الرئيسية / home slide / “يوم الشمس” لهالة كوثراني: الرواية تمثّل راويتها

“يوم الشمس” لهالة كوثراني: الرواية تمثّل راويتها

19-08-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

“يوم الشمس”.

د. قصي الحسين*

من الصعب أن تقرأ كتابا يمثل راويته بنسبة كبيرة، يشمل نسبة كبيرة من الأحداث، من المواقف، من الأيام، من السنوات، من المعارك، من المشاهد، من هذه اللوحات المشهدية، التي تخرج من الذاكرة، ومن عيان المعاينة والمعاناة، التي خوضت فيها الكاتبة والإعلامية هالة كوثراني في روايتها “#يوم الشمس” الصادرة لدى “هاشيت/ أنطوان”. مراحل من حياة البطلة التي شهدتها وشهدت عليها في مختلف وسائل الإعلام، وكذلك في تضاعيف الحياة اليومية المرة، التي كانت تقطعها، منذ ثمانينات القرن الماضي، حتى الربع الأول من القرن الحالي.
– “ما الذي تغير الآن؟ ما الذي تريده مني، ولماذا الآن؟
– أن تسامحيني، أنا لم آخذ أمك منك” (ص21).

تروي الراوية أوجاعها في جميع المواضيع الرئيسية التي تناولتها الكاتبة في كتابها، من بيروت إلى سائر القرى اللبنانية، ومن لبنان إلى دول العالم أجمع، إلى حروب الشوارع، وإلى حرية التعبير، واختيار الموقف، والطبيعة والمناخ والأمراض والإقتصاد. كأن الكتاب سيرة تستقيها الراوية من مصادرها، من الينابيع. ولا تنسى أن تقدم لوحات مرسومة، تدخل من خلالها في حوارات مباشرة مع الأم والأب والعمة والصديقات والزميلات: “كان بوسعها أن تخطفني من البيت البيروتي العريق. لكنها مالت إلى الإختيارات الأخرى. ولم أكن في صدارة أولوياتها. هل هذه هي الحرية التي حلمت بها؟ أن تستسلم لقوة العائلة وتخاف منها فتتركني؟ ألا أستحق التضحية؟ هل كنت سأترك ابنة أنجبتها؟” (ص33).

اكتشاف هالة كوثراني للورق، في عز الأزمات المانعة لها، كان بمعادلة اكتشاف الإنسان الأول للنار. ولذا راحت راويتها ت#كتب سنوات العمر تماما كما تجري لها سنة وراء سنة وربيعا وراء ربيع: “هذا الصباح يغمرني فرح نادر. أركض إلى اللوحة لأتأكد من أنها لا تزال حيث تركتها. هذا الصباح، أكثر من أي وقت آخر، أصدق أنها لوحة أمي التي تتواصل معي من الضفة الأخرى. ها هو توقيعها أسفل الزاوية اليمنى. ألمس الحروف، وأرى أمي فيها. “أخيرا عادت إلي”، أقول لنفسي وأنا أشرب قهوة يوم جديد” (ص 57).

صارت أوراقها اليومية، يومياتها. تعبئ ذاكرتها بها. تملأ عينيها وأذنيها وقلبها، ثم نراها تفرغها على الورق، كما الفلاح العريق في مواسم الربيع والخريف والصيف والشتاء. كما الحانوتي في زواريب الحواري. يشتري ليبيع. وتحفته دفتره الذي يذخر به التفاصيل الحلوة والمرة على حد سواء: “حلمت بأنني في الشقة في الطبقة الأولى، أضع رأسي على صدر مالك النحيل الطويل” (ص79).

في “يوم الشمس”، وعبر فصوله، وصفحاته، تنقلب المعادلة. يتحبر الورق الأبيض بالتمائم. بالشتائم. بالأقوال. بالذكريات. باليوميات الجارية مثل جداول الماء، حتى تصير من المقدسات. بل مرآة للحياة وللمقدسات على حد سواء.

– “أنا نسيت، كيف يمكن أن تذكري هذا الهراء؟ أنا أنسى عن قصد ما لا أريد أن أتذكره” (ص85).

تسرد الراوية طفولتها في البيت وفوق الورق الأبيض، وتحيل المساحات منها إلى مواضع رحبة، إلى مواضيع عذبة، دون إسراف. تصنع التوازن بين ما تبوح به النفس، وما يمطر به الورق، حتى يصير الورق امتدادا ليديها، والقلم حانيا لها بين الأصابع الدامعة والمدماة: “قفزت الذكريات من النوم إلى اليقظة” (ص79).

يشي الكتاب بالعمل الدؤوب على تدوين مجموعة أغراض، قيمة وخفيفة الظل، تبتدئ في حي بيروتي، من شارع الحمرا، ثم تسافر إلى جميع الجهات، تجمع الصور، حتى تتحول الرواية إلى أرشيف، لكثرة ما تحتوي من مقابلات وحوارات وشهادات، ومن توليف النثريات اليومية وكذلك التفاصيل الدقيقة، وتدبيجها بكل رقي ومحبة ولطافة، مهما كانت شديدة الوقع ومرة وقاسية: “شعرت به يقترب مني. لم أتحرك. كنت أحلم بالقبلة الأولى. حلمت بشفتين طريتين تمتصان وحدتي. وقبل أن اغمض عيني، سمعت أبي يصرخ: – يا ابن الكلب، ماذا تفعل هنا؟” (ص 113).

نجد في بطلة الرواية، قدرتها على تجسيد شخصية مستقلة، تنمو على هذا النحو، في جميع الفصول من السنوات التي عاشتها: ربيعا وخريفا وشتاء. تكتشف أن من أحبته، لم يكن إلا سطح العاطفة، مما يعجل بالنهايات المفجعة، ويجعل العلاقات، لا تكاد تبدأ، حتى تأخذ في الإنتهاء: “غادرت المقهى مضطربة. ظننتي نسيت كل ما أريد أن أنساه. وكنت قد نسيت. اكتفيت بما ظننته انعكاسا لسعادة هي رضى زائف عن أيام تمر من دون كوارث ولا نكبات شخصية” (ص174).

نقاط الجذب في الرواية كثيرة ومتعددة، لأن أحداثها المتنوعة والمتشابكة، تصطدم بسقف التوقعات غير المحققة، لتمهد لنقلة محتملة أخرى. إنها مسيرة الراوية التي تسرد مراحل حياتها، من خلال سرد مراحل الأحداث التي مرت بها، وذلك في مجتمع لا تخلو علاقاته من التعقيدات. إذ تبدأ أحداث الرواية بهدوء وتمضي بهدوء، ثم سرعان ما تصل إلى خاتمة مثيرة للشجون:” خلال أعوام الحرب لم نستطع كأطفال أن نلعب في الخارج. كنا نبتكر ألعابا تبقينا داخل الجدران” (ص92).

رواية مثيرة، غير أننا لا نستطيع أن نصف الإثارة فيها، إلا من خلال العقد الدرامية، التي كثيرا ما تتداخل فيها المشاهد والأزمنة. وكثيرا ما تعتمد على “مونولوغات” طويلة، توفر الكثير من المشاهد وقوة المضامين. فالأحداث تمضي هادئة، غير أن تناقض المواقف بين شخصيات الرواية، سرعان ما تجعلها تنفجر ولذلك تمضي الكلمات، كأنها تنوء بما تحمل من معان وظلال فتلتحم المشاهد مع تلك المضامين، خصوصا في المشاهد الداخلية من قاع النفس المعتمة تعكس ما يدور في داخل تلك الشخصيات:” تعود إلي المشاهد والأحداث والتواريخ ملونة طازجة واضحة. كأن عقلي اكتسب قوة جديدة. قدرة خارقة على التذكر. ما الذي يريده الماضي مني؟ أهي روح أمي تبحث عن قاتلها؟” (ص143).

تهتم الرواية من خلال سرديات أشخاصها، بالوقوف على جميع نواحي المجتمع، وكذلك على نمو النزعة النسوية، وإنبعاث القومية والعرقية، ونشأة الحركات الإجتماعية، والتنظيمات الحزبية والثورية والمقاومة الفدائية، دون أن تهمل المقاربات التقليدية في توالي المشاهد والأحداث. ونراها تنخرط في تقديم الدور الديموقراطي الرئيسي، وفي فضح انتهاكات السلطة، وتميل لتوسيع النفاذ إلى المعلومات، بعد الإنصراف إلى جمعها وقتا طويلا، متفهمة الضرورات التي بعثت على النشاط السياسي، في ظروف طارئة وفي أمكنة لم تكن محسوبة على العمل السياسي.

تتسم لغة رواية بالتدفق والإنسيابية، تشبه الماء في قدرته على تحريك الأحداث بقوة، وتتكئ أيضا على قاموس لغوي، تظهر من خلاله الإستعانة بالمحليات، من أجل تأكيد الصدقية.
ما من شك أن الحياة على ألسنة شخوص الرواية عبارة عن كوابيس لا نهاية لها، اللهم ما عدا اللحظات النادرة، حيث نقرأ “سرديات هجاسيّة” جديدة. فالرواية “مهجوسة” بما تقص وتروي، تعيش المخاضات العسيرة يوميا تحت الشمس. فالكتابة في سرد الذات، تحرق الأنفاس حرقا. خصوصا حين تعطيها الراوية كلها، لكي تعطيها الكتابة بعضها. ولا يكون ذلك إلا على حطام من المعاناة التي تنزل على رأسها، توجز كل مصائب الأرض مصحوبة بالنكبات والفواجع والخيبات، فتظهر الحياة كلها كأنها لا تساوي أي شيء.

تختم كوثراني روايتها المبشّرة بيوم الشمس: “علّقتُ لوحتَي أمي، وأعدت ما بقي من أوراق ابي وكتبه إلى رفوف مكتبتي. أقفلت باب بيتي وغادرت إلى المطار. تغيرت الدنيا، ولن أشعر في اليابان بأنني على كوكب آخر. لكنني هناك سأكون بعيدة مني وقريبة منها” (ص236).

*أستاذ في الجامعة اللبنانية