الرئيسية / home slide / 13 نيسان: أهل العزاء في جنازة المستقبل

13 نيسان: أهل العزاء في جنازة المستقبل

13-04-2021 | 00:12 المصدر: النهار

جهاد الزين

13 نيسان: أهل العزاء في جنازة المستقبل

لن تخرج 13 نيسان من وعينا، وعي الأجيال التي عاشتها. المشكلة في الأجيال التي لم تعشها. هناك ترداد دائم أنه يمكن للبنانيين أن لا يكونوا قد تعلّموا من تجربة الحرب الأهلية الضارية. وترداد مضاد عن أن اللبنانيين “تعلموا”. وهذه صيغة لمعضلة نوع علاقتنا الراهنة مع رمزية 13 نيسان أجدها مضلّلة لأنها تفرز بين فعلين: التعلّم وعدم التعلّم!. على الأرجح تعلّم اللبنانيون الذين عاشوا الحرب أو دفعوا ثمنا حياتيا غاليا فيها. وحتى الذين لم يدفعوا ثمنا، بحكم الصدفة، يعرفون عن قرب الأهوال التي نتجت عنها والأرجح أنهم لا يريدون تكرار التجربة. المشكلة في الأجيال التي لم تعش الحرب. المشكلة والحل معاً. عليّ أن أوضح الفكرة. ولكي أوضحها وأخْذاً بعين الاعتبار ما يعتبره بعض علماء الاجتماع تعايشاً متواصلا بين العناصر التي تدفع إلى السلم والعناصر التي تدفع إلى العنف في المجتمع الواحد فتقع الحرب الأهلية عندما تتفوّق عناصر الشحن العنفي على عناصر “الشحن” أو النزوع السلمي، أجد ونحن في 13 نيسان 2021، أن المشكلة لا تكمن في مدى نضج ذاكرة اللبنانيين إذا كان الأمر يتعلّق بلبنانيي الحرب الماضية بل تكمن في بعض الأجيال الجديدة التي لم تعرف الحرب. فقد بدت الأجيال المتعلّمة الجديدة مع اندلاع ثورة 17 تشرين وكأنها لا ترفض استعادة التاريخ الاقتتالي داخل المجتمع اللبناني فحسب، بل أيضا ترفض البنية الطائفية السياسية التي أوصلت إلى الحرب. لكن هذه الشرائح ذات الميل اللاطائفي السياسي، ومنها العلماني، والآتية عموما من الطبقة الوسطى اللبنانية ليست وحدها على ساحة أو ساحات التفاعل مع التأزم المتواصل، بل هناك شرائح اجتماعية في الأرياف وضواحي المدن الفقيرة وداخل أحياء مدينيّة قابليّتُها للعنف قائمة أو حتى جاهزة لمزيج من عوامل ثقافية ( الدين بينها) واقتصادية وسياسية. المسألة تصبح متوقفة على عامل التفجير الذي يستطيع تحريكها في الوجهة الحربْ أهلاوية. لذلك لا مجال للإطمئنان إلى دروس الذاكرة وحدها. الأسئلة الحاسمة، لأنها تنطوي على الأجوبة الحاسمة، تتعلّق باقتصاد الحرب هل هو متوفّر في الظرف الراهن، ثقافة التعبئة شرسة لكن لا مشاريع محلية حاليا غير التهديد بنار الحرب، وهذا التهديد هو آلية دائمة في الحياة السياسية، الإطار الدولي والإقليمي طبعاً لا يمكن الإطمئنان إليه بأي حال لأن المنطقة تشهد حروبا وأهلية متعددة ويمكنها لو شاءت المصالح الكبرى أن تشهد حربا أخرى…. لنتذكّر جيدا مراحل الحرب السابقة التي شهدت تفاقمات وتحولات وانعطافات بدأت من وضع وانتقلت إلى أوضاع إلا أن بعضها لم يأخذ رأي اللبنانين(!) خلافا لما بدأ عليه الأمر في 13 نيسان 1975 حين كان الانفجار يستند على احتقان داخلي عميق. فالقوى السياسية المسيحية اللبنانية كانت قد عزمت على المواجهة بعدما أصبحت يائسة من إمكان عودة القوى المسلمة أو القوى المسيطرة على السياسيين المسلمين اللبنانية أو المتحالفة مع بعضهم عن الإخلال بالميثاق الوطني، الإخلال البادئ بعد عام 1967. وخصوصا في مناطق المسلمين بعد العام 1969. تؤدي الأزمة الاقتصادية والسياسية الراهنة ومن دون حرب إلى نتائج في الهجرة وانهيار المؤسسات والبؤس الاجتماعي كانت الحرب وحدها ستؤدي إليها. إذن يأتي 13 نيسان اليوم ونحن أمام نتائج متحققة لحرب لم تقع. هل هذا بديل الحرب؟ إذا كان غموض الوضع الإقليمي والدولي لا يرحم فإن قابلية اللبنانيين، أي بعضهم، للعنف تستطيع أن تفرض نفسها حين يتوفر اقتصاد الحرب الذي لا يتوفّر إلا بقرار خارجي. في هذه اللحظة يبدو لي شباب 17 تشرين وحدهم “أهل العزاء” مع أن معظمهم وُلِد بعد الحرب أو في سنواتها الأخيرة. هؤلاء هم أخلاقيا وثقافيا أهل عزاء لم يشاركوا في جنازته بل يشاركون، وأرجو أن أكون مخطئاً، في جنازة مستقبل لم يولد بعد. كلامٌ متشائم وجيل هو على الأرجح أحد أهم الأجيال الشبابية في المائة عام الأخيرة ليس فقط من حيث المستوى الثقافي بل أيضا من حيث النضج السياسي. هم أهل عزاء المستقبل. فإليهم في شوارع بيروت وفي شوارع مدن الجامعات التي التحقوا بها في العالم المتقدم تمتد أيادينا نحن الـ”13 نيسانيون” الغابرون وقد غبّر الزمن مشاعرنا وطموحاتنا في منطقة لم تعد صالحة للسكن مع كل الرجاء الصعب أن يجعلها الجيل الجديد حيةً مرةً ثانية. 
j.elzein@hotmail.comTwitter: @ j_elzein