الرئيسية / home slide / يوميات وأثنوغرافيا مجتمع: عارف العارف في إمارة شرق الأردن

يوميات وأثنوغرافيا مجتمع: عارف العارف في إمارة شرق الأردن

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
24042021

مما يُلاحظُ في بدايات القرن العشرين أنّ عدداً من نخب تلك الفترة قد عُرِفوا بكتابة يومياتهم خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، مع تأسيس عدد من الدول مثل سوريا والعراق والأردن، ما أتاح لنا الاقتراب أكثر من الحياة في تلك الدول، خاصة أنّ بعض هذه اليوميات وفّرت لنا تفاصيل اثنوغرافية فريدة، عن رجالات وعادات ذلك الزمن. وأذكر هنا على سبيل المثال مذكرات رستم حيدر، وهي في الأساس يوميات بدأ حيدر بتدوينها في 10 أب/أغسطس 1918، عندما قام وعدد من رفاقه بالهرب من دمشق عبر بساتين جرمانا إلى حوران للالتحاق هناك بقوات الأمير فيصل العربية.
وقد بدا في يومياته الأولى منشغلا بتسجيل تفاصيل الحياة في البلدات، ومضارب العشائر التي نزل فيها، إذ يصف لنا مثلاً طبيعة الأكل الذي تناولوه في منزل سلطان باشا الأطرش عندما وصلوا، والذي تكون من بطيخة صفراء وخيار وبندورة، وكيف يعدُّ الدروز القهوة، كما نراه سعيدا في خيمة أحد شيوخ القبائل، بوجود الصابون لغسل يديه، ويصف لنا هندام المعلم خليل السكاكيني وطريقته في أكل العنب، وربما من الملاحظات الغريبة التي نقف عندها في هذه اليوميات، ما ذكره حيدر عن علاقة المجتمعات بالطعام، إذ يؤكّد أنّ «الأمة التي تتباهى بقلة الأكل ونحافة الأجسام (وهذا ما ينطبق على جسده) ونعومة المعيشة، هي الأمة المحكوم عليها بالموت، أما الأمة التي تأكل كثيرا تشتغل كثيرا والمستقبل لها».
والجديد بالذكر هنا أنّ هذه اليوميات حظيت في السنوات الأخيرة باهتمام لا بأس به من قبل المؤرخين والباحثين، بوصفها وثيقة مهمة لفهم تلك المرحلة الحسّاسة في المنطقة، لكن رغم هذا الاهتمام، يبقى السؤال الملحُّ، لماذا قرر البعض كتابة يومياته في تلك الفترة، وما الذي دفعهم لذلك؟ هل هي محاولة لتوثيق تلك الفترة وتوريثها للأجيال اللاحقة؟ أم جاء هذا الأسلوب جراء التأثر بنمط كتابي ساد أوروبا، وتأثر به هؤلاء، وأنّ بعض النخب لجأت له لتميز نفسها عن الآخرين؟ أم أنّ هذه اليوميات هي امتداد لاقتصاد الكتابة الجديد، الذي تشكّل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في المنطقة. وربما ما تزال هذه الأسئلة غير مطروقة بالشكل الكافي، رغم الاهتمام المتزايد باليوميات، وهذا أمر نلاحظه مثلاً في الكتاب الأخير حول «الحكومة العربية في دمشق» تحرير جمال باروت، الذي انشغل بإعادة النظر في تلك المرحلة ورجالاتها، لكن في المقابل لم نعثر على أي فصل مثلاً يتحدث عن أساليب الكتابة في تلك الفترة، ولماذا اندفع بعض رجالات هذه المرحلة لكتابة يومياتهم.
ما يلفت النظر أيضا، أنّ هذا الأسلوب في التدوين لم يستمر بعد الخمسينيات بالزخم الذي عرفه قبلها، خاصة في فترة الصعود الأيديولوجي في المنطقة، إذ يُلاحظ أنّ الطاغي على هذه الفترة، هو نوع جديد من الكتابة، والمذكرات المشغولة بالتفاصيل السياسية والصراعات العسكرية، وهو ما شمل أيضا باقي الأشكال الأخرى من الكتابات، ففي مقابل اهتمامات السياسي السوري فخري البارودي بتدوين الطعام الدمشقي ووصفاته في الخمسينيات، نلاحظ مثلاً غياب هذا النوع من الرصد الأثنوغرافي على صعيد السياسيين وحتى المثقفين بعد هذه الفترة، لصالح اهتمامات وتفاصيل أيديولوجية، ما أدى أحياناً إلى حدوث انقطاع على مستوى تدوين التحولات اليومية، وولادة أجيال جديدة بلا ذاكرة اجتماعية، وهذا ما نراه بشكل كبير على صعيد سوريا.
وبالعودة لليوميات ودورها أحيانا في تسجيل تفاصيل من الحياة الاجتماعية، نشير هنا إلى يوميات عارف العارف في شرق الأردن (1926/1929) المركز العربي للأبحاث، تحقيق المؤرخين علي محافظة ومهند مبيضين، التي تزامن صدورها مع مئوية المملكة الأردنية الهاشمية. أول ما يلفت النظر في هذه اليوميات، اللغة السهلة التي كُتِبت بها، والتي إن طغت عليها الهموم السياسية، إلا أنّها تقدِّم تفاصيل غنية، وإشكالية في الوقت نفسه، عن طباع مؤسس المملكة الأردنية الفتية (الأمير عبد الله بن الحسين)، كما أنها احتوت على تفاصيل عديدة عن الواقع الاجتماعي في مدينتي عمان ومعان، بالإضافة إلى تدوين ما يتعلق ببعض الحوادث مثل، الزلزال الذي أصاب الأردن في عام 1927.

عارف العارف في قصر رغدان

تبدأ يومياته مع الأردن في 19 أيار/مايو 1926، عندما جرى استدعاؤه إلى مقر الحكومة في القدس، وهناك عرض عليه المستر ملز السكرتير العام لحكومة فلسطين فكرة الذهاب إلى شرق الأردن، لإصلاح جهاز الحكم، وأن يكون سكرتيرا عاما لحكومة الشرق العربي، وبعد تردّد، وافق العارف على الذهاب، وعند وصوله عمان التقى، كما يذكر، في يوم الجمعة 18 حزيران/يونيو من العام نفسه برئيس النظار حسن خالد باشا أبو الهدى في منزله، لتناول طعام العشاء على مائدته. أول ما سيلفت نظر الضيف هو الأطعمة على المائدة، إذ بدت له أنها ذات نكهة ولون تركي، ما عكس خلفية مضيفه الاجتماعية، فالعديد من نخب وقادة هذه الفترة كانوا عثمانيي التنشئة والدراسة والثقافة، وفي حالة الناظر، نرى أيضا أنّ أباه الشيخ أبو الهدى الصيادي كان شيخ الإسلام في زمن السلطان العثماني عبد الحميد، وكان ابنه، كما يذكر، رجلا طيبا، حلو الحديث، باش الوجه، سهل المعشر، خبيرا بآداب المجتمع.
وفي 19 يونيو، زار الأمير عبد الله، فقبّل يده، وبدا له يومها محدثا من الطراز الأول، جميل الطلعة، كريما، تلوح على وجهه أمارات الذكاء والنبل، يكره ابن سعود، حتى خُيِّل لعارف وهو يحدثه عنه «أنّ رجلاً فرنسياً يحدثنا عن عدوه الألماني! ليس هذا فحسب، فقد قال لنا الأمير بصراحة إنّه يفضل أن يرى في مكة، على أن يرى فيها الوهابيين».

الأمير عبد الله بن الحسين برفقة الملك فيصل

أخذ عارف يتعرّف على الأجهزة الإدارية والسياسية في البلاد، وقد بدت له البلاد فقيرة على صعيد البنية التحتية والتعليمية، إذ لم تكن تضم سوى 23 مدرسة ابتدائية، وما كان عدد المعلمين فيها يزيد عن 53 والمعلمات 6، ويتراوح الراتب الشهري للواحد منهم بين أربعة دنانير وعشرة دنانير. كما سجل في هذه اليوميات أنّ خزانة البلاد كانت خاوية والإنكليز، رغم وعودهم لا يدفعون سوى خمسة آلاف جنيه في الشهر، كما ظهر له الجنود البريطانيون في كل مكان، وكان المعتمد البريطاني يدير البلاد كما يشاء في طي الخفاء، أما في الظاهر فكان الحكم للأمير. ومع اشتداد عود معرفته في عمان وما حولها، أخذ العارف يدوِّن تفاصيل خلافاته اليومية مع الإنكليز، بدءاً بقائد الدرك، إلى قضايا تتعلق ببعض التعيينات، وما جرى لاحقاً من أحداث حول المعاهدة البريطانية التي طُرِحت على الأمير، ومما يُلاحظُ في هذه اليوميات أنها وإن بدت تنقل صورة قريبة من المشهد، إلا أنّها عكست أحياناً موقفا ظنيا لدى الرجل، وأيضا موقفا حماسياً مبالغاً فيه حيال ضرورة استقلال القرار العربي، في حين كان الأمير يردد على مسامعه ضرورة الانتظار والحصول على فرص أخرى لتغيير الاتفاقيات مع الإنكليز.

أخذ عارف يتعرّف على الأجهزة الإدارية والسياسية في البلاد، وقد بدت له البلاد فقيرة على صعيد البنية التحتية والتعليمية، إذ لم تكن تضم سوى 23 مدرسة ابتدائية، وما كان عدد المعلمين فيها يزيد عن 53 والمعلمات 6، ويتراوح الراتب الشهري للواحد منهم بين أربعة دنانير وعشرة دنانير.

وربما هنا يمكن أن نسجل ما تنبه له الباحث الفلسطيني محمد بلال شلش، في سياق قراءته وتحقيقه لعدد من اليوميات الفلسطينية، إلى ضرورة التعامل مع محتوى ما هو مذكور في هذه اليوميات ليس بوصفه وثيقة دامغة، بل كمدخل أولي للبحث أكثر في مصادر أخرى وأرشيف مواز لفهم المشهد بشكل أفضل، بدلاً من الاقتصار في حالتنا/ يوميات العارف على النتيجة التي دوّنها في يومياته، من أنّ الأمير عبد الله متواطئ مع السياسات الانتدابية البريطانية، بل يذكر أنّ الأمير كان يشعر بهذا الحرج، وفي أحد الأيام ذكر له بأنه بات كـ»الدابة المعلوفة» 9 تشرين الأول/أكتوبر 1926، كما يؤكّد العارف أنّ انصياع الأخير للإنكليز أدى إلى أن يكون ضعيفا في عيون العامة جراء هذه التبعية، بل وصل الأمر مرة إلى أن يهدّده طباخه (سيدو الكردي) بمقاضاته في المحاكم، إذا لم يرد له المبلغ الذي استدانه منه قبل عدة شهور، في حين تبدو ردود الأمير عبد الله أحياناً أقرب لواقع تلك الفترة، في ظل دولة فتية، وصغيرة، وفقيرة على مستوى المصادر، حتى أنه في إحدى الجلسات قال لعارف «ماذا نعمل يا أخي؟ علينا ألا ننساق وراء عواطفنا، أو نقبل الأمر الواقع، وأن نهتبل الفرص في المستقبل، لنعدّلها بمعاهدة أتم وأصلح/ 1 يونيو 1927)».

بين الأخوين

نحتار أحيانا في يوميات العارف، فهو تارة كاره للأمير «الكسول»، الذي يقضي كما يذكر ساعات طويلة في لعب الشطرنج مع رجاله وعبيده، بينما نراه في يوميات أخرى متحمسا للرجل، ولذكائه، ولكرمه، وأيضا متشوقاً لأي لقاء به، وحساسا إن رآه الأمير بدون أن يقبله على جبينه، وهذا ما يسجله مثلاً في يومياته، إذ يذكر أنّه زار الأمير فاستقبله «على غير عادته بتقبيل جبينه». كما – يأتي على ذكر زيارة الملك فيصل لأخيه في 11 تشرين الأول/أكتوبر 1926، وهنا يسجّل أنّه خلال اللقاء مع فيصل، سرح به الخيال إلى الجلسات التي كان يحضرها مع أخيه عبد الله، فقد كان يقتصر على «السحر والسحرة، وعن الخرافات، والرجم بالغيب، وعن الشعر الجعدي في قمة الرأس وعلاقته بالزواج»، بينما بدا له فيصل حاكما بحق، وملكا عربيا يتأجج غيرة على قومه وبلاده، وهنا أيضاً قد نتساءل، هل كانت هذه الصورة تعكس فعلاً طبيعة الشخصيتين؟ وربما هناك صورة شبيهة رسمها لورنس العرب عن الأخوين، ففيصل بالنسبة للورنس كان يشبه الملوك البريطانيين، بينما بدا له الأخ الصغير، متهوراً ومسرفاً. مع أنّ الصورة ربما لم تكن كذلك، فالرجل كما وصفه الكثيرون ومنهم عارف، كان كريماً، ولذلك ارتبط وصفه بالَإسراف، كما عُرِف بحنكته السياسية، ولعل هذا الانتصار لصورة فيصل والقريب أيضا من البريطانيين، قد لا يرسم الصورة الدقيقة بالضرورة، بقدر ما يعبّر عن استياء وخلاف بين الرجلين حول إدارة بعض الملفات، ولذلك نراه يلجأ إلى تحسين صورة فيصل مقابل التقليل من شأن أخيه.

مدينة معان في اليوميات

وكما ذكرنا، تمتاز يوميات تلك الفترة بجوانبها الأثنوغرافية، ورسمها صوراً عن تلك الفترة، وكمثال على ذلك، ما نجده في يوم 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1926، عندما زار العارف معان بقصد تفتيش الدوائر والأعمال الحكومية فيها، فوجدها أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة، فهي «تبعد عن عمان زهاء مئتين وثلاثين كيلومترا، ويربطها بالعاصمة خط حديدي ضيق». ولا يكتفي بذلك، بل نراه يؤكد أنها «مدينة حقيرة، ذات أزقة ضيقة ومنازل طينية ليس لها نوافذ، وإن كانت محاطة بأسوار طينية القصد منها صد شر الغزاة من البدو. إنها قسمان/معان الشامية، ومعان الحجازية. ومعان الشامية أفضل من الحجازية وأجمل، فيها بعض البيوت الحجرية بُنِيت على الطراز الحديث»، كما يأتي أيضاً على تدوين زلزال 11 تموز/يوليو 1927 الذي عرفته البلاد، ودام كما يذكر زهاء ثلاثين ثانية، ما أدى لدمار المنازل و»في أربد والكرك ومأدبا كان عظيما، فقد قتل زهاء أربعين شخصا من سكان الصلت».
فن اليوميات:
يلاحظ في يوميات العارف، انقطاعها أحياناً لمدة شهر وأكثر، قبل أن يعود لإكمال التدوين، ولا نعرف هل هذا الانقطاع بسبب الانشغالات، أم لأنه لم يجد فيها ما هو مفيد ويستحق التسجيل، وإن بدا لنا أنّ الفرضية الأخيرة غير كافية، فهو يكتب مثلاً في يوم 13 آذار/مارس 1927 أنّه «ليس ثمة ما يستحق التدوين في مذكراتي هذا اليوم». واللافت أيضا هو تغير أسلوبه أحياناً، ففي السنة الأخيرة 1928، يبدأ كالتالي»اليوم أول السنة الميلادية الجديدة 1928، ولا أشعر بأي ألم في أي عضو من أعضاء بدني. وكذلك قل عن امرأتي ورفيقة حياتي أم سفيان، وعن بنتي لميس وهي البنت الوحيدة التي بقيت لي بعد موت أولادي الثلاثة الآخرين. موقفي المالي لا بأس به، لست مدينا لأي أحد بفلس واحد، وأعيش عيشة راضية يكفيها الراتب الذي أتقاضاه، وأما موقفي من حيث العمل الذي أقوم به، فدعني أعترف بأنه لا يرضيني».
تكشف هذه اليومية عن نقطتين مهتمين: الأولى أنّ العارف، ورغم عمله في الحكومةِ بمنصب سكرتير، الا أن وضعه المعيشي بدا عادياً آنذاك، والثانية والأهم هو وعيه بالزمن، ولذلك نراه يصرّ في بداية العام على تسجيل تفاصيل حياته، وعلى القيام بتسجيل جرد عام لوضعه الاقتصادي وأحوال عائلته وعمله أيضا. فلا تغدو اليوميات هنا مجرد تفاصيل وتدوين للأحداث، بل هي أيضا مكان يدوّن فيه هذا الوعي بالزمن وبتقلبات الأحوال، ولذلك نرى عارف وغيره من رواد تلك الفترة يعكفون على تدوين يومياتهم، ليوفروا لنا مدخلاً مهما لفهم ذاك الزمن وما عرفه من تحولات وتغيرات اجتماعية، وكل ذلك من خلال تفاصيل حياتهم وحياة أبنائهم وعائلاتهم أحياناً (وفاة ثلاثة أولاد بسبب الأوضاع الصحية في فلسطين والأردن)، وهذا ما يجعل من اليوميات أدبا يحمل رائحة الزمن وتقلباته وصوره، وليس مجرد نقل للأحداث ودهاليز أهل السياسة والحكم.

كاتب سوري