يوم غرقت سيادة لبنان مع السفينة الإسرائيلية


حسين عبدالحسين
16 يوليه، 2019
الحرّة
https://www.alhurra.com


في التاريخ أحداث تبدو صغيرة أحيانا، ولكنها تشكل منعطفات تاريخية أساسية. في العام 1969، حاولت حكومة لبنان فرض سيادتها على المليشيات الفلسطينية في لبنان للتوصل لتسوية معها برعاية الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. سافر الوفد اللبناني إلى القاهرة، وتأخر رئيس فتح الفلسطينية ياسر عرفات، ولم يحضر إلا بعدما أسقط الفلسطينيون مقاتلة هوكر هنتر عسكرية لبنانية، فبدا واضحا أن الجيش اللبناني غير قادر على الانتصار على عرفات أو فرض الإرادة اللبنانية عليه، فكانت “اتفاقية القاهرة” بين الطرفين.

والاتفاقية المذكورة فصلت بين دولة وحكومة لبنان، من ناحية، ودولة عرفات وميليشياته، من ناحية ثانية، فلم تحمّل إسرائيل بعد ذلك بيروت مسؤولية الهجمات الفلسطينية عبر الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل راح الإسرائيليون يضربون معاقل الفلسطينيين، ويتفادون الالتحام مع دولة لبنان أو جيشه.إيران وحلفاؤها في لبنان لا يستسيغون استقلال القطاع المصرفي اللبناني

أخبرني يوما عميد في الجيش اللبناني من مشايخ آل دحداح، وهي عائلة مسيحية مارونية لبنانية عريقة، أنه كان آمرا لمنطقة الجنوب، وأنه كان يعاني من لا انضباطية أحد ضباطه، وكان اسم الضابط ميشال عون، رئيس لبنان اليوم. في أحد الأيام، صدرت أوامر سياسية إلى الدحداح بالرد على هجوم إسرائيلي على مواقع فلسطينية داخل لبنان. “رفعت استنفار قطعاتي إلى الحد الأقصى، واستهدفنا مواقع إسرائيلية بشكل مباشر”، قال الدحداح، وكان يوم يحدثني لواء متقاعدا. “بعد دقائق، أغارت إسرائيل على كل بطاريات مدافعنا، ودمرتها بالكامل”.

كيف يمكن لأي جيش أو ميليشيا عسكرية لبنانية منافسة إسرائيل بدون غطاء جوي ضد التحكم الإسرائيلي الكامل بالسماء؟ من يعرف تاريخ الحروب العربية ـ الإسرائيلية، يعلم أن عبور مصر خط بارليف الإسرائيلي المحصن في قناة السويس، في العام 1973، كان سببه المظلة الجوية التي أمنتها منظومة سام السوفياتية للدفاع الجوي. ثم أصر الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد على نظيره المصري أنور السادات أن تتقدم القوات المصرية أكثر لرفع الضغط عن جبهة الجولان السورية، فأمر السادات قواته ـ على عكس نصيحة ضباطه ـ بالهجوم خارج مظلة سام، فاستعاد الإسرائيليون تفوقهم والأراضي التي خسروها، بل قضوا على الدفاعات المصرية بالكامل، وصارت القاهرة مفتوحة أمام الدبابات الإسرائيلية بقيادة الضابط، رئيس الحكومة فيما بعد، أرييل شارون، فرضخ السادات، وطلب هدنة، وفهم استحالة تفوق العرب على إسرائيل بلا تفوق جوي، وهذا مستحيل طالما أن أميركا هي أقوى قوة جوية في العالم.

لم تقرأ الميليشيات اللبنانية الموالية لإيران التاريخ. ربما هي قرأت تاريخ هزيمة الإمام الحسين في كربلاء في القرن الميلادي السابع، ولكنها لم تقرأ التاريخ العسكري للحروب العربية ـ الإسرائيلية. هكذا، أكمل “حزب الله” اللبناني حرب الميليشيات ضد إسرائيل من حيث توقف عرفات، على إثر حرب 1982.

وفي العام 1996، وبجهود رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري، عاد “اتفاق القاهرة” إلى الحياة، هذه المرة تحت اسم “اتفاق نيسان”، وهو كان يقضي بتحييد دولة لبنان وجيشه عن مواجهات “حزب الله” مع إسرائيل، وهو تدبير بقي قائما حتى صيف العام 2006.

في حرب 2006، التي تصادف ذكراها الثالثة عشرة هذا الشهر، تفادت إسرائيل الالتحام مع الجيش اللبناني أو ضرب دولة لبنان أو مؤسساتها، إلى أن أغرق حزب الله السفينة الإسرائيلية الحربية ساعر. يومذاك، عرفت إسرائيل أن “حزب الله” حصل على إحداثيات موقع السفينة من رادارات الجيش اللبناني البحرية، فدمرت إسرائيل كل هذه الرادارات. يومذاك أيضا، اعتبرت إسرائيل أن الفارق بين دولة لبنان ودولة “حزب الله” انتهى، وأن إسرائيل ستدمر لبنان، “شعبا وجيشا ومقاومة”، في أي حرب مقبلة. لهذا السبب، ولفداحة أي حرب ممكنة، تجمدت جبهة لبنان إسرائيل، وراحت إسرائيل تبحث عمّن يمكنه ضبط لبنان، فعاد الرئيس السوري بشار الأسد إلى الحياة وخرج من عزلته الدولية. لكن الأسد انهار في حربه على شعبه، فصار لبنان في عهدة إيران، وصار جنوب سوريا ساحة مفتوحة لحرب قائمة بين إسرائيل وإيران.

بإغراقه السفينة الحربية الإسرائيلية ساعر، أغرق “حزب الله” سيادة لبنان، وأعلنه محافظة إيرانية، وربط مصيره بمصير إيران، فراحت أميركا تفرض عقوباتها على الاثنين سوية. وحده قطاع المصارف في لبنان يسعى للنجاة من الغرق والحفاظ على ارتباطه بالشبكة المالية الدولية، التي تديرها الولايات المتحدة، مع ما يعني ذلك من نأي القطاع اللبناني المصرفي بنفسه عن إيران و”حزب الله”، وعن نشاطاتهما المالية.لا يبدو أن لبنان سيخرج من حرب لا ناقة له فيها ولا جمل

لكن إيران وحلفاءها في لبنان لا يستسيغون استقلال القطاع المصرفي اللبناني، فراحت الدعاية الإيرانية تحرض ضد هذا القطاع، وتتهمه بالعمالة، فإيران تتصور أنه يمكنها مواجهة “الاستكبار” الأميركي والعقوبات بإقامة منظومة اقتصادية إقليمية، أو ما تسميه “اقتصاد المقاومة”، وتعتقد أنها بمساعدة الصين وروسيا، وبعض أوروبا، تستطيع التفلت من القوة الأميركية. لكن حتى الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بالكاد يمكنها حماية نقدها الوطني بدون الحظر الذي تفرضه على خروج النقد الأجنبي من الصين. أما روسيا، فنقدها، كما إيران، يفقد قيمته، وإذا ما انخرطت مصارف لبنان في “اقتصاد المقاومة”، فالغالب أن الليرة اللبنانية ستعاني، وهي أصلا بدأت تهتز في السوق السوداء.

لا سيادة في لبنان، ولا حتى “اتفاقية قاهرة أو نيسان” لتحييد دولة لبنان ومصارفه عن حروب العالم، طالما أن سيادة لبنان ليست حصرية لشعبه، على عادة الدول، بل يشاركه فيها الجيش و”المقاومة”، وهو ما أدى إلى غرق السيادة اللبنانية مع ساعر، التي سحبها الإسرائيليون إلى مرفأ حيفا، لتخرج من الحرب. أما لبنان، فلا يبدو أنه سيخرج من حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*