“يلّي عم يسأل ليه طرطقة الطناجر”: هكذا “طرد لبنانيّون الجراد من أراضيهم”؟

  • هالة حمصي
  • المصدر: “النهار”
  • 8 تشرين الثاني 2019 | 17:06

قرع على الطناجر خلال تظاهرة في وسط بيروت (6 ت2 2019، أ ف ب).

#لبنان_ينتفض… وقرع الطناجر تردّد صداه في بيروت ومختلف المناطق. هذه الطريقة الاحتجاجية السلمية حركت لدى بعضهم ذكريات من الماضي، بحيث تناقل لبنانيون، على صفحاتهم وحساباتهم، ان “#القرع_على_الطناجر كان يستخدم لطرد #الجراد من الاراضي الزراعية”، وايضا “آخر مرة قرعت الطناجر في بيروت كانت عند اجتياح الجراد والمجاعة عام 1916”.

النتيجة: نعم، استخدم لبنانيون، “في بعض الأماكن”، قرع الطناجر لطرد الجراد الذي اجتاح بلادهم عام 1915، وفقا لمدونات شهود عيان من تلك المرحلة. ويوضح القاضي والباحث الخوري إسطفان إبراهيم الخوري، مؤلف كتاب “مجاعة أهالي جبل لبنان خلال الحرب الكونية الأولى”، لـ”النهار” ان “هذه الطريقة لطرد الجراد اثبتت عدم جدواها، نظرا الى الاعداد الهائلة للجراد التي اجتاحت البلاد يومذاك”.

وتجدر الاشارة الى ان اجتياح الجراد للبنان “بدأ عام 1915، وكان على ثلاث دفعات، آخرها في تشرين 1915. وفي بداية عام 1916، لم يعد موجودا في جبل لبنان”، على قول الخوري. وبالنسبة الى المجاعة في لبنان في تلك المرحلة، فإن “سببها المباشر لم يكن بالجراد”.

“النّهار” سألت ودقّقت من أجلكم

الوقائع: في الايام الماضية، تناقلت صفحات وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي البوست الآتي (بحرفيته، من دون تدخل): “يلي عم يسأل ليه طرطقة الطناجر :حسب ما بعرف القرع على الطناجر كان يستخدم لطرد الجراد من الاراضي الزراعية. ونحنا عم نستخدمه للجراد الي عنا الي اكل الاخضر واليابس”.

كذلك، نشرت صفحات بوست في الشأن ذاته (ادناه): “آخر مرة قرعت الطناجر في بيروت كانت عند اجتياح الجراد والمجاعة عام 1916. طناجر بيروت تقرع الآن”.

التدقيق:

أسئلة عدة نجيب عنها في هذه المقالة:

*متى اجتاح الجراد لبنان؟ عام 1915؟ ام عام 1916، وفقا لما يذكره البوست المتناقل؟

-يوثّق القاضي في المحكمة الابتدائية الموحدة المارونية الباحث الخوري إسطفان إبراهيم الخوري، في كتابه “مجاعة أهالي جبل لبنان خلال الحرب الكونية الأولى” (منشورات المركز الماروني للتوثيق والابحاث، 2016)، ان “الجراد وفد الى لبنان في نيسان 1915، وفقا لما اتفق عليه جميع المؤرخين”. كذلك اتفقوا على ان “الجراد الزحاف ظهر في حزيران 1915، وعاود كرته في تشرين الثاني 1915. وغادر جبل لبنان في بدايات عام 1916. وبعد ذلك لم يعد”.

ووفقا لما يتوصل اليه الخوري في كتابه، فان الجراد “وفد الى جبل لبنان على ثلاث دفعات، واقام فيه نحو تسعة اشهر. وكان عام 1915 عام الجراد في جبل لبنان، فقضى على المواسم الزراعية لهذا العام وعلى كل خضار. وقد حرم سكان الجبل من مونة شتاء 1916 التي كانت تجمع من مواسم 1915”.

*ماذا عن المجاعة وعلاقة الجراد بها؟

-يوضح الخوري، في كتابه، ان “الجراد ساهم في شكل مباشر في تأزم المجاعة وتفاقمها، اذ بادت مواسم الجبل الزراعية. لكن رغم ذلك لم تسمح الحكومة بدخول المواد الغذائية الى الجبل من الولايات المجاورة ومن الداخل، ولم تعلن اية حالة طوارئ، ولم تقم بعملية انقاذية. فأدت المجاعة الى موت الناس منذ بداية عام 1916”.

ويقول: “رغم ان مواسم عام 1916 كانت حسنة بفضل ما تركه الجراد من سماد، استمرت المجاعة، لا بل اشتدت وكثر الموت الناتج منها أكثر فأكثر خلال عامي 1917 و1918، لأن المجاعة لم تكن مرتبطة بالجراد، بل بالأسباب الاخرى المبينة أعلاه (الحصار العثماني البري ورفع اسعار المواد الغذائية واحتكارها). ويمكننا بالتالي التأكيد أن مساهمة الجراد في المجاعة تُحصَر في عام واحد لا غير يمتد من ربيع 1915 حتى ربيع 1916، بينما بدأت المجاعة اواخر عام 1914، وانتهت في تشرين الاول 1918. ولا يمكن بالتالي اعتباره سبباً مباشراً او رئيسيا للمجاعة”.

قرع على الطناجر خلال تظاهرة في وسط بيروت (6 ت2 2019، أ ف ب).

قرع على الطناجر خلال تظاهرة في وسط بيروت (6 ت2 2019، أ ف ب).

*هل استُخدِم القرع على الطناجر لطرد الجراد من الأراضي الزراعية، وفقا لما يزعمه المنشور المتناقل؟

في استعادة المراجع التاريخية التي قرأها الخوري واعتمدها في وضع كتابه عن المجاعة في جبل لبنان، يذكر ان المعلومة عن “استخدام لبنانيين قرع الطناجر لطرد الجراد، وردت في مذكرات شهود عيان من تلك المرحلة”. ويقول لـ”النهار”: “قرع الطناجر طريقة اعتمدها يومذاك السكان في بعض الاماكن في جبل لبنان، لطرد الجراد من مناطقهم. وكانت احدى الطرق التي اعتمدوها، لكنها لم تؤد الى نتيجة”. 

بسبب استحالة التقاط الجراد يومذاك بسبب وصوله بأعداد هائلة، لم يجد اللبنانيون يومذاك سبيلا سوى “انتظار انخفاض درجات الحرارة، لما كان له من تأثير على نشاط الجراد وطيرانه. وبتجمعه في أمكنة بحثا عن الدفء، أمكن الناس من حرقه للقضاء عليه”، على ما يشرح الخوري.

قرع الطناجر او الأواني (او الطبول) “تقليد قديم جدا”، بتعبيره. وفقا لما تظهره أبحاث في هذا الشأن، “لجأ الانسان في الشرق الأوسط الى هذا التقليد، خصوصا عند حصول خسوف للقمر”، على ما يوضح. “في الاعتقاد الشعبي السائد قديما ان وحشا ما سيبتلع القمر، مما كان يدفع الناس الى قرع الطناجر او الطبول لاخافته وطرده. ومن الاعتقادات الشعبية ايضا ان القمر نام (خلال الخسوف)، مما يستدعي ايقاظه بقرع الطناجر او الطبول”. 

النتيجة: ما يزعمه بوست ان “لبنانيين استخدموا القرع على الطناجر لطرد الجراد من اراضيهم الزراعية” زعم صحيح، وفقا لما يورده شهود عيان من تلك الفترة التاريخية في مدوناتهم. ويوضح القاضي والباحث الخوري اسطفان ابراهيم الخوري ان “هذه الطريقة لطرد الجراد اثبتت عدم جدواها، نظرا الى الاعداد الهائلة للجراد التي اجتاحت البلاد يومذاك”. 

hala.homsi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*