الرئيسية / uncategorized / يهود دمشق في ثلاث روايات

يهود دمشق في ثلاث روايات


هل تكون غواية الترجمة إلى لغات أخرى سبيلاً إلى العالمية؟

نبيل سليمان
الشرق الأوسط
11022019

في سنة 2016، صدرت 3 روايات سورية، هي: «خمارة جبرا» لنبيل ملحم، و«عين الشرق» لإبراهيم الجبين، و«لعنة الكادميوم» لابتسام التريسي، وكان لليهودي في كل منها حضور مركزي. والروايات الثلاث منعقدة على الزلزال السوري الذي تفجر سنة 2011، فلماذا كان هذا الحضور؟ هل هي استجابة فنية لقوة الحضور اليهودي في سوريا ماضياً أو حاضراً؟ وإذا لم يكن هذا صحيحاً، فهل هي غواية الترجمة إلى لغات أخرى كسبيل إلى العالمية؟ ألا تتواتر هذه الغواية على نحو لافت في الرواية العربية بعامة في العقد الأخير؟

عن اليهود في حلب، كتبت رواية «لعنة الكادميوم». أما الروايتان الأخريان، فقد كتبتا عن يهود دمشق. وكانت قد سبقت إلى ذلك رواية «قصر شمعايا» لعلي الراعي.

قصر شمعايا

في حي اليهود في دمشق أقام الثري اليهودي شمعايا قصره عام 1885. وعندما قررت الحكومة السورية في خمسينات القرن الماضي فتح بيوت اليهود الذين غادروا إثر قيام إسرائيل، كان قصر شمعايا من نصيب 50 أسرة من اللاجئين الفلسطينيين. وقد جعل الكاتب الفلسطيني (السوري) علي الراعي من هذا القصر ومن الحي اليهودي فضاء لروايته التي صدرت عام 2010، وتمحورت حول أحمد الشيخ الذي درس في الأليانس، التي كانت واحدة من سلسة مدارس يهودية عالمية، تحولت إلى مدرسة تديرها الأونروا. وتتألق الرواية في رسم ما آل إليه القصر، فبدا غابة من براكيات الخشب والزنكو والإسمنت، لكأنه متاهة غرائبية.

ومن الشخصيات اليهودية في الرواية الطبيب الذي يرفض الهجرة إلى إسرائيل، عكس ابنه الذي يصبح طياراً إسرائيلياً، ويشارك في الحرب، فتسقط طائرته ويؤسر. وإذ تجري مواجهته مع أبيه، ينكره الأب. وثمة أيضاً راشيل التي أحبت فلسطينياً، لكن أسرتيهما تجعلان الزواج مستحيلاً، فيهرب الشاب إلى مصر بدعوى الدراسة، وتهاجر راشيل إلى الولايات المتحدة الأميركية. ومن قصص الحب في الرواية قصة روميو الفلسطيني وجولييت اليهودية، التي يدفع فيها الزواج المستحيل إلى انتحار الشاب حرقاً، فانتحار الشابة بالسم. غير أن للعلاقة الفلسطينية اليهودية صوراً أخرى من التعايش. وإذا كان مثل هذا التعايش هو ما كان في دمشق وحلب والقامشلي قبل قيام إسرائيل، فالأمر تبدل بعد ذلك، إلى أن مضت الهجرة السرية إلى إسرائيل بأغلب اليهود.

عين الشرق

يبدو الرهان الفني الأكبر لهذه الرواية على استراتيجية التشذير والبناء الشذري، وعلى السيرية التي بلغت أن جعلت من الذات مرسلاً ومستقبلاً معاً، كما وصف فيصل دراج لغة الذات المتوحدة، بعامة. وقد حمل الراوي اسم الكاتب الذي يروي أنه كان قد التقى مصادفة باليهودي الدمشقي المهاجر إخاد في نيويورك.

عاد إخاد إلى دمشق إثر زلزال 2011 لإخراج مخطوطات يكتنزها القبو السري: «وحين سيقرأ العالم بعد سنوات أخباراً تتحدث عن نقل مخطوطات تاريخية ذات قيمة دينية من دمشق إلى إسرائيل، في عمليات للكوماندوس الإسرائيلي تمت تحت جناح الليل، وحين تظهر تلك المخطوطات والقطع في متاحف الدولة اليهودية، سيتضح أن الواقع الذي كتبت عنه هو حي، وليس ترميزاً وحسب». وقد حضر إخاد أيضاً ليشهد التحولات على عتبة 2011، وكل ذلك حسب ما يروي إبراهيم الذي يجعل من إخاد قرينه.

وعبر العلاقة بين إبراهيم والقرين، تعري الرواية ما تعري من ديكتاتورية النظام، ويشتبك الماضي بالحاضر في مفاصل شتّى من تاريخ سوريا خلال القرن العشرين، فيكون لليهودي فعله المتواصل، وصورته الروائية التي تتألق في حديثه عن الكتابة (البرجبابلية) مثلاً، لكنها تنوء تحت وطأة الحمولة التي تجعله عليماً بالشأن السوري، من قصيدة سليم بركات السردية إلى حديث ياسين الحافظ عن أن الديمقراطية لا تناسب الأقليات، إذ يرى إخاد ذلك كلاماً دقيقاً وعلمياً، فلا أقليات أو أكثريات دينية أو عرقية في الديمقراطية، بل مشاريع سياسية تتنافس على الصناديق. والأقليات – حسب إبراهيم – لا تريد ذلك. لماذا؟ لأنه يذيبها في الأكثرية، حسب إخاد، فمشروعها -حسب إبراهيم – هو التمايز في المجتمع بناء على الاختلاف، وليس بناء على حقوق المواطنة. وإخاد الخبير بسوريا ثقافياً وسياسياً، لكأنه لم يغادرها يوماً، يجيب عن سؤال إبراهيم له عما إن كانت رابطة العمل الشيوعي – التي صارت حزب العمل الشيوعي – طائفية، فيجيب الخبير بأن اليسار كان يسميها رابطة الأقليات. ويطول الحوار بين إبراهيم وإخاد مراراً، حيث تبهظه التأرخة، والمعلومة غير المسرّدة، كما في الحديث عن حرب القرم بين الروس والأتراك، الذي لم تنفعه معه لعبة التشذير.

وإذا كانت الرواية قد انتهت بلحظة كتابة أطفال درعا على الجدران بأسمائهم الصريحة، ففي النهاية أيضاً أن إبراهيم ظل محبوساً في السرداب، ومن خرج ليس هو، كما ظل إخاد معه حبيساً.

خمارة جبرا

يحضر حي الأمين (حي اليهود) في رواية نبيل الملحم «خمارة جبرا»، ومنه بيت عزرا، صاحب مخزن المخطوطات والكتب المستعملة، وحيث كانت ابنته آنا قبل أن تهاجر إلى إسرائيل، مخلفة الفتى جاد الذي سيسكنه عشقها ما عاش. وتبدأ الرواية بإصابة الثمانيني جاد في تفجيرات دمشق، ثم تتوالى استعادات الماضي، فإذا بآنّا «ذات النظرة العبقرية» التي يوصيها والدها: «إنسي الشام يا آنّا»، ويوصيها: «لكل وطن جديد رجل جديد، وذاكرة جديدة. الحب في معنى من معانيه مكان». ولم تكن الهجرة بعد 1948 تعني لعزرا غير القطع مع ماضي الأجداد، والتجول في متاهة وطن جديد مبني بقوة السلاح والهاجاناه. كما لم تكن إسرائيل تعني لعزرا غير مقبرة ثمينة: «ليست دولة الوعد يا آنّا». ولئن كان يرى رجال اللاهوت اليهودي حشرات، فقد سئم أيضاً من كونه أقلية عليها أن تقدم مبررات يومية لبقائها على قيد الحياة. وإلى أن يهاجر، كما سيخبر في ملخص سردي، يكون هو الباحث عن اللقى، ويكون مخزنه غطاء لنشاطاته الأثرية التي يحمّلها ليهود مهاجرين يكتشف أمزجتهم المريضة، ويراهم متسوّلي يهوه، كما يرى سوراً مرتفعاً من خوف، تعززه فكرة الآخر العدو، وارتهان الوجود على الفكرة. ويتردد جاد على ديار الحبيبة آنّا مستذكراً كيف علمته القراءة والكتابة، ومعايناً الحراس المتحفزين تحت ما كان شرفة آنّا قرب الكنيس المهجور، فأسرار الكُنُس لا بد أن تُحرس، وكل بيوت اليهود تحت حراسة الأمن العسكري، كما يسوق السارد الذي يوالي ظهوره، فيخبر مثلاً بما لا يعرفه جاد من أن آنّا مع والدها صارا في مستوطنة بتاح آرائيل، وأنها رفضت الزواج، وباتت وحيدة صامتة بعد موت عزرا… أو يخبر، مثلاً أيضاً، أن ما همَّ جاد في أثناء معركة بورسعيد عام 1956 هو أن آنّا وعزرا ربما قضيا، كما أن حرب أكتوبر (تشرين الأول)، واجتياح إسرائيل للبنان، وكل حرب، تجعل المسافة عن آنّا أكبر، حتى يستحيل الأمل بعودتها، وإن يكن جاد سيظل يحلم بهذه العودة وهو يحتضر. تلك هي الرسوم الكبرى ليهود دمشق في الروايات الثلاث. ولعل للمرء أن يتساءل عن اشتغال روايتي الجبين والملحم على «تيمة» المخطوطات اليهودية وتهريبها، مما سبقت إليه رواية فيصل خرتش «حمام النسوان». لكن الأهم هو السؤال عن معنى استحضار اليهودي إلى الحاضر السوري بعد 2011، حيث ينتفي الفعل اليهودي في سوريا منذ عقود، بينما يظل فؤاد جاد معلقاً بآنّا، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وليس شأن إخاد بأقل!

التعليقات

أضف تعليقك

أخبار ذات صلة

شاشا... أديب صقلية الكبير الفخور بلقبه العربي

شاشا… أديب صقلية الكبير الفخور بلقبه العربي

إصدارات

إصدارات

«الرعاية» تنعش الثقافة الفرنسية من جديد

«الرعاية» تنعش الثقافة الفرنسية من جديدسردية التاريخ بين الملحمية والتراجيديةمثقفون سعوديون يشاركون في فعاليات معرض بغداد الدولي للكتابوهم ديمقراطية المعرفة«جلجامش» أمام الكاميرا!الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» تعلن عن قائمتها القصيرةثنائية الإنسان والمكان في أعمال علاء مشذوب«الزوجة المكسيكيّة» تُحاذي نص «البيضاء» ليوسف إدريس وتعتاش عليهغليان في العراق ضد اغتيال علاء مشذوبصناعة قصص الخرافة

AA

شاشا… أديب صقلية الكبير الفخور بلقبه العربي

إيطاليا تحيي ذكرى رحيلهالاثنين – 6 جمادى الآخرة 1440 هـ – 11 فبراير 2019 مـ رقم العدد [ 14685]

شاشارومـــــا: موسى الخميسيتحتفل إيطاليا هذه الأيام بالذكرى الثلاثين لرحيل كاتبها الكبير ليوناردو شاشا (1921 – 1989) الذي أولى اهتماماً فائقاً بصقلية التي أحبها حباً جماً، وكانت ملهمته في كل أعماله الروائية، فهي مرآة عكس من خلالها الوضع البشري بقساوة وألم شديدين، ونظر بوضوح وحياد إلى عيوبها وآفاتها، المتمثلة بعصابات الأجرام المنظم التي لا تزال تعكر صفو الحياة في دوامة من الجرائم والعنف. وآخر رسالة كتبها لأحد أصدقائه كانت بتاريخ 16 أبريل (نيسان) 1989، وجاء فيها: «عزيزي دينو… أجد أن الكلام عبر الهاتف يملأني عاطفة ولبساً. لأجل ذلك أكتب إليك، فقط لأقول لك إني لا زلت على قيد الحياة. ومن العجيب أنه لكأنني بأفكاري أترصد مرضاً هو دائماً أكثر دقة، ودائماً أكثر حدة، لكن لا يجدي معه نفعاً». ولم يفصح شاشا بطريقة مباشرة عن مرضه الذي صار «عيشة من التحاليل والفحوصات».
لقد تقابل مع واحد من أعز أصدقائه لآخر مرة، فوصف الصديق اللقاء قائلاً: «لقد أسرعت إلى باليرمو لأعانقه، ولقد تأثر مثل عادته. شهوره الأخيرة كانت كوميديا مؤلمة، مثلما يحدث دائماً، نحن نظن ظناً كاذباً بأن بإمكانه أن يتعافى وهو يتصرف كما لو أنه غير مدرك لظننا الكاذب». لقد عاش شاشا، الذي كان يفخر على الدوام بلقبه العربي (شاشا)، في بيئة قروية قريبة من مدينة أغريجنتو العريقة، حيث قام باختبارات حياته الأولى، فاكتسب معرفة أساسية لواقع الجزيرة في فترة مضطربة من تاريخ إيطاليا التي شهدت الحرب العالمية الثانية، وانهيارات نظامها الديمقراطي المسيحي. وقد دفع الوفاء صديقه الأديب الإيطالي أنطونيو موطّا سنة 1990 إلى إنشاء «مركز توثيق ليوناردو شاشا» الذي جمع فيه رسائله، ولقاءات صحافية معه، وشهادات عنه، وصور، ومحاولات نظرية، ومخطوطات لأعمال روائية، وكلها إن لم تكن غير منشورة فهي في طي النسيان؛ بل ونجد إلى جانب ذلك كلاماً عن إيطاليا العهد الجديد «جوهرة البساطة»، وهو كتاب يتحدث عن إيطاليا، كيف كانت؟ وكيف أصبحت؟
وبعد بضعة مؤلفات نثرية وشعرية، يمكن اعتبارها من تمارين الشباب، أمثال «خرافة الديكتاتورية» و«صقلية وقلبها» و«بيرانديللو وأسلوبه»، صدرت روايته التي أذاعت شهرته في البلاد ككاتب مقتدر متميز، وهي «رعايا ريغالبيترا»، عام 1956، والتي توقف فيها طويلاً على تحليل هوية أرضه المعذبة، واتسمت بالصرامة الأخلاقية.
وتميزت أعمال شاشا، التي توزعت بين الرواية والدراسات الفكرية والتاريخية، بتأثيرات الثقافة المحلية، والعودة إلى التاريخ القديم، خصوصاً العادات والتقاليد العربية التي أبرزها في نواح كثيرة من سلوك أبناء قومه. وقد كتب كثيراً من رواياته، التي هي أشبه بالتحقيق، أبرزها «مجلس مصر» و«موت محقق»، وتتسمان بلهجة فولتيرية ساخرة، ولج من خلالهما في حياة المجتمع الصقلي، هادفاً إلى التعمق في معنى أحداث اليوم على ضوء الأحداث التاريخية القديمة.
وخلف شاشا روايتين، «يوم ألبوم» و«لكل إنسان ماله»، أفلح من خلالهما في الجمع والتوفيق بين الإدانة الاجتماعية والمدنية، وبين وثبة الخيال. وكتب بعد ذلك مؤلفه الشهير «أعمام صقلية»، أعقبه في بداية السبعينات «البحر بلون الخمر»، وهما نوع من السرد التاريخي بأسلوب روائي. إلا أنه في كتابه «الصافي» نراه يبتعد نهائياً عن عالم الخيال والأحداث التاريخية، ليرمي نفسه في خضم الحياة اليومية وتفاصيلها الدقيقة، رامياً إلى إخضاعها بصفاء وواقعية لغربال العقل المرتكز على الحكمة الساخرة والمريرة في آن واحد. وقد ركز في كتاباته الأخيرة من حياته على هذا النوع من الكتابة، وأبرزها وأشهرها كتابه «تودو مودو» الذي ترجم إلى أكثر من أربعين لغة عالمية، والذي قال عنه الروائي الراحل إيتالو كالفينو إنها «الرواية الضد للديمقراطية المسيحية التي كانت تنتظر أحداً أن يكتبها».
كان يكتب بحماسة في تحليل الإرهاب والإجرام المنظم، مبتعداً عن أي منطق آيديولوجي، مع أنه ظل حتى النهاية قريباً من الأفكار اليسارية، رغم اعتراضه على كثير من مواقف الحزب الشيوعي الإيطالي. ثم أصدر «موت رانا» و«قضية الدو مورو» و«أسود فوق أسود» و«الطاعنون بالخنجر» و«مافيا» و«الحبل المجنون» و«النطاق». واعتبرت هذه الكتابات امتداداً لبيرانديللو وتوماسو دي لامبدوزا في روايته الوحيدة الشهيرة «الفهد» التي توصل فيها إلى قناعة باستحالة إصلاح التدهور الأخلاقي الذي تجاوز صقلية ليشمل كل إيطاليا. وقد صدرت له 3 مجلدات، تحوي رواياته وأبحاثه ومقالاته الصحافية التي اشتهر بها في صحيفة «الكورييري ديللا سيرا» الواسعة الانتشار عن جرائم المافيا ما بين عامي 1978 و1988، التي اعتبرت أعنف محاكمات شنها كاتب إيطالي ضد مؤسسات النظام الحاكم.

اضف رد