الرئيسية / home slide / (1) “اتفقت قيادة الكتائب وسوريا على اتفاقية أمن مشترك”؟

(1) “اتفقت قيادة الكتائب وسوريا على اتفاقية أمن مشترك”؟

05-10-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

سركيس نعوم

سركيس نعوم

مشهد من تجمّع لمؤيّدي “الكتائب” (أرشيفية – مارك فياض).

قبل أشهر قليلة اتصل بي صديق من “الجبل” مغرم بالسياسة وبالتاريخ ومتابع بحكم اغترابه مدة طويلة عن #لبنان للسياسات الدولية وفي مقدمها الأميركية والروسية والصينية، سائلاً إذا كنتُ اطّلعتُ على كتاب “مرفوع عنها السرية” أو “حكايا ونوادر المترجم العجوز”، الصادر بالعربية قبل وقت غير بعيد، وطلب مني البحث عنه وتزويده نسخة منه إذا توفّقت في مسعاي. سألت عنه ناشر كتابي الأخير الصادر قبل نحو ثلاث سنوات أي “بيسان”، فأجاب: طلبك عندي، وزوّدني نسختين واحدة لي وأخرى لإبن “الجبل”. فوجئت أولاً بأنه كتاب مذكرات. فوجئت ثانياً بأن كاتبه هو فاسيلي كولوتوشا المواطن السوفياتي سابقاً والروسي حالياً الذي التحق عام 1959 بمعهد العلاقات الدولية في موسكو، وتعلّم منذ بدايته اللغة العربية فأتقنها مترجماً لكبار شخصيات بلاده في أثناء زيارتها الدول الحليفة لموسكو في العالم العربي، ثم ديبلوماسياً في أكثر من دولة عربية منها مصر والعراق ولبنان ثم سفيراً في الأخير. فوجئت ثالثاً بأن النهج الذي اتّبعه في سيرته لا يختلف عن نهج الذين كتبوا سِيَرَهم من شخصيات العالم الغربي ولا سيما من حيث الصراحة وذكر الوقائع والأحداث كما حصلت، علماً أنني كنت وكثيرين غيري نعتقد أن الطابع التوتاليتاري للدولة السوفياتية لم يكن يسمح بهذا النوع من الحرية، فضلاً عن أنني وآخرين لم تسمح لنا ظروف متنوّعة بقراءة سِيَر شخصيات سوفياتية قامت بأدوار مهمة داخل بلادها وفي الشرق الأوسط وحتى في العالم. علماً أيضاً أن انهيار الإتحاد السوفياتي وكتابة سفيره في لبنان في أواخر الثمانينات سيرته الذاتية بعد هذا الحدث الكبير والمهم قد يكون دفعه الى “الترحرح” في التعاطي مع القضايا التي واجهها في أثناء خدمته الشرق الأوسطية ولا سيما منها العربية.

طبعاً لن ألخّص الكتاب في “الموقف هذا النهار” لكنني سأنشر نحو ثلاث مقالات عنه أو أربع تتناول قضايا مهمة لبنانية بحتة ولبنانية – عربية وحتى عربية لا يزال اللبنانيون يضعون علامات استفهام على بعضها، فضلاً عن أن قسماً منها يضيء على تبدّل المواقف والخيارات وتحديداً في لبنان في أثناء الحرب الأهلية التي عصفت به منذ 1975 ولم تنتهِ إلا في عام 1990 هذا إذا انتهت. لكن قبل البدء بذلك لا بد من نشر مقطعين من مقدمة المؤلّف السفير كولوتوشا التي سعى بواسطتها الى “إقناع” قرّائه العرب على الأرجح بموضوعيته التي فاجأت خلال خدمته الطويلة حتى رؤساءه. قال: “سوف أحاول أن أسرد ذكرياتي بأمانة وموضوعية بأقصى حد ممكن، بل سيتعيّن عليّ التطرّق الى البعض منها مما كان يُدرج بكل تأكيد في خانة “سرّي” أو حتى “سرّي للغاية”. أنا لا أرى غضاضة في ذلك لأن كل الأحداث التي سيجري الحديث عنها لا علاقة لها بالمرة بالوضع الحالي. فالدولة التي خدمناها وكرّسنا لها كل قدراتنا وخبرتنا وطاقتنا اختفت ولم يعد لها وجود منذ أكثر من ربع قرن، وتالياً لم يعد ممكناً في كل الأحوال تقديم أي عون لها أو إلحاق أي أذىً بها. لكن من يدري، فربما يؤدّي استحضار الصورة الحقيقية والواقعية للأحداث التي جرت في الأيام البعيدة الى إتاحة الفرصة لنا لكي نفهم ونُدرك ما يجري الآن ونشاهده اليوم. كما قد يساعدنا على تصوّر الملامح المحتملة للمستقبل. وبطرحي لهذه الذكريات لم أهدف أبداً الى تبرئة ماضينا السوفياتي أو ذمّه. فكل ما كان كان وانقضى”…

“في منتصف نيسان 1976 زار يفغيني بريماكوف لبنان حيث يعتبره كثيرون موفداً غير رسمي لموسكو في حين أنه “خبير في شؤون الشرق الأوسط” محاولاً معرفة النوايا اللاحقة لـ”المسيحيين اليمينيين” حيث كان هناك صراع خفيّ بين أنصار التعاون مع إسرائيل وأنصار التعاون مع سوريا. التقى بريماكوف زعيم حزب #الكتائب بيار الجميّل، وكان اللقاء شيّقاً وهاماً ودسماً خرج بريماكوف منه بانطباع أن قيادة الكتائب كانت تميل في تلك اللحظة الى صالح التعاون مع دمشق. شارك في هذا اللقاء كريم بقرادوني. وأثناء توديعه لبريماكوف أسرّ إليه أن قيادة الكتائب ودمشق توصّلتا الى اتفاق حول تنسيق الجهود، وأنه بعد انتهاء مدة رئاسة سليمان فرنجية سيتم انتخاب “مرشّح مشترك” لشغل منصب رئيس الدولة. وعندما يصبح رئيساً سيوقّع باسم لبنان اتفاقية مع سوريا حول الأمن المشترك. وهذا بدوره سيخلق الأرضية القانونية لنشر القوات السورية داخل الأراضي اللبنانية. (ذكر ذلك بريماكوف في كتابه: سرّي الشرق الأوسط على المسرح ووراء الكواليس). بدورها غيّرت سوريا موقفها وتعاطفها. ففي عام 1975 كانت تدعم الفلسطينيين و”الإسلاميين التقدميين” ضد “المسيحيين اليمينيين”. في مطلع 1976 مالت، أي سوريا، الى اتخاذ مواقف مزدوجة ثم انتقلت الى العداء مع منظمة تحرير فلسطين واليساريين اللبنانيين. تأكدتُ من ذلك بعدما كنتُ شاهداً وبالصدفة على حديث تلفوني بين ياسر عرفات ونائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام… إذ كنت أزور عرفات وأسمع منه شرحاً للوضع العسكري في المعركة مع القوات المسيحية اليمينية وخصوصاً في منطقة بكفيا. رنَّ هاتف البدَّالة (سنتراليست) فتناول عرفات السماعة وسمعتُ بوضوح صوت خدام وهو يكلمه إذ كنتُ على مقربة منه، وعرفتُ تفاصيل الحديث وموجزه أن سوريا قلقة جداً من الهجوم الذي يُشَّن على بكفيا وتطلب وقفه فوراً وإلا سوف… وتوالت التهديدات وأنصت عرفات لها بوجه شاحب وردّ بعبارات عاطفية ثم أقفل الخط وراح يفكّر شارداً. سألته: خدّام هو المتصل؟ ردَّ: نعم هو “أنت سمعت كل شيء؟ هل فهمت عمَّ دار حديثنا؟ إذاً قم بإبلاغ موسكو”.

ماذا عن أول لقاء بين كولوتوشا وأمين الجميّل في شهر آب 1976؟

Sarkis.naoum@annahar.com.lb