الرئيسية / home slide / يوم قال محمد علي شمس الدين لـ”النهار”: أنا ابن المناحات العاشورائية ونرجسيّ مئة في المئة

يوم قال محمد علي شمس الدين لـ”النهار”: أنا ابن المناحات العاشورائية ونرجسيّ مئة في المئة

11-09-2022 | 10:27 المصدر: “النهار”

الشاعر الراحل محمد علي شمس الدين.

بعد رحيله المُحزن صباح اليوم، تستعيد “النهار” حواراً يعود إلى العام 2019 أجرته الزميلة فاطمة عبدالله مع الشاعر اللبنانيّ المتنوّر #محمد علي شمس الدين، غاص في السيرة والرحلة الشعرية والأدبيّة، بعنوان “محمد علي شمس الدين لـ”النهار”: أنا ابن المناحات العاشورائية ونرجسيّ مئة في المئة“.

في الآتي، نصّ الحوار:

وُلد في بيت ياحون، القرية الجنوبية العالية المفتوحة للشمس والغبار والرياح. “أنا ابن المطر والتراب، السير الذي لا ينتهي على القدمين”، يقول الشاعر محمد علي شمس الدين. كان اللقاء في شارع الحمراء، حيث الزحمة والذاكرة والناس والحيرة. “أهلاً وسهلاً”، فأسئلة في القصيدة وتشرُّب البيئة ومرايا الذات. يُخبرنا أنّه أيضاً ابن الصوت والرؤية، فجدّه الشيخ الحنون كان يرتّل الأشعار ويقرأ مجالس العزاء الكربلائية بصوت شجيّ فيُبكيه، وهو ابن الرؤية لشغف تأمُّل مظاهر الوجود، وحركة الغيوم على الأفق، إلى دوران الفصول وتوغّل المياه في التراب والريح في الشجر. في الآتي نصّ الحوار مع ابن هذه العناصر.

– أنتَ جنوبيّ مقيم في بيروت. متخصّص في التاريخ وغائص في الأدب الإسلامي، وملمّ بالحقوق والمحاماة. وكنتَ تعمل في الضمان الاجتماعي. هذا الخليط، كلّه، وغيره، يكوّن شخصيتك، يُضاف إليه إلمامك بالشعر الفرنسي والثقافة الفرنسية.

كلّ المعرفة بالنسبة إليّ هي من أجل كلمتين في الشعر. هي أساس تكوين شخصيّتي، من المعرفة الحقوقية، ثم الدكتوراه في التاريخ، فالإلمام بالأدبين الفرنسي والعربي. هذه الثقافة لا بدّ منها لأكتب كلمة أو قصيدة…

– لكنك خصوصاً كربلائيّ عاشورائيّ عامليّ حسينيّ حتى العظم. كيف يمكنك أن تكون حديثاً ودينياً، لا في الحياة، بل في الأدب، في الشعر خصوصاً؟

المأساة هي في تركيبي النفسي، وهذه ورثتها ثم عايشتها. أنا ابن المناحات العاشورائية في الجنوب اللبناني، لكن كلّ أحزان العالم أحزاني. مَن لا يألم لا يعيش، ونبض الألم في الشعر هو نبض جوهريّ. كنتُ آخذ على سعيد عقل أنّه يقول “أنا لا أألم”. على كلّ حال، لدى المسيحية أيضاً آلام، ولكلّ الشعوب مخزون من الألم. لكن أن تولد في بيت شيعي، ستتفتّح عيناك على مجالس عزاء، وتتشبّع روحك بهذه الأبيات: “بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا، وخلّفوا في سويداء القلب نيراناً، نذر عليّ إن عادوا وإن رجعوا، لأزرعنّ طريق الطفّ ريحاناً”. سألتُ نفسي مَن هم هؤلاء الذين كانوا ثم بانوا. إلى أن كبرت المعرفة وأصبح الوعي بهذه المأساة جزءاً من حوافز شعريّتي.

– ماذا عن جوانبك النقدية الاستفهامية حيال هذه الأدبيات الحسينية؟

شعري شعر أسئلة. ولي قصائد في كلّ التراث الديني والمعرفي. أنا شاعر أقنعة. لديّ قناع يوحنّا المعمدان وقناع مريم وقناع زينب، ومنيرفا، “قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا”. وجبران أيضاً…

– وأنتَ شاعرٌ تأخذ كثيراً من المعين الصوفيّ الفارسي، ولكَ تجارب مضيئة في هذا الباب…

في الأساس، كتبتُ قصائد عرفانية منذ “أناديكَ يا ملكي يا حبيبي”، و”ذكر ما حصل للنبي حين أحبّ”، ثم “يوميات الصمت”. وبعدما دُعيت دعوة رسمية عبر وزارة الثقافة الإيرانية إلى طهران، احتككتُ بعالم حافظ الشيرازي، شاعر مقدّس في تلك الديار، يغنّي الحبّ والخمرة. انعقاد الحبّ على الخمرة الصوفية شكّل كيمياء أثّرت بي. قرأته ثم نسيته، لكنّه انبثق في نفسي ذات ليلة من ليالي الألم، فكتبتُ ديواني “شيرازيات”، وهو قرين غزل حافظ الشيرازي.

– أنت شاعر وفي الآن عينه شاعر منبر. كيف توفّق بين العملية الشعرية الداخلية وبين المنبريّة؟ أين تجد نفسكَ مضطراً لأن تلعن هذا “الزواج”؟ هل يمكنني أن أسمّيه قهرياً؟ لا بدّ أنّكَ وجدتَ نفسكَ مدعواً في لحظةٍ ما إلى التجريب الشعري خارج التفعيلة…

مَن يقرأ دواويني يجد أنّني سيّد التجريب، والمنبر هو منصّة لتمثيل الشعر وإنشاده ورقصه. أما داخل شعري فأنا شاعر تأمّلي. شاعر وجد ووجود. والخطابية هي للآخرين.

– شعر التفعيلة والموسيقى الخارجية، أي الشعر المرتبط إيقاعه الكثيف بالأذن، هل أشعركَ يوماً بأنّه يصل إلى طريق مسدود، وبأنّ البحث عن الشعر خارج موسيقى الأذن وإيقاعات السماع ضرورة مطلقة لإنقاذ العملية الشعرية؟ ما رأيكَ بقراءة الشعر بالعين، وليس بالصوت؟

الشعر هو ابن الروح وكلّ الحواس. ليس ثمة تفعيلة أو لا تفعيلة. هناك شعر أو لا شعر. المسألة أصبحت قديمة جداً ولا مجال للكلام فيها. حتى السؤال لا يجوز. الشعر إيقاع والإيقاع ليس موسيقى الخارج، بل موسيقى الداخل، وهو شبيه بأن تصغي إلى البحر من خلال المحارة، كما قال أوكتافيو باث. ومع أنّ الإيقاع يقاس في الموسيقى بالنقرات، إلا أنّه شيء داخلي ميتافيزيقي. شعري ابن الميتافيزيق.

– لفتني أن “ويكيبيديا” وصّفت مهنتك بـ”الشاعر”. هل تعتقد أنّ الشعر مهنة، كمهنتك موظفاً في الضمان الاجتماعي، مثلاً؟ أي مهنة هي مهنة الشاعر؟

ليس ثمة من مهنة اسمها مهنة الشاعر إلا عند شعراء البلاط في التاريخ، واليوم في انكلترا عند شعراء الملكة. هذه مهنة بائدة. لكن هذا يختلف عن أنّ في الشعر جزءاً من الصنعة، أي من المعرفة الحرفية أو تقنيات الكتابة. وهذه ضرورية لكلّ شاعر على رغم أنّ الأساس هو البديهة. أي ما يشبه الجينات الشعرية.

– تكتب الشعر منذ بداية السبعينات. مضى عليك نحو خمسين عاماً في هذه الصناعة المضنية. هل تعتقد أنّ موهبة الشاعر تنضب في لحظةٍ ما، عندما تحلّ مكانها موهبة التصنيع الشعري؟ هل أنتَ من أنصار أن يسكت الشاعر في لحظةٍ ما من لحظات الكتابة المديدة والمتواصلة، أي أن يتوقّف عن الكتابة؟ متى يجب أن يفعل ذلك؟ هل أقضّكَ هذا الإحساس؟ هل يقضّك الآن؟

الشاعر يتوقّف عن الكتابة حين يشعر، وهو الأدرى بذاته، أنّ الشعر لا يلبّيه. أما الشعر فحالة مستمرة حتى الموت. بالنسبة إليّ، أي قصيدة أكتبها الآن، تُشعرني بأنني أكتب القصيدة الأولى. هناك الكثير من الشعراء المعروفين أستطيع أن أرمي نصف إنتاجهم ولا يصيبني ندم، باعتبار أنّهم أخذوا يستعيدون ذواتهم أو يكرّرون المُكرر مما قالوا. حين لا يجد الشاعر جديداً يقوله، يكتفي بالصمت. الصمت معبّر أيضاً.

– أصدرتَ الأعمال الكاملة. ثم أصدرت بعدها أشعاراً أخرى، ماذا بعد؟

القصيدة. القصيدة. أريد القصيدة. أصدرتُ في مطلع السنة ديوان “كرسي على الزبد”، قبله “نازلون على الريح” وقد كتب عنه أنسي الحاج كتابة رائعة. والآن ثمة بعض القصائد في ذاتي تعذّبني، وأنتظر لحظة السعد لأكتبها.

– أخبرني عن لحظة الشعر…

هي لحظة مباركة، لا أعرف وقتاً لنزولها ولا وقتاً لانتهائها. كلّ لحظة قابلة لأن تكون لحظة الكتابة. سواء في اليقظة أو في النوم.

– سؤال فج، وقح، لكنه دقيق وصحيح: شعرك ينضح بالنرجسية الفاقعة. لا بدّ أنّك تعشق مراياك…

نعم. أنا كشاعر أعتقد أنني في ذروة من ذرى الشعر التي أعرفها ويعرفها الآخرون. النرجسية ذات معنيين: نرجسية ميثولوجية تعود إلى الأسطورة المعروفة لنرسيس الذي عشق ذاته في المرآة ومات في هذا العشق. رمى بنفسه في ماء نرجسه، وقد أسس عليه فرويد معنى النرجسية وهو معنى مرضي. أريد إضافة معنى جديد: نرجسيتي أنتروبولوجية. أنا شاعر أقنعة، مَن يقرأني يعرفني، أخذت قناع المسيح وقناع محمد وآسيا ومنيرفا والحلاج وجبران والمتنبّي وفان غوغ وسلفادور دالي. مئات الأقنعة. حين أكتب قصيدة قناع، هناك إثنان: الأنا والآخر الذي ألبس قناعه. القناع إما يتغلّب على أناي، فلا لزوم لأن أستعين بهؤلاء، أو أن أتغلّب في هذا الصراع الخفي على الأقنعة، فتظهر نرجسيتي وأناي في النصّ، هكذا أنا نرجسيّ مئة في المئة.

كلمة لوزارة الثقافة…

أسألها أن تعتني حقاً بالثقافة، فتنشئ لنا متحفاً وطنياً وبيتاً للشعر، وأن تهتم بالمكتبة الوطنية والترجمات وتمارس العمل الثقافي ممارسة عالية. ينبغي على وزير الثقافة أن يكون ذا مرتبة فكرية عالية. هذا ليس منصباً إدارياً. وزارة الثقافة أهم منصب في الدولة. 

Twitter: @abdallah_fatima