الرئيسية / home slide / «يوتوبيا» النهضة العربية؟

«يوتوبيا» النهضة العربية؟

منذ 26 دقيقة

واسيني الأعرج
القدس العربي
13122022

تنتاب «الإنسان العربي» الرغبات والآمال المشروعة في عالم مصلحي شديد القسوة ومتوحش كلما تعلق الأمر بحماية مصالحه على الأمد المتوسط أو البعيد: «لماذا تطورت أوروبا، وآسيا، وحتى إفريقيا في بعض نماذجها، وبقي العرب في حضيض الحضيض، ينزلون في كل لحظة تاريخية يُفترض أن تكون تحولاً من أجل النهوض (الثورات العربية)، نحو قاع القاع، انحدار غير مرتقب، يشبه الهوة السحيقة؟
لنا أن نتأمل ما حدث في أوروبا في مسألة التنوير. لم ينشأ شيء من الفراغ، أو بشكل طارئ أملته الظرفيات الزائلة. فقد خضع كل شيء لصيرورة تاريخية يصنعها البشر، ولكن لها منطقها الداخلي الخاص أيضاً. هذه البداهة كثيراً ما نتجاهلها كلما جاء الحديث عن النموذجية الأوروبية التي حققت تحولاتها وحداثتها، و«لماذا لا تسير التجربة العربية وفقها»، إذ يكفي تقليدها ليستقيم الأمر كلياً؟ ويكفي السير على خطى ما حُقِّق في أوروبا والاستفادة منه، ليستقيم أمر التخطّي باتجاه الأفضل، ونحو عالم ثقافي متنور، وكأن الفكر والتحولات الذهنية العميقة تأتي هكذا وليست ثمرة مخاضات عسرة تخللتها حروب أهلية وانكسار بنيات قديمة أو معطلة للتطور، ونشوء بنيات جديدة لم تغير ملامح الأمكنة والجغرافيات المختلفة، ولكن البشر أيضاً. ننسى، بكل بساطة، أنّ لا شيء خارج السيرورة وفعل التراكم، وأن البنيات الذهنية العربية في كتلتها المسيطرة ما تزال رهينة الخرافة واللاعقل ولا يمكن أن تجد الحداثة الطبيعية مكانها في داخلها إلا بـ «العنف» وفرض النموذج الذي يهدم كل القيم المتوارثة، كيفما كانت، والتي بنيت عبر القرون وفق مرجعيات لم تتم القطيعة الإبستيمولوجية معها في أية لحظة من اللحظات التاريخية. أمر كهذا شديد الصعوبة والخطورة أيضاً، لأن الذاكرة الجمعية التي تحتفظ بمكوناتها داخلها، تخرجها كلما حدثت انفراجات اجتماعية تسمح لها لذلك. لنا في التجارب البشرية التي حوربت في خصوصياتها القومية والدينية وحتى الإثنية، أمثلة حية. نموذج «يوغوسلافية» سابقاً كمثال حي يختزل كل التمزقات العميقة والحاقدة التي بنيت على أفكار الهويات المقموعة التي تحولت في وقت لاحق، على هويات انتقامية، قاتلة. لتتجلى بشكل معلن في شكل حروب أهلية، عرقية، إثنية، لغوية، وتتشظى «المواطنة» بوصفها الحلقة الأضعف إلى آلاف القطع التي تسبح في الفراغ، أو في النموذج الإثني الذي يغدو وهماً حقيقياً أو يوتوبيا لمواجهة ديستوبيا الظلم الذي عاشته على مدار قرون عديدة. في العالم العربي تشكل الحالة الدموية التي خلفتها الانهيارات المتتالية لأنظمة عربية ضعيفة ديمقراطياً وشديدة الشراسة في العنف ضد شعوبها، بل ظلت الحارس المطيع للقوى الغربية (بالمفهوم العام) ذات المصالح التي توفر له من جهتها الاستمرارية والاستدامة، وتمحنه كل تكنولوجيات القمع الحديثة التي تضمن بقاءه، بل وتظلله بالخطابات السهلة التي تمر عبرها كل الإيديولوجيات المدمرة، كـ «محاربة الإرهاب» التي فقدت معناها العميق. كل جهة تستعملها وفق حاجاتها المحلية والعالمية. «الإرهاب» بالنسبة للإتابلشمنت الإسرائيلي هو طمس كل النضال الفلسطيني وتحويله إلى مجرد انتقام وليس تضحية كبيرة من أجل رفع الظلم الممارس عليه من طرف الاحتلال. بالنسبة للأمريكي في مخابره المنتشرة في كل مكان، وسيلته الجبارة لاستغلال الأمم وتفكيكها، ولنا في الحالة العراقية خير نموذج. وفي العالم العربي الضحية الأولى لهذا «الإرهاب الحقيقي» والمدمر لكل سلام أو تنمية، يتلون بتلون المصالح الغربية. لنتأمل اليوم بعين المتبصر: من خلق القاعدة؟ من نماها؟ من جعل منها اليد الضاربة للعربي والمسلم؟ من جعل منها وسيلة إيديولوجية لضرب أي صورة إيجابية للعربي؟ من دربها باسم أوهام دولة إسلامية هي يوتوبيا أكثر منها حقيقة موضوعية؟ من وفر لها الأسلحة الفتاكة من صواريخ استينجر وغيرها؟ خير دليل على أن النماذج المفروضة بقرارات غير مدروسة، فوقية بامتياز، هي قاتلة. فقد عادت هذه الخصوصيات المطموسة إلى الظهور عندما انهارت الأنظمة العربية «الرئاسية»، فحدث التفكك الاجتماعي الخطير والانهيارات الوطنية، وانسحاب فكرة المواطنة إلى الخلف. بل لم تعد تعني أي شيء بظهور القوميات الضيقة. لهذا يجب ألّا نخطئ ونستسهل أموراً معقدة تحتاج إلى قراءة حقيقية وفق التاريخ ومعطيات العصر أيضاً.
إن التنوير الأوروبي لم يأت هكذا كزيت فوق الماء، غير قابل للاختلاط، ولكنه جاء كثمرة لتطور حدث في الواقع الموضوعي. فقد كان نتيجة ومحصلة لتجارب مسبقة. فقد كان مساحة لاختبارات معرفية كثيرة اخترقت أزمنة متتالية، وتجسداً لجهود كبيرة وتضحيات أكبر، من أجل انتصار العقل. فقد كانت فلسفة الأنوار قاعدة حقيقية للتحولات التي حصلت لاحقاً في النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي، عصر الفلاسفة من أمثال سبينوزا، لوك، بايلي، نيوتن، قبل أن يتطور هذا الفكر الحر المتلاحق والمستمر بلا أية قطيعة، في أوروبا كلها، ويجتاحها مستفيدة من منجزه العقلاني بقوة، فتغيرت عقب ذلك النظرة للعالم، ليصبح قرن الأنوار لحظة إنسانية لا يمكن القفز عليها. ولكن في الوقت نفسه، هي ثمرة حية للتجربة الأوروبية. نقلها إلى عالم فكري وحضاري آخر يحتاج بالضرورة إلى اشتغال حقيقي واجتهادات تضمن استمرارها وانسجامها مع النسيج الفكري والثقافي، دون أن يعني ذلك تنازلاً لتسيد «دكتاتورية الجهل» La dictature de l’ignorance (مصطلح استعمل للدلالة على سلطة الجهل، حتى في الدوائر الثقافية والمعرفية) واللاعقل. حركات التجديد الأوروبية بنت مشاريعها على تجاربها الحية وممارساتها الفكرية والثقافية. ولهذا تبقى للأنوار خصوصية أوروبية قبل انتقالها داخل أوروبا كلها وآسيا والعالم. وهي مرتبطة بالضرورة بسياق سياسي وثقافي من تطور الأفكار، وتعمقها تلك الموروثة عن عصر النهضة الذي مهد الأرضية لفكر الأنوار واتساعه وشيوعه. المحصلة هي أنه على الصعيد العلمي والفلسفي، فقد شهدت الأنوار انتصاراً نهائياً للعقل على الإيمان، وانتصار البورجوازية على النبالة والكنيسة. مهما كانت لدينا من ملاحظات على هذا العقل الذي تبنى في كثير من اللحظات التاريخية العنف كبديل لكل إقناع عقلاني، وكان وراء العبوديات المختلفة وسباق التسلح وحربين عالميتين مدمرتين، وإلقاء قنبلتين نوويتين على هيروشما ونكازاكي، وشرّع لقانون الغاب الاستعماري، يظل هو القيمة المتعالية التي لا بديل للبشرية عنها للانتقال نحو التطور ونحو مجتمعات مؤنسنة أكثر، لكن ذلك ما يزال بعيداً؛ إذ يفترض سلفاً القبول بحق الآخر المختلف في التطور والتنور.
سيقول قائل إن التنوير الأوروبي جاء على أنقاض سواد القرون الوسطى، وهي نفسها عصر التنوير العربي. الكلام صحيح إلى حد كبير، لكنه لا يكفي. عصر التنوير العربي تم تدميره أولاً في عصره بمحاربة جميع التنويريين على مختلف الحقب، من طرف الحكام الذين رأوا في التنويريين من ابن رشد إلى ابن خلدون، وابن طفيل، والغزالي، والفارابي، خطراً على المجتمع وعليهم. قبل أن تأتي الفترة العثمانية التي أجهزت على الفكر بعقلها الإنكشاري الذي عاش على العنف والترهيب والنهب. وتنهي المهمة الحقبة الاستعمارية الأوروبية التي عاش الإنسان فيها برتبة أقل من رتبة الحيوان، في دائرة العبودية والاستعمار الأوروبي الذي تقاسم العالم وفق مصالحه الحيوية.

واسيني الأعرج