمليات مشتركة معها لتنسيق عمليات القصف وتولّي الدفاع عن الجبهات.

وفي 31 كانون الثاني 1990 اندلعت “حرب الإلغاء” بين عون و”القوات اللبنانية”، ورفع الاول شعاراً لهذه الحرب مخيّراً المسيحيين بين “الدولة والدويلة”. وقد اعتُبرت “حرب الإلغاء” أشرس الحروب التي أنهكت ودمّرت المناطق المسيحية وأضعفت القوى المسيحية وتسبّبت بأكبر هجرة للمسيحيين الى الخارج وبسقوط آلاف الضحايا إما على الجبهات أو تحت الركام أو في البحر هرباً من جحيم النار.

وبحسب مواكبين لتلك المرحلة فإن الإسباب التي دفعت عون إلى إعلان “حرب التحرير” كانت ابلاغه من وسطاء عدم موافقة دمشق بل رفضها المطلق لانتخابه رئيساً للجمهورية، بعدما كان فتح قناة اتصال مع وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس. وكان عون من خلال النائب البير منصور والمحامي فايز قزي يبعث برسائل إلى دمشق.

ومن غير الواضح لماذا يستمرّ العونيّون في إحياء تلك الذكرى التي قامت بهدف نبيل ربّما، لكنّها كانت خطوة غير مدروسة بالتأكيد لأنّها لم تكن تحظى بأي دعم وتأييد دوليين، وقد جرّت على المسيحيين تحديدا، الويلات والمصائب واستمرت الى مرحلة لا تحمد عقباها، قضت باقرار اتفاق الطائف، وفرض انهاء الحرب، والقضاء على ما كان يسمى آنذاك “ظاهرة تمرد الجنرال عون”. وفي معرض كتابتي عن الراحل جان عبيد سردت تلك الواقعة التي تؤكد الرفض السوري لعون قبل ان تتبدل اتجاهات العلاقة، ولا مجال لها هنا:

“بعد اغتيال الرئيس رينه معوض عقدت لقاءات عدة للبحث في اسم الرئيس التالي، ومنها اجتماع جمع جان عبيد مع عبدالحليم خدام وحكمت الشهابي. سأله الاول ماذا سيفعل بميشال عون؟ ردّ: كما اعطيتم زعماء الميليشيات فرصة للدخول الى السلطة، وبينهم مقاتلون وقتلة، يقتضي اعطاؤه هو ايضاً فرصة. وسأله خدام: أليس هو الذي يريد تكسير رأس سيادة الرئيس ودقّ مسمار في نعش النظام؟ ردّ: كان كلام معارك وليس كلام اقتدار. ما أُعطي اولئك لا يصحّ حجبه عن قائد الجيش ورئيس الحكومة الدستورية.

14 آذار 2005: شهد لبنان التظاهرة الأكبر في تاريخه ردّاً على تظاهرة قادها “حزب الله” والأحزاب المُوالية للنظام السوري دعماً له في 8 آذار. وجاءت الثانية ردّة فعل تجاوز فيها عدد المشاركين المليون. وتبعاً للواقعتين، التصق اسم “قوى 14 آذار” بالأحزاب المناهضة لسوريا، وعُرفت الأحزاب المُوالية لها بـ”قوى 8 آذار”. واستمرّت هذه التسمية، ولو جزئيّاً، إلى الأمس القريب. 

2005 وشكّل ذلك النهار بعد شهر من اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط، الانطلاقة الفعليّة لما عُرف بـ”انتفاضة الاستقلال” أو “ثورة الأرز” للمطالبة بانسحاب الجيش السوري (الذي تحقّق بعد شهر، في نيسان 2005) واستعادة السيادة والاستقلال ورفض الوصاية والاحتلال.

واسم “ثورة الأرز” استخدمته مساعدة وزير الخارجية الأميركية بولا دوبريانسكي، وذلك لمقارنتها مع ثورة الزهور في جورجيا، ثورة البرتقال في أوكرانيا، والثورة الوردية في العراق. في لبنان استُعملت تسمية “إنتفاضة الاستقلال” وقد أطلقها قادة حركة “اليسار الديموقراطي” وفي طليعتهم سمير قصير لربطها بالإنتفاضة الفلسطينية. عُرفت أيضًا باسم ربيع الأرز وربيع لبنان، في إشارة الى الفصل الذي انطلقت فيه التظاهرات، ولتشبيهها أيضًا بثورات أخرى تدعو إلى الاستقلال والحرية مثل ربيع براغ وربيع دمشق.

وقد قوبلت هذه التظاهرة التاريخية بمزيد من الاغتيالات طاولت رموزا من تلك الانتفاضة في محاولة لاسكاتها.

14 آذار 2011: بدء الحرب السورية التي تدخل اليوم عامها الثاني العاشر، بعدما اندلعت احتجاجات سلميّة لم يعرف العالم بها إلّا في اليوم التالي، ولم يكن أحد ليتصوّر أن النظام السوري صار ضعيفاً إلى هذا الحد، إذ تفلّتت الأمور منه في سرعة قياسيّة لتتحوّل سوريا ساحة صراعات دوليّة، فاهتزّ النظام الذي كان يوصف بـ”الحديدي” لتصادر قراره روسيا وإيران وتركيا ومجموعات منها “حزب الله” وقوى معارضة. 

2011 وهذه الحرب التي تُنهي عامها الحادي عشر تركت تداعيات كبيرة على لبنان أبرزها لجوء نحو مليوني سوري إليه، 90 في المئة منهم من الأكثر فقراً، ما حمّل الاقتصاد اللبناني أعباء كبيرة لا قُدرة له عليها، إضافة إلى تحوّل لبنان مصرفاً للسوريّين، لا لتوطين الودائع، وإنّما لسحب العملات الصعبة، ما فاقم أزمته الماليّة.