الرئيسية / home slide / يهود لبنان قبل جريمة “سليم طراب”

يهود لبنان قبل جريمة “سليم طراب”

محمود الزيباوي|الثلاثاء24/11/2020
Almodon.com

في الشهر الأول من العام 1970، أُلقيت قنبلة على نافذة المدرسة اليهودية في بيروت، فسارعت الحكومة اللبنانية إلى استنكار الحادث، وبادر وزير الداخلية يومذاك كمال جنبلاط، إلى زيارة كنيس وادي أبو جميل لنقل هذا الموقف إلى حاخام الطائفة وأعضاء مجلسها الملّي.

رصدت مجلة “الأسبوع العربي” تلك الحادثة، ونشرت تحقيقاً حاولت من خلاله التعريف بيهود لبنان. توجّه أنور نصار وجورج عيسى والياس منصور، إلى الحي اليهودي في “وادي أبو جميل”، لإجراء حوار مع الحاخام شحود شريم، والتقوا في باحة كنيس المحلة بأربعة من أبناء الطائفة، انسحب واحد منهم بلباقة ودخل مكتب الحاخام. تجنّب المتحدّثون الكلام عن الوضع السياسي كما يبدو، وتطرّقوا إلى الوضع الاقتصادي، واستهلّوا الكلام بالقول: “عندما تبدأ هجرة اليهود يكون الإفلاس بدأ يغزو البلاد، قول مأثور ينطبق على هجرة اليهود في كل زمان، ويشكّل في الواقع طبيعة متلازمة مع نفسية الفرد اليهودي. اليهود يتمسكون بدينهم الذي يتنافى مع العنصرية، وأسباب هجرة بعضهم من لبنان في الفترة الأخيرة تعود لعوامل اقتصادية. من هو اليهودي اللبناني وكيف يعيش؟ انه تاجر، صاحب مؤسسة، رجل مال وأعمال”.

وزير الداخلية كمال جنبلاط زائراً الحاخام شحود شريم وأعضاء المجلس الملّي اليهودي.

انتقل مندوبو المجلة إلى مكتب الكنيس، وفوجئوا بهيئة الحاخام: “رجل وقور يرتدي معطفاً رمادي اللون وقبعة سوداء، وبيده يمسك الشمسية، له من العمر ستون سنة تقريباً. رجل يلبس لباساً مدنياً عادياً ولا يرتدي معطف الكهنوت إلا عندما تفرض المراسيم والتقاليد الدينية والاجتماعية الرسمية. يسير في الشارع ويتجوّل كأي انسان آخر”. كان السؤال الأول عن اليهود ومن بقي منهم؟ وكان الجواب: “في لبنان حوالى 700 عائلة من اليهود اللبنانيين فقط يبلغ عدد أفرادها حوالى ثلاثة آلاف نسمة، يُضاف إليهم ألف شخص من اليهود الذين وفدوا إلى لبنان في فترات متقطّعة، فيكون عدد أبناء الطائفة أربعة آلاف شخص على وجه التقريب. يشكّل عدد اليهود اللبنانيين ثلث أبناء الطائفة الذي كان يبلغ 12 ألف نسمة العام 1958”.
في تعليق على هذه الأرقام، رأى القائم بأعمال المجلس الملي، ألبير إيليا، أن تقلّص عدد أبناء الطائفة يعود إلى الأوضاع الاقتصادية في الدرجة الأولى، وقال: “ليست الهجرة أو السفر في الأساس نتيجة الأحداث، انما هي واقع الحال، شأننا فيه شأن باقي الطوائف. الأخ يتبع أخاه، الجار يقتدي بجاره، الأهل يلحقون بأبنائهم. ثم ان الشباب يهرعون إلى أوروبا بالدرجة الأولى لتحصيل العلم أو لمواصلة علومهم العالية حيث يتلقون المنح المدرسية التي لا يمكن لمجلس الطائفة أو لذويهم أن يوفّروها لهم”. 

حي وادي أبو جميل ومدرسة اليهود.

واصل ألبير إيليا الحديث، وقال: “إن بيروت لم تكن بالنسبة لليهود الوافدين من سورية والعراق وإيران مركز إقامة دائمة، بل كانت ممرّاً حيوياً هاماً. يمكن ان نطلق عليها تسمية محطّة، ومن هنا كانت عملية تصاعد وانخفاض نسبة اليهود في لبنان. ان الذين تعطّلت أعمالهم وتجارتهم او انتكست، وجدوا، وربما من باب الصدف، أبواب البرازيل والمكسيك وكندا وأستراليا مشرّعة أمامهم، بينما تركوا وراءهم جوّاً ملبداً بالغيوم السوداء فرضته الأحداث في المنطقة، ففضّلوا البقاء حيث تجارتهم وأعمالهم تُحاط بأجواء الهدوء والاستقرار”.

الحاخام والكنيس.

في هذا السياق، جاء السؤال حول حادث القنبلة التي أُلقيت في مدرسة سليم طراب، فأجاب ألبير إيليا: “هذا الحادث ليس له ما يبرّره. الواقع ان الحادث جلل بالنسبة لما يثيره من قلق، فهو ولا شك ذميم بدليل الاستنكار الشامل الذي لقيه في الأوساط اللبنانية، والاشمئزاز العارم الذي صادفه في العالم الخارجيّ، لا سيّما أنه استهدف مدرسة للأطفال ومستشفى يعجّ بالمرضى. ان البيان الرسمي كرّس هذا العمل الإجرامي بأنه من فعل يد أثيمة مأجورة بغية الإساءة إلى سمعة لبنان. فللحكومة الموقرة وللناس أجمع أن ينعتوا هذا العمل بما يتّفق مع مشاعرهم ومشاربهم، على ان الطائفة اليهودية تحمد الله ان الحادث لم يكن كارثة، بل أنه انحصر بالأضرار المادية”.

استطرد ألبير إيليا في الكلام عن بلده، وقال: “ليس لبنان طبيعة جذابة وهواء عليلاً، إنما هو بلد التساهل والمحبة والسلام. بلد الديموقراطية الصافية التي لا يشوبها أصباغ وألوان. بلد التعايش السلمي الذي لا ترقى إليه أيدي التفرقة ولا تزهر فيه بذور التنابذ والخصام. لقد خبرت لبنان بعد طول إقامة وبعد طول اغتراب فآمنت أنه لا يمكن لبنيه أن يعقوه، أو لضيوفه أن يعيبوه. كعبة محبة هو. هيكل أمن هو. فعل حرية هو. وأعظم ما فيه ثلاثة: المحبة والأمن والحرية. فلبنان هو لكل بنيه ولكلّ النازلين فيه ممّن صفت نيّاتهم وخلصت سرائرهم، فلذلك فإن عزاءنا ان العمل التخريبي لم يترك في النفوس أي ألم، وهناءنا ان الحكومة بأشخاص من رجالها شجبوا هذا العمل واستهجنوه، وان الأجهزة المختصة تلاحق الجناة الغادرين للاقتصاص منهم بما تفرضه القوانين. ورجاؤنا أخيرا ان يظنّ الناس بنا خيرا لأننا نصدق في القول، ولأننا نعي ما نقول، ويشهد الله على صحّة ما ندّعي”.

في الختام، ردّد الحاخام شحود شريم ما صرّح به حين قام وزير الداخلية ومحافظ بيروت ومدير قوى الأمن بزيارة المجلس الملي، لتأكيد اهتمام الحكومة برعاية وحماية جميع اللبنانيين. وكرّر شكره للدولة، وأضاف: “ان اللبنانيين منّا، وهم يتمتّعون بكامل حريّاتهم شأنهم شأن باقي المواطنين اللبنانيين دونما تمييز أو تفريق، والأغراب منّا ينعمون بعطف صادق وأمن سليم بفضل سهر الحكومة وعنايتها. ان لبنان كما قلت لجميع أبنائه. ونحن متمسّكون بوطننا ولا يُمكن لنا إلا أن نتمنّى له كل استقرار وهناء، بعيدا عن جو البغضاء والتفرقة، وفي إطار المحبة والتسامح والسلام. اننا ننعم بالحرية، ونعيش في ظل حكم ديموقراطي ونتمنى الازدهار للبنان لشعبه. ان اليهود اللبنانيين أصيلون في لبنانيتهم وتاريخهم في هذا البلاد تمتد جذوره إلى العصور القديمة، ومن هنا نتبع محبّتنا لبلدنا وإيماننا به”.

حاول التحقيق الصحافي تحديد مراحل هذا التاريخ، ورأى أن اليهود توافدوا في الماضي القريب إلى بيروت من سورية والعراق وإيران، لأنهم “شعب يهتم بالتجارة، وحيث تكون البلدان مزدهرة يقصدها”. استمرّ هذا التوافد، وأقام اليهود “في حي من أحياء بيروت يُدعى وادي أبو جميل، وعُرف هذا الحي بالحي اليهودي وقلّما وُجدوا في مكان آخر، الا ان فؤاد افرام البستاني يقول إن هناك عائلات يهودية أقامت في بلدة دير القمر ثم نزحت في ما بعد إلى بيروت”. لعب اليهود دوراً في القطاعين المالي والتجاري في العاصمة، غير أن أعمالهم تأثرت سلبا بأحداث 1958، “فرحل قسم كبير منهم عن لبنان إلى الخارج، ونزحت معهم رؤوس أموالهم، ولما عادت الأمور إلى مجراها الطبيعي، عاد بعضهم إلى لبنان”. حدثت الهجرة الكبيرة بعد حرب 1967، وتوزّعت على البرازيل وكندا بشكل أساسي. أما اليهود اللبنانيون الذين قصدوا إسرائيل بعد حرب حزيران فهم قلة.

ختمت “الأسبوع العربي” تحقيقها بالتشديد على إدانة الحادث الذي تعرّضت له مدرسة سليم طراب، ورأت “ان أيدي أثيمة مأجورة هي التي دبّرت الحادث وقامت بتنفيذه بقصد الإساءة إلى سمعة لبنان في الخارج، وإيجاد جو من الإثارة يفيد منه العدو لتغذية حملاته الدعائية ضد لبنان وضد المقاومة الفلسطينية، وهذا ما أكّده البيان الفوري الذي أصدرته مديرية قوى الأمن الداخلي بعد ساعات من بدء التحقيق”.