الرئيسية / home slide / يهود لبنان… أو الطائفة الشبحية

يهود لبنان… أو الطائفة الشبحية

محمد حجيري|الثلاثاء24/11/2020
Almodon.com

هيني سرور
سليم نصيب كتب عن الحب بين البير فرعون وغولدامائير

من غير تمهيد، ومن غير احتفال، ومن غير حشد، ومن غير شخصيات رسمية أو دينية أو ما شابه، ومن غير وعظ وتشديد على “العيش المشترك”، وُزعتْ صور قليلة، قيل إنها لافتتاح كنيس ماغين أبراهام اليهودي في وادي أبو جميل بعد ترميمه، وهو من بقايا الحي اليهودي الذي بدلت سنوات الحرب (1975 -1991) وسنوات السلم (ما بعد الطائف) معالمه وناسه…والافتتاح وتوزيع الصور، يشبهان لقاء الشخصيات الأمنية التي تتخذ طابع الكتمان والتخفي والسرية، وربما تعكس هذه الصور واقع اليهود اللبنانيين أو الطائفة 18 كما تسمى في الاعلام، و”الطائفة الاسرائيلية” كما في الهوية والسجلات الرسمية. والحديث عن هذه الطائفة في لبنان، كالحديث عن “الديناصورات” المنقرضة، اذ بات اليهود بالنسبة الى بعض الموطنين اشبه بكائنات غريبة الملامح. يختصر المواطن (اليهودي)، إسحق أرازي جوهر، القول، إذ صرح لموقع “رصيف 22”: “نحاول تعريف اللبنانيين إلى مجتمعنا، لكن كثيرين ما زالوا يُدهشون عندما ينظرون إلينا ويجدوننا أشخاصاً طبيعيين”.

وغدا يهود لبنان، بعد اشتداد الصراع العربي الاسرائيلي، أولاً في حرب 1948، ثم حرب 1967، تضاف إليهما الحروب اللبنانية وتفرعاتها، طائفة شبحية. كُنُسٌ مهجورة في صيدا وعالية ودير القمر وبحمدون، وبقايا نجمة سداسية على نافذة حديدية، ومقبرة في ناحية من النواحي. كانوا بضعة آلاف، تقلص وجودهم وعددهم فأصبحوا أفراداً مشتتين في الدساكر أو مختبئين أو متخفين بأسماء مستعارة وهويات أخرى. منهم من سافر الى البلدان الغربية، ومنهم من حط رحاله في “كنف” الاحتلال، مع التذكير بأن المؤرخين يقولون إن القدوم الأول لليهود إلى لبنان كان العام 1710، حينما هرب يهود الأندلس من محاكم التفتيش الإسبانية ليلجأوا إلى جبل الشوف، وتحديداً دير القمر التي غادروها جزئياً العام 1860، إثر اندلاع مواجهات بين الدروز والمسيحيين. وفي العام 1848، وفدت بعض العائلات اليهودية الدمشقية إلى جبل الشوف تجنباً للعنف المتزايد تجاههم. أما يهود بيروت فهم خليط من عراقيين وسوريين وإيرانيين ويونانيين، ومن النادر التواصل مع يهود لبنانيين مقيمين في لبنان، فهم يفضلون التخفي وسط مجتمع، جزء كبير منه يلفظ كلمة يهودي كشتيمة.

***وعدا معمعة الميديا والبحث عن يهودي لبناني والسؤال عن اليهود في لوائح الشطب الانتخابية وأين يصوتون، اللافت أن أبرز الشخصيات الثقافية (اليهودية) اللبنانية التي نعرف ملمحاً ضئيلاً منها، وهي قليلة مقارنة بالشخصيات المصرية والعراقية والمغربية، فكانت معادية للصهيونية، مناصرة للقضية الفلسطينية من جهة، وتنضوي في الأحزاب والمجموعات اليسارية، وتحمل الأفكار الثورية الماركسية في مرحلة الستينات وبداية السبعينات. سواء الباحثة يولا بوليتي، وكانت ضمن المجموعات اليسارية والطالبية وصاحبة بعض الأبحاث عن المرأة، وغادرت لبنان منذ سنوات. أو المخرجة هيني سرور، أو الروائي سليم نصيب(تركية) أو الناشط السياسي (والمناضل) ايلي بيضا (اليكو)، وصولاً إلى الناقد الفني جوزف طراب، هذا الى جانب سيرهم المتشعبة ومتعددة الدلالات.

ومن السماجات السائدة، ردّ الأشخاص اليهود وغيرهم الى طوائفهم، كأنهم يقيمون سياسياً وثقافياً عند بعضهم البعض، انطلاقاً من علاقتهم بطوائفهم أو هوياتهم، وكل هذا في دائرة التوظيف الأيديولوجي والهوياتي البائس. فتمدح أقلام كثيرة بعض الشخصيات (اليهودية) العربية واللبنانية الرافضة لإسرائيل، كما كانت تُمدح شخصيات مسيحية معارضة للمارونية السياسية (يدلعونهم “مسيحيون وطنيون”)، أو الشخصيات الثقافية الشيعية الرافضة لحزب الله (يسمونهم المثقفون الشيعة)، ومردّ هذا المديح المغرض غالباً، التوهم بفتح ثغرة في جدار، وعقد الأمل على شيء لا يتحقق، وتطبيق مقولة من فمك أدينك…

كتب المسرحي اللبناني الراحل، أسامة العارف، عن صديقه أليكو بيضا، سيرة موجزة نشرها في كتابه “هات العمر من الأول”، وفيها ما يمكن تسميته “مفاجآت” روائية وحياتية. فأليكو لبناني من أصل سوري، ولا يحمل الجنسية اللبنانية بل الإيرانية، من دون أن يزور إيران. والده مهندس ومصمم البنية التحتية لحلب الحديثة، غادر إلى بيروت ملبياً رغبة زوجته في اللحاق بأهلها. وحين مُنع، مع يهود حلبيين آخرين، من تجديد جوازات سفرهم السورية، وجدوا الحل لدى أمير عباس هويدا، الإيراني الذي تعلّم في الليسيه في بيروت وكان تلميذاً لتقي الدين الصلح ثم صار رئيس وزراء في بلده في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، فأعطاهم الجنسية الإيرانية من دون أن يروا إيران.

ولما غادر أليكو بيضا، بيروت، بعد حرب السنتين، إلى فرنسا، مقدماً طلب لجوء، رحب به القاضي الفرنسي باعتباره يهودياً وإيرانياً (معتبراً أن اليهود مرفوضون في إيران بسبب الطابع الاسلامي للجمهورية الخمينية). فما كان من أليكو إلا أن أخرج بطاقة انتسابه الى حركة فتح، وطلب من القاضي إعطاءه اللجوء السياسي على أساس انه يهودي مُعادٍ لإسرائيل. وقد داخ القاضي المشار إليه من هذا التناقض الذي يبرزه أليكو، فأبلغه بأنه لا يفهمه، إلا انه سيعطيه الحق في اللجوء السياسيِ. أمضى أليكو سنوات في باريس، وكان قد شارك في الأعمال الثورية في الكونغو، وحين أحس بقرب منيّته، كتب رسالة حدد فيها كيف يجب أن تكون جنازته، كما طلب أن يلف نعشه بالعلم الفلسطيني والعالم الكونغولي.

وكان أليكو يغالي في أفكاره الثورية أو الاشتراكية، فيكتب أسامة العارف: “أذكر يوماً أنه في معرض شرح أليكو بيضا النظرية الماركسية لابن خالته هنري بيتشوتو، قال له إن الملكية الفردية هي السرقة. وقال له إذهب إلى بيتك فإنك ستشاهد مصاغات وجواهر والدتك فهي كلها ناتجة من قيام أبيك بسرقة الفقراء. فما كان من هنري بيتشوتو وكان في السابعة عشرة من عمره، إلا أن قام بسرقة مجوهرات ومصوغات والدته وسلّمها إلى أليكو ليقوم بتوزيع ثمنها على الفقراء. لم يكن أليكو يقصد من كلامه هذا الحد الذي وصل إليه ابن خالته الفتى، فأعطى المصاغ لوالدته التي ردتها إلى عائلة بيتشوتو بطريقتها.في أحد الأيام اصطحبني معه إلى بيته في منطقة كركول الدروز (في بيروت) لتناول طعام الغداء. وفي بيته استقبلتني والدته السيدة هنرييت استقبالاً كريماً، فقال لها لقد جئت معي بهذا الصديق المسلم الذي يريد قتلنا نحن اليهود مستقبلاً. كانت تلك هي المرة الأولى التي أعرف فيها أنه يهودي”.

سيرة أليكو الضئيلة والموجزة، أنموذج لوجوه عدد من الشخصيات التي قيل أنها يهودية لبنانية أو ملبننة… ذهب اليكو بيضا، المنتسب الى حركة فتح العرفاتية، الى مناصرة الثورة في الكونغو، وسجنت صديقته بسبب ذلك. بينما ذهبت المخرجة هيني سرور الى سلطنة عمان وصورت فيلم “ساعة التحرير دقّت” عن ثورة ظفار الشيوعية التي ضربت سلطنة عُمان في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. صُوّر الفيلم في العام 1971 وعرض في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان” في العام 1974. ويعتبر الوثيقة المصورة الوحيدة التي تسجل يوميات الثورة في إقليم ظفار. وقد ركّزت فيه على مشاركة النساء في تلك الثورة التي حظيت بدعم من الصين والاتحاد السوفياتي وعبد الناصر وجمهورية اليمن الديموقراطية، قبل إخمادها. 
هيني سرور التي كانت في الحركة الطالبية اليسارية اللبنانية، ولدت لعائلة يهودية محافظة من بلدة دير القمر-الشوف، ورغم أفكارها ونضالها اليساري اتُّهمت بـ”الصهيونية” كونها يهودية، وحوربت في الجامعة. في احدى مقابلاتها، تقول بلهجة لا تخلو من الغصّة “لدينا جذور عميقة في لبنان.. جدّي كان يرقص بالخنجر مع الأمير مجيد أرسلان ويُغنّي الدلعونا والميجانا”، وغادر والداها إيلي وإيفون بيروت في العام 1981 الى اسرائيل، أي قبل عام من الاجتياح الإسرائيلي، وعادت التقت بوالدها في منتصف التسعينيات بعد اتفاق اوسلو. وإذ كان بعض أبناء بلدها قد مارسوا عنصرية بحقها لأنها يهودية، فهي لم تنج من حرب بعض اليهود الأقرباء، فتقول في مقابلة أخرى: “رفضي المطلق للظلم الواقع على الشعب الفلسطيني كان سبباً في مقاطعتي من أقاربي اليهود، أنا أممية. والسينما يجب أن تنحاز للإنسان”… 

أما سليم تركية (أو سليم نصيب)، فهو يساري، كان ضمن المجموعات القريبة من الحزب الشيوعي، ومن سكان وادي أبو جميل، والداه وجده من عشاق طرب أم كلثوم، هاجر من لبنان في 1969، عمل صحافياً وكتب الكثير عن القضية الفلسطينية. كان يقول في نظرته إلى العرب أنه إذا ما “استطاع أحد تفسير العلاقة بين أم كلثوم وجمهورها، حينها يستطيع فهم العالم العربي”. كان مهنياً إذا جاز القول، وعمل مراسلاً لجريدة “ليبراسيون” الفرنسية. وعن تغطيته حرب لبنان يقول: “عندما حدث الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 1982، ذهبت الى بيروت وكتبت سلسلة من المقالات حول المدينة المحاصرة، وكانت هذه هي الصورة العامة لبيروت، مدينة محاصرة تتعرض لقصف يومي، وكنت أكتب حكايات الناس تحت الحصار، وأثارت هذه المقالات اهتماماً واسعاً في فرنسا نظراً إلى أنه كانت هناك حالة من التعاطف مع ما يحدث في بيروت، لكن في العام 1985، عندما بدأت الحرب تأخذ منحى آخر وصارت قتالاً داخلياً بحتاً، تغير هذا السياق، هذه هي الصحافة“.

ترك نصيب الصحافة وتحول الى الرواية. كتب رواية عن أم كلثوم وحب أحمد رامي لها. وكتب رواية فيها ما يمكن وصفه بـ”الحب المستحيل”، يجمع بين ألبير فرعون، البرجوازي المسيحي اللبنان، وغولدامائير الصهيونية الاسرائيلية. وفي اواخر التسعينيات حين دعا “مسرح بيروت”، سليم نصيب، الى الاحتفال بالذكرى الخمسين للنكبة، وقعت الواقعة وجنّ غلاة الممانعة ودعاة “وحدة المسار والمصير”. يقول الروائي الياس خوري: “عندما حاولت، مع مجموعة من الأصدقاء، فتح أبواب ثقافتنا لاستقبال أبنائها اليهود العرب، وُوجهنا بسيل من الاتهامات والتهديدات والشتائم. كان ذلك العام 1998، حين نظّم مسرح بيروت، الذي كنت مديره الفني، مجموعة من الأنشطة الثقافية في الذكرى الخمسين للنكبة، (…)كانت بيروت تستعيد صوتها في وجه استبداد النظام السوري ومحاولاته وأد حريتها. قررنا أن نختتم بندوة يشارك فيها مثقفون يهود عرب، ودعونا إبراهيم السرفاتي ونعيم قطّان وسليم نصيب، وطلبنا من شمعون بالاص أن يكتب شهادته؛ إذ كان من المستحيل استقباله في بيروت لأنه يحمل الجنسية الإسرائيلية. وسط مناخات التهديد والكراهية، طلبنا من أصدقائنا المدعوين إرسال كلماتهم، واعتذرنا عن استقبالهم بسبب عجزنا عن حمايتهم”. يومها هُدد المسرح واتّهمت إدارته بالتطبيع.

أما جوزف طراب، فكان “ماركسياً مستقلاً”، كما سمّى نفسه، ولعب دوراً في ثورة أيار 1968. في نهاية 1967، عقد اجتماع في باريس مهرجان كبير حول القضية الفلسطينية اشترك فيه فرنسيون وعرب واسرائيليون. جرى ذلك في ظل هزيمة 1967. واشترك طراب في هذا المهرجان بصفته ممثلاً للجنة فلسطين للطلاب اللبنانيين في باريس، وخلال هذا المهرجان تكلم الكثيرون. المؤيدون لإسرائيل ركزوا على ما سموه اضطهاد الدول العربية لليهود، وجاء دور طراب فوقف وقال: “أتكلم بصفتي يهودياً عربياً، أتكلم بصفتي يهودياً عربياً من لبنان، وصحتي جيدة”. وقال أنه لا مشكلة يهودية في الدول العربية، وهذه المشكلة، إذا وجدت، فسببها قيام اسرائيل، لا الدول العربية. كان طراب قبل تفرغه للنقد، مندفعاً للأفكار الثورية، ومناصراً بقوة للقضية الفلسطينية، وداعياً قادتها إلى تبني الأفكار الاشتراكية. وخلال الحرب، لم يتردد عناصر من المليشيات الشيعية اللبنانية في احتلال بيته في بيروت الغربية، واضطر الى شراء منزل في مكان اخر، وبعدما كانت ناشطاً في المسرح تحول الى النقد الفني، وكتب لسنوات في جريدة “لوريان لوجور”.