الرئيسية / أضواء على / في المئوية الخامسة: المسلمون وحركة الإصلاح المسيحي

في المئوية الخامسة: المسلمون وحركة الإصلاح المسيحي


مالك التريكي
Nov 18, 2017
القدس العربي

أحيا العالم الغربي آخر الشهر الماضي الذكرى المئوية الخامسة لحركة الإصلاح الديني المسيحي. فوجب السؤال عن الدلالة التي يمكن أن تستفاد، في
حاضر العالم الإسلامي، من هذه الحركة الإصلاحية التي بدأت بالصحيفة التي يروى أن القس الألماني مارتن لوثر علقها على باب كنيسة بلدة فيتنبرغ، يوم 31تشرين الأول/أكتوبر 1517، وضمّنها خمسا وتسعين أطروحة حمل فيها على فساد الفاتيكان وسوء استخدام البابا لسلطته الدينية والدنيوية. وقد أحدث مارتن لوثر بذلك أكبر انشقاق في تاريخ أوروبا، حيث لم يمض نصف قرن حتى كان أكثر من نصف أوروبا الغربية قد صار «بروتستانت»، أي معترضا على سلطة الفاتيكان. كما تعرض عشرات الآلاف من المؤمنين للتعذيب والتقتيل والتهبت مناطق شاسعة من القارة الأوروبية بنيران ما يعرف بـ»الحروب الدينية» التي استغرقت أكثر من مئة وثلاثين سنة، من 1517 حتى 1648، وجرّت الويلات والخراب في أرجاء واسعة من ألمانيا وفرنسا وهولندا. وعندما وصلت الحروب الدينية بعد ذلك إلى ايرلندا وبريطانيا استمرت حتى عام 1668، فكانت نسبة من أزهقت أرواحهم من الرجال في البلدين، كنتيجة مباشرة أوغير مباشرة لهذه الحروب، لا تقل عن عشر السكان، أي أنها أعلى من نسبة ضحايا الحرب العالمية الأولى!
كان السبب المباشر لانطلاق حركة الإصلاح الديني أن لوثر، الذي كان قسا كاثوليكيا وأستاذا للاهوت، قد زار روما عام 1510 فهاله ما شهده فيها من الفساد ومن تكالب رجال الدين على الدنيا! إلا أن هجوم لوثر على الفاتيكان ما كان ليضرم هذه الثورة التاريخية الكبرى لولا أن اختراع المطبعة، في ألمانيا، قد يسّر له الوصول إلى الجمهور الواسع بفضل سهولة طباعة نسخ كثيرة، وبخسة الثمن، من بياناته ومنشوراته. كما أنه كان من الفطنة بحيث قرر نشر كتاباته بلغة العامة، أي بالألمانية، قطعا بذلك مع قرون طويلة من الكتابة باللاتينية التي كانت هي لغة الكتاب المقدس ولغة النخبة من أهل الدين والعلم والأدب. وقد كان هو المبادر إلى ترجمة الكتاب المقدس إلى الألمانية وجعله في متناول عموم المؤمنين، ثم كرّت السبحة فصار الكتاب المقدس يطبع ويقرأ بمختلف لغات الخطاب اليومي في بقية البلدان الأوروبية. وبهذا يسّرت الثورة التكنولوجية (اختراع الطباعة) نجاح الثورة الايديولوجية (الإصلاح الديني).
أقام لوثر مذهبه المنافس للمذهب الكاثوليكي على مبدأين اثنين: أولا، «النص وحده»، أي أن أساس الحقيقة المسيحية لا يكمن في تراث اللاهوت المتوارث عبر القرون بل في نص الكتاب المقدس. ثانيا، «الإيمان وحده»، أي أن الخلاص (النجاة) إنما هو نعمة يمنّ بها الله على بعض من المؤمنين، فلا يمكن أن تستحق بالجهد البشري، أي بفعل الخير وعمل الصالحات. أما أهم نتيجة عملية أسفر عنها هذا المذهب فهو إلغاء الوساطة الكنسية بين الله وبين المؤمن. ولهذا كان من التهم التي رمي بها لوثر آنذاك أنه «محمّدي»! وأساس التهمة واضح: ذلك أن دين الإسلام قائم على فورية العلاقة بين العبد وربه ومباشرتها، وعلى عمومية القراءة القرآنية المتاحة لكل مؤمن (بل لكل قارىء)، مع ما يعنيه ذلك من نفي الوساطات البشرية ونفي أي زعم فردي أو مؤسسي بشأن غفران الخطايا أو الإنباء بالمصائر.
ورغم أن الخلاف بشأن تقييم حركة لوثر مستمر بين المؤرخين، فإن الاتفاق منعقد على أنها قد حققت إنجازات شملت: أولا، انتصار الثورة الطباعية وارتقاء اللغات المحلية، بفضل ترجمة الكتاب المقدس، إلى مصاف اللغات الوطنية. ثانيا، انتشار التعليم (ببطء ولكن باطراد). ثالثا، إعادة النظر في سبل تنظيم العمل الأهلي والنشاط الخيري (بعد قرون من الاحتكار الكنسي). رابعا، شرعنة الحرية الدينية، ثم انتشارها منذ بدايات القرن الثامن عشر. خامسا، بروز الفرد المستقل المعتمد على ذاته فهما وعملا، والتحول من العائلة الممتدة إلى الأسرة الصغيرة.
فما هي الدلالة التي يمكن أن تستفاد إسلاميا من حركة لوثر؟ إن ما هو باق اليوم من حركة لوثر ليس القول بالإيمان وحده، بل القول بالنص وحده. وهذا مبدأ إسلامي بامتياز، لا بمعنى انعدام الوساطة بين الله وعبده فحسب (ولو أن هذا من الأهمية بمكان)، وإنما بمعنى أن النص مورد مفتوح على الفهم التاريخي المتجدد، أي المتحرر من قراءات الأوّلين لأنها قراءات حددتها شروط عصرها. ثم أليس في انتفاء البغضاء بين البروتستانت والكاثوليك اليوم
عبرة لعموم المسلمين الذين لا يزال كثير منهم ينتمي للطوائف والمذاهب قبل (وفوق) الانتماء للدين؟

إقرأ المزيد في القدس العربي

اضف رد