الرئيسية / مقالات / يوسف الحويك: ذكرياتي مع جبران

يوسف الحويك: ذكرياتي مع جبران

 نجم الدراجي 
https://www.alquds.co.uk/
04052020

حصل اللقاء في المدينة الفاتنة.. الأول قال بالصدفة، والآخر اعتقد بتدابير الآلهة..
قُدِّر للحي اللاتيني في باريس ملتقى رواد وعشاق الفنون والآداب، استضافة لحظات ثمينة ليوسف الحويك، ومحطة ملتفعة بالضباب في حياة جبران خليل جبران «لم يتسنى لغير الحويك استكشاف أسرارها وتحسس خلجاتها» حسب تعبير الأستاذة الأديبة والشاعرة اللبنانية أدفيك جريديني شيبوب محررة كتاب «يوسف الحويك – ذكرياتي مع جبران» – باريس 1909- 1910.
القلب الرحب ليوسف الحويك تدفق بالشدو نحو أدفيك جريديني لتدون ذكريات ثمينة ونادرة، فيها جمالية حوارات فكرية حرة، وإلقاء الضوء على تصرفات شابين في ربيع عمريهما، بالإضافة لمهارة الكاتبة في ضبط إيقاعات تسلسل الأحداث، وتحديد الأماكن، ورسم سيناريوهات لشخوص سجلت حضوراً في الحياة اليومية لجبران والحويك في تلك السنتين، ومتابعة الأعمال الإبداعية لمعاهد الفن، واللغة الشعرية المعبرة.
ويعتبر هذا الكتاب وثيقة أدبية نادرة، ويعود السبب في ذلك لأدفيك التي نجحت في نبش ذكريات رائد فن النحت في لبنان يوسف الحويك:
«أغمض عيني الآن وما أسرع ما تتمثل صورة جبران في خاطري: بابتسامته الحنونة ورنة صوته الدافئ وحركة يده المعبرة، وأصابعه
المتسائلة أبداً. وكأنني وإياه سائران في طريقنا إلى حديقة اللكسمبورغ.. نعرج إلى الشمال ونجلس على السطح المشرف على القصر، وعلى قسم من الحديقة، كأنني الآن أسمع صدى جبران في أذني».


تبدأ أدفيك جريديني في رسم صورة وصفية لشابين في مقتبل العمر: «جبران الحالم العينين، نحيف البنية المتبرم بظروف عيشه القاسية، تتنازعه عوامل القلق، وتضج في رأسه واحات بكر من الاكتشافات الفكرية، والمشاعر الرهيفة.. ويوسف المستقيم الجسم المشرق العافية يحب المرح البريء وعشرة الناس، يتناول الحياة من دوربها السهلة، سخي الكف ليس للمال عنده قيمة.. والصديقان على تفاوت طبعيهما متفقان على الأناقة وكبر النفس».
في مطعم صغير في حديقة اللكسمبورغ، تعارفا إلى صاحبة الوجه المشرق ذات العينين العسليتين والشعر المائل للشقرة.. الآنسة أولغا من سيبريا ـ تومسك تدرس الآداب الفرنسية والموسيقى، وقد وصفت تعارفها بالحويك.. حقيقة أشبه بالحلم. الفتاة السمراء سوسان، وأختها الصغرى المائلة للشقرة ليّا يهوديتان من رومانيا، ونسيبهما الوسيم كالمي صاحب المكتبة الفنية التي تم التعارف فيها.. المكتبة تتوسط معاهد الفن، وتضم كتبا ومجلات ولوحات الرسم. حفل مقهى (لو دوم) بيوسف وجبران وسوسان وليّا وكذلك الدكتور كسپار وهو شاب بلجيكي مهتم بالنظريات العلمية، وصديقته الآنسة مارتين، ومونكدا صاحب أطول لحية شاهدها الحويك في حياته، وهو من أصل إيطالي إسباني، ويحمل ثقافة سياسية واسعة.
مقهى (لو دوم) ملتقى فكري لكل الآراء، وفي هذا المكان ولدت أفكار كبيرة، وبإمكان أي شخص التعبير عما يعتقد به بحرية مطلقة، وفي لحظات الحرية كان جبران يتأمل مستقبل التفكير في الشرق: «إن للكتب تأثيرها في تكييف حياة الشعوب. والأدباء والمفكرون يستحثون الشعب على التفكير. مع فولتير وروسو ابتدأت فرنسا تفكر ـ حتى نابليون لم يتمكن من منعها عن التفكير.. متى يا ترى تحدث الأعجوبة في الشرق؟ متى ومع من يبدأ الشرق بالفكر؟». بعد مرور 110 أعوام على تلك العبارات التي دعا إليها جبران، مازال الشرق يتطلع إلى التجديد، وإلى آراء فكرية حرة ترتقي بالمجتمعات، وللأسف الشديد ما زالت أدران التخلف المتكلسة عالقة في سلوك بعض الكتل البشرية، التي لا تسمح بالتغيير.. ترى كيف ستكون ردة فعل جبران إذا عاد إلى الحياة مرة ثانية، وشاهد أسوار (باستيل) الشرق قائمة؟
لمتحف اللوفر نصيب في تلك الرحلة فكان الصديقان يذهبان كل يوم أحد ويقضيان وقتاً طويلا بين التماثيل واللوحات، ويتأملان ويفكران في أسرار الفنون والحضارات..
كان جبران يمتلك تفكيرا حرا في الفن، وأعلن رأيه بكل جرأه عن عدم تذوقه لفن المعلم (لورنس). وفي معاهد الفنون الحرة التقيا بالمعلم الفنان رودان، والإيطالية كاترينا مديرة معهد (كولاروسّي) سيدة واسعة الاطلاع وتتفرس في عيون الطلاب وتتعرف على ما يجول في خواطرهم، والإيطالية الآنسة روزينه التي لقّبها جبران برفيقة روح بوتشللي «الموديل» التي رسمها جبران نصف عارية، محمولة على أذرع الملائكة، وقد حملت اللوحة اسم (الخريف 1909)، وصديقتها مارغريت الراقصة في (المولان روج) مع الراقصة الأمريكية الشهيرة أزيدوره دنكن، ويذكر الحويك تلك اللحظات «على وقع الموسيقى رقصت روزينا مع مارغريت، وتهادى جسداهما المرمريان كعواميد الأكربول، تارة في ثياب يونانية قديمة، وطورا في ملاءة شفافة غنوج، تضفي على الجمال النابض مسحة مقدسة، كنت وصديقي جبران نستغرق حيالها في تأمل وخشوع».
نبل جبران غمر روزينا حين أهداها سلسلة وأساور فضية، كانت تود أن تقبل يده، ولكن الحويك أشار عليها أن تقبل جبران على خده.. وفعلت، وما كان من جبران إلا ان تخضبت وجنتاه بالدم، بدون أن يجرأ على إعادة القبلة «لقد كان حييّاً يجيد فنون الغزل فقط في الكتابة والكلام» – على حد تعبير الحويك.
العاشر من إبريل/نيسان ذكرى رحيل جبران، ولكن شبحه حائم يطوف في الحي اللاتيني واللوفر والمكتبة ومعاهد الفن، يشاركه يوسف وأولغا وسوسان وليّا وكالمي ورودان وكاترينا وروزينا وسواهم، ومازالت أصداء عبارات جبران تلهو مع الآلهة «هنيئاً لمن يسير على ضفاف نهر السين، متأملا صناديق الكتب العتيقة والرسوم القديمة».

٭ بغداد

اضف رد