الرئيسية / مقالات / 13 تشرين الأسود

13 تشرين الأسود


العميد الركن المتقاعد جورج نادر
ا
لنهار
13102018

    في كل عام، في شهر تشرين الأول، وعلى الرغم مني، أعود ذهنياً وفكرياً إلى العام 1990، حين اجتاحت جحافل جيش الاحتلال السوري المنطقة التي كان يسيطر عليها الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون.

    غالباً ما تراودني صور ذاك النهار المشؤوم، وما تلاه من ممارسات قمعية وثأرية، فهي معششة في بالي وذاكرتي ولا تمحوها الأيام والسنون.

    قال لي أحد الأصدقاء يوماً: “حلّك بقا تنسى شو أنت وحدك بدّك تقوّم العوجا؟”.

    أنا يا صديقي لم أُصب بفقدان الذاكرة ولا بموت الضمير، فأنا لا أتذكّر الماضي لأعيش فيه، ولا أستحضر الأيام السوداء لأنكأ الجراح، بل لاستقاء الدروس والعبر، ووفاءً لدماء الرفاق الذين عاهدوا الوطن على الولاء، والتزموا قيم الشرف والوفاء، وبعضهم لا يزال مغيّباً في السجون السورية، أو أنهم أصبحوا… رفات شهداء.

    أكتب عن 13 تشرين الأسود كي لا ننسى ما حدث صبيحة ذاك السبت، أخبرها لأولادي والأحفاد، كي لا تُغيّب بطولات أخوة السلاح في أدراج الذاكرة وعتم التاريخ، فيما ثعالب السياسة والانبطاح ووطاويط الليل يقطفون الجهد والتعب والدم في غفلةٍ من الحق والحقيقة، وفي غفوة النسور، زاحفين إلى الوالي الدمشقي، ناكرين ومتنكرين لتضحيات الرجال الذين غُيّب بعضهم في سجونه، أو تحت التراب.

    في يومٍ، تخلّت أممُ الأرض كلها عن حفنةٍ من العسكريين، يلتحفون الكرامة في بزاتهم المرقّطة، ويتوسّمون الشرف من فوهات بنادقهم التي نذروها لحماية الأرض والشعب، مقسمين اليمين على قدسية الواجب.

    13 تشرين الأسود، يوم أعطت الولايات المتحدة الأميركية “الضوء الأخضر” لسوريا، بصمتٍ فرنسي وتواطؤ عربي وإقليمي ومحلّي، لاجتياح المنطقة الحرة، وإحكام السيطرة على الوطن برمّته، مكافأة لها على مشاركتها إلى جانب قوات التحالف الدولي ضد العراق في حرب الخليج الأولى.

    بضعة عسكريين مهووسين بانتمائهم، مُخلصين للقسم حتى العظم، يحدوهم الشغفُ بالتضحية حتى بالروح، تصدّوا لآلة الحرب الهمجية التي لا تقيم وزناً للقوانين والأعراف الدولية، ولا للإنسانية، فكانت إعدامات الأسرى، وقتل المدنيين العزّل، ونهب البيوت والثكن. أفعال مخزية “استحت” ميليشيات الحرب اللبنانية أن تقوم بها.

    عسكريون أدركوا سلفاً خسارة الحرب نتيجة الاختلال الهائل في ميزان القوى، مقاتلون لا يتعدّى عديدهم الألف جندي، هاجم مراكزهم آلاف جنود الوحدات الخاصة السورية والمشاة المؤللة والمدرعات، بتغطية كثيفة من نيران المدفعية وسلاح الطيران الحربي، ومساندة محلية، يا للأسف. هذا الجيش الذي لم يعرف طعم النصر يوماً إلا على شعبه، وقد هُزم مرّات عدّة أمام “عدوّه” (عدونا وعدو البشرية جمعاء) في الأعوام 1967 و1973 و1982، وما زالت أرضُه محتلّةً في الجولان، الذي ضمّته إسرائيل الى أرض ميعادها في فلسطين، ومنذ 45 سنة، لم تُطلق رصاصةَ واحدة في الجولان لتحريره، بل وُجّهت نيران هذا الجيش، حامي النظام، إلى صدور العسكريين اللبنانيين الشرفاء، الذين ذنبهم أنهم آمنوا بأن الحقّ يغلب القوّة ولو بعد حين، في عالم يمجّد القوّة ويقدّسها لتصبح هي الحقّ والحقيقة.

    صبيحة ذلك اليوم، استيقظت باكراً قبل شروق الشمس، فحلقت ذقني و”أخذت دوشاً”، فبادرني أحد الضباط الظرفاء: “شو مبيّن عليك ضاهر”. فضحكت، وكان حدسي أنني سأصاب، ومن المعيب أن أدخل المستشفى بذقنٍ غير حليقة وثياب غير نظيفة.

    وهكذا كان.

    في استطلاعي الأولي لتقدّم وحدات جيش الاحتلال، وبوصولي إلى مستديرة بيت مري، أُخبرت من المواطنين أن “السوريين أخذوا دير القلعة”، وعرفت لاحقاً أن فوجاً من الوحدات الخاصة السورية قد احتلّ الدير ومحيطه حيث كانت تتمركز سرية من اللواء العاشر، وأعدم المهاجمون بوحشية عناصر السرية الأسرى. خطّطت ذهنياً بسرعة لمهاجمة المراكز المفقودة واتصلت بمساعدي: “جهّز السرية سنهاجم دير القلعة”. نعم، سرية مدرعات مغاوير تنقص منها فصيلة اقتُطعت لمساندة سرية المغاوير الثانية على محور الدوّار، وعديد ما تبقى من السرية لا يتعدّى الـ35 عنصرا، ستهاجم قوةً تفوقها 15 ضعفاً، هذا المخطّط المتهوّر أهم ما فيه أنه لم ينفّذ لأنني أصبت إصابة خطرة في رأسي ووجهي ويديّ ورقبتي وظهري، وأصيب معي المعاون غسان الراعي واستشهد على الفور كل من الرقيبين هاني عبدو وجوزف جريج، إثر إصابة الجيب “ويللس” الذي كان يقلّنا بقذيفتين من عيار 130 ملم. الحسنة الوحيدة لتلك الإصابات هي إلغاء هذا الجنون ونجاة السرية من الإبادة، لأن المغوار لا يستسلم، بل يقاتل حتى الرمق الأخير. هكذا نشأنا وهكذا سنموت.

    13 تشرين الاسود وما تلاه من أيام سوداء، أحسسنا خلالها أننا كالأبرص في أيام السيد المسيح، إذ كان الناس يعتقدون أن لعنةً إلهية حلّت عليه، فكانوا يطرحون المريض خارج القرى، فيقيمُ وحيداً في العراء منبوذاً ومحتقراً.

    في 13 تشرين الأسود دخل لبنان العصر السوري ولا يزال، نهار لا يمكن أن يُمحى من الذاكرة، فهو يوم الفصل بين الحرية والاستعباد، بين الشرف والمذلّة، بين الكرامة والعمالة، بين الاستقلال والاحتلال، بين الحقّ والباطل… وأكثر ما ينكأ جراح ذلك اليوم التي لم تندمل بعد، هو أن “أبطال” ذاك النهار لا يزالون في الحكم، وبعضهم عاد أخيراً بسطوة المحتلّ وغباء البعض أو خبثهم، والمؤلم أنه ما من مسؤول سياسي واحد يمتلك الجرأة ليطالب بمعرفة مصير جنود 13 تشرين، وما قبله من خطفٍ وسجنٍ وتغييب.

    13 تشرين الأول سيبقى أسود إلى أن يتحرّر الوطن من التبعية والاستقواء بالخارج والارتهان لدول القرار. سيبقى أسود إلى أن نشعر بأننا فعلاً أحرار ومستقلون ونعيش في دولة ذات سيادة.

    في ذكرى رفاقي الأبطال، أنحني أمام شهادتهم فرداً فرداً من دون أن أسمّيهم، خوفاً من نسيان أحد ممن عُثر على رفاتهم ودُفنوا، أو الذين لا يزالون مغيّبين في سجون الاحتلال، وأغلب الظنّ أنهم شهداء، في حين أن أمهاتهم لا يزلن ينتظرنهم أمام مبنى الأسكوا في العاصمة، ويأملن رجوعهم أحياء، ولا من يسأل عن حرقة الأمهات ودموعهن.

    في ذكرى اليوم الأسود من تشرين، أعتزّ وأفتخرُ بأنني قاتلتُ مع حفنةٍ من العسكريين الشرفاء لا همّ لهم إلا الوفاء للقسم، والتضحية، وستبقى أحداث ذلك اليوم وما أعقبها محفورة على جبيني، وأوكّد أن ليس في قلبي حقد أو ضغينة، ولا كره أو رغبة في الثأر، ولست ضد المصالحة ولا أعارض بناء علاقات مع دولة سوريا، ولكن، كما للحرب أسبابها وشروطها وقوانينها، كذلك للسلم شروط وأصول، فهل طالب أحد من المسؤولين هذه الدولة بالاعتذار من الشعب اللبناني وجيشه عما فعله جيشها خلال عقود من الزمن؟ وهل نحن من اعتدى واحتلّ الشام ودمّرها؟ وهل جيشنا هو الذي هاجم قصر المهاجرين في دمشق وأعدم الجنود السوريين؟ يكفينا اعتذار رسمي واحد عما اقترفته وحدات الجيش السوري في مدننا وقرانا من قتل وتدمير وتهجير، واعتراف بإخفاء مئات المواطنين والعسكريين في سجون سوريا والكشف عن مصيرهم، فلا عداء أبدي، ولا خصام إلى ما لانهاية، ولعلّه من المفيد التذكير بأن الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، عزم في بداية التسعينيات على زيارة اليابان كأول رئيس أميركي يزور طوكيو بعد الحرب العالمية الثانية، والولايات المتحدة تملك قواعد عسكرية في اليابان، وقد خرجت منتصرة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1989، وحرب الخليج الأولى، وفرضت نفسها القوة الكبرى الوحيدة في العالم، ورغم ذلك فقد رفضت الحكومة اليابانية استقباله إذا لم يعتذر رسمياً عن القنبلة الذرية التي ألقاها الأميركيون على هيروشيما وناكازاكي عام 1945، واعتذر الرئيس الأميركي، وانتصرت الكرامة اليابانية… فهل من يتّعظ؟

    اضف رد