الرئيسية / مقالات / يعرف “الحزب” أن لا بد من مقابل كبير “للخروج من الشارع”

يعرف “الحزب” أن لا بد من مقابل كبير “للخروج من الشارع”

يعترف “حزب الله”، استناداً الى متابعي تحركه من قرب ومن زمان، بأن التحرك الشعبي الأكبر في تاريخ لبنان الحديث ذا الطابع الوطني العابر للطوائف والمذاهب دوافعه الأساسية غير سياسية. فالفساد يعمّ الطبقة السياسية الحاكمة فيه منذ الاستقلال وحتى الحرب الأهلية (1975 – 1990)، ووارثوها ومعهم قادة الميليشيات والأحزاب وو”قبضاياتها” الذين أثبتوا “شجاعتهم” في الحرب كوّنوا “كارتيلاً” لحماية مكاسبهم القديمة ولتحقيق مكاسب جديدة. والفساد ساهمت في انتشاره وحمايته الوصاية السورية على لبنان التي حصلت على بركة المجتمعيْن العربي والدولي، والتي نظّمت أعمال هذا “الكارتيل”، وفتحت أبوابه لأعضاء جدد يدينون لها بالطاعة والولاء، وأخرجت منه عند الحاجة مَن أظهر طمعاً أكبر من المسموح به أو خروجاً عن “الخط” وتخلياً عن “وحدة المسار والمصير”. وانعكس ذلك على اللبنانيين فقراء وطبقة وسطى زيادة مستمرة في الضرائب والرسوم وتقلّصاً في الخدمات التي يفترض أن تقدمها الدولة لهم. إذ غابت الكهرباء وصارت بقرة حلوباً تدر مئات ملايين الدولارات على من يتولى تأمينها رسمياً للناس من أعضاء “الكارتيل”. وتحوّل الخليوي “نفط لبنان” كما سُمّي في حينه بقرة حلوباً أخرى لفريق آخر منه. وتحوّلت النفايات بقرة حلوباً ثالثة لفريق ثالث. وعمّ التهرّب الضريبي بعد تعميم الفساد على المعابر الحدودية البرية والبحرية والجوية للبنان، كما أُفسدت أسلاك كثيرة لا تستمر الدول من دونها ومن دون استمرارها نظيفة ويقظة، وعمّت الرشوة إدارات الدولة ومؤسّساتها، ثم نُظّمت عملياً من أعلى الهرم الى أدناه وإن طبعاً من دون الحاجة الى نظام داخلي يؤمّن وصولها الى أصحابها كلّ بحسب موقعه ووظيفته وقربه من حُماته الكبار والأكبر.

ويعترف “حزب الله” أيضاً بأن هناك حاجة ماسّة الى معالجة هذا الأمر، ولهذا السبب أربكه التحرّك الشعبي المُشار اليه أعلاه. فلم يقرّر التصدّي له عملياً إلا بعد أسبوع أو أكثر من بدئه أولاً بـ”الخيّالة الميكانيكية” التابعة له أو لحليفه في “الثنائية”، ثم بظهوره التلفزيوني الأخير. وفي تصديه هذا أكّد اعترافه بصوابية التحرّك على الظلم والفساد وبتفهّمه للمظالم المتنوعة للمشاركين فيه وبلهجة فيها تعاطف واضح. لكنه كرّس القسم الثاني من كلامه لاتهام جهات داخلية وخارجية أبرزها أميركا والسعودية بتمويلها واستغلالها (لم أعد أذكر إذا سمّاها بوضوح). وسبق ذلك استناداً الى متابعي “الحزب” أنفسهم اقتناعه بأن التحرّك الشعبي الأكبر ألحق أذىً مهماً بحلفاء أساسيين له هم الرئيس ميشال عون وعهده، والرئيس نبيه بري، و”التيار الوطني الحر” ورئيسه وزير الخارجية جبران باسيل. ولا سيما بعدما اختفى رئيسه في قصر بعبدا وامتنع عن أي ظهور إعلامي وأي تصريح وأي موقف هو الذي كان لا يتوقف عن هذه الأمور، ومن موقع قوّة وبطريقة فيها الكثير من التحدّي والاستفزاز. علماً أن ذلك كله خفّض نوعاً ما شعبية التيار اذ ترك أنصاره الشارع للمطالبين باقصائهما مع سيّد العهد والآخرين، ربما خوفاً من الاصطدام أو ربما لإدراكهم أن التحرّك اللاطائفي وبالمسيحيين الذين كانوا أساسيين فيه أقوى منهما بكثير. وتحرّكهم في الشارع وفي نقاط محدّدة قليلة لم يأت إلا بعد تلويح السيد نصرالله بإصبعه في ظهوره التلفزيوني الأخير “وإن يخوِّف” كما قال. علماً أن إحجامهم عن التحرّك قد يكون تفادي “مقتلة” مسيحية – مسيحية تؤذي كل المشتركين فيها. ويعترف “حزب الله” ثالثاً، وبحسب المتابعين أنفسهم، أن “الورقة الاصلاحية” لم يقرأها كفاية المشاركون في التحرّك الأكبر والذين دخلوا على خط قيادته في صورة غير مباشرة. ويعترف بأن رئيس الحكومة سعد الحريري الذي تلاها “بفخر” واعتزاز لم يدافع عنها بعد رفضها شعبياً، وبأن بعض موادها لا تحقق الأهداف التي تدّعيها، وبأن باسيل تابع في ذلك الظرف الدقيق تعنّته فعدّل بنداً او اثنين ولا سيما في موضوع الكهرباء. ومن شأن ذلك إبقاء الكهرباء بعيدة من الاصلاح. ويعترف “حزب الله” أخيراً ومع تمسّكه بوجود استهداف كبير له داخلي وخارجي بأن فتح الطرق بواسطة الجيش وقوى الأمن أمر ضروري جداً لأن الناس في حاجة الى التنقّل والعمل. ويعترف بأن إخراج الناس من شوارع مدن لبنان وقراه يحتاج الى إعطائهم “شيئاً” كبيراً. طبعاً ليس العهد ورأسه هو هذا الشيء ولا حلّ مجلس النواب، بل هو واحد من اثنين الأول إجراء تعديل حكومي واسع والآخر تأليف حكومة جديدة ولكن غير “تكنوقراطية”. والأفضلية هي للتعديل. ويشير هنا هؤلاء المتابعون الى أن بحثاً جرى الأسبوع الماضي (ربما في نصفه الأول) في تعديل حكومي يدخل بموجبه أربعة مسيحيون الى الحكومة بدلاً من وزراء “القوات” المستقيلين، ويُستبدل فيها الوزيران باسيل ويوسف فنيانوس بآخريْن من الخطيْن السياسييْن لهما. أما المسلمون فيخرج من وزرائهم أربعة والبعض يقول ستة أبرزهم وائل أبو فاعور وجمال الجراح ومحمد شقير وعلي حسن خليل ويوزّر مكانهم أناس من “خطوطهم” السياسية. مشروع التعديل هذا قبله الرئيس عون نهار ذلك اليوم، لكنه بدّل رأيه بتأثير من باسيل. وفي أي حال تفيد المعلومات الواردة من “بيت الوسط” في اليومين الماضيين أن بحثاً بين سيّده وشركائه في الخارجيْن الداخلي و”الخارجي” في “الشيء” الكبير يجرى. فهل الرئيس سعد الحريري يعمل لتعديل حكومة أو لاستقالة تمهيداً لتأليف أخرى؟ في بعض محيطه أصوات سمع اللبنانيون بعضها على شاشات التلفزيون قبل يومين. وبعد اجتماع “رسمي” طويل لـ”تيار المستقبل”، تحبّذ استقالة الحكومة أو بالأحرى أن تكون الحكومة أو بعضها ثمناً أولياً لخروج الناس من الشوارع. وسمع في المحيط نفسه بعض آخر منهم معلومات تفيد أن “التيار” محشور جداً شعبياً، وأنه لم يعد يستطيع السكوت على الفساد أو التغطية عليه، وعلى المشاركين فيه من جماعته. وسُمع أيضاً أن ملفات فساد ضخمة أدخلت الى الاجتماع ودار حولها نقاش جدّي وحادّ. أي حل يختار الحريري التعديل أو التجديد الحكوميَّيْن؟

تفيد معلومات متابعي “بيت الوسط” عن قرب أنه “خُطِفَ” مرة ودُفِع الى الاستقالة من خارج لبنان. ثم أعادته فرنسا بمبادرة من رئيسها مع الخاطف نصحه بالقيام بها مرجع كبير جداً في دولة صديقة للأخير. وتفيد أيضاً أنه الآن محاصر بطلب أميركي وفرنسي وأوروبي بعدم الاستقالة والعمل في الوقت نفسه لحل مشكلات تعيد الناس الى أشغالهم وبيوتهم بعدما أخرجتهم منها الى الشارع. ويلوّح أصحاب الطلب بأن “أي طلب مساعدة” سواءً لتنفيذ “سيدر” أو أي شيء آخر لن يُلبّى إذا لم يوقّعه رئيس الحكومة الحريري. وتفيد أخيراً أنه محاصر بطلب داخلي للبقاء في موقعه من صاحبيه أو شريكيه عون وباسيل وربما “الحزب”. علماً أن هذا الموقف الموحّد على تناقضهم ربما يلاقي صدى عند الحريري خوفاً من أن لا يعود الى السرايا على رأس حكومة جديدة.

في النهاية لا بد من المرور على مسألة التدخل السياسي الداخلي والخارجي والاقليمي في التحرّك الشعبي الأكبر في تاريخ لبنان الحديث. وما يُقال في هذا المجال يشير الى أن تحرّك “حزب الله” المعبّر عن تزايد القلق هو خشيته (وهو يقول تأكده) من استخدام “التحرّك” لاخراجه من السلطة، ولضرب دوره السياسي – العسكري – الاقليمي في لبنان مثلما حصل مع سوريا الأسد عام 2005، أو مثلما أخرج من السلطة عام 2006 مع “أمل” وممثل الرئيس لحود. و”الموقف هذا النهار” لا يمتلك معطيات تؤكد التدخل أو تنفيه، ولذلك فإن تعليقه الموضوعي سيقتصر على أسلوب مواجهة هذا الاستهداف بنجاح اليوم مثلما فعل في السابق. فوجع المتظاهرين قبل 11 أو 12 يوماً هو وجع شعبه الذي نزل بعضه الى الشارع ووجع بيئته الحاضنة بمعظمها. وإزالة هذا الوجع تكون باجراءات جديّة حكومية وبواسطة مسؤولين أكفّاء ونظيفين أي غير فاسدين في كل المؤسسات الدستورية وغير الدستورية. لكن هناك مصدر خطر دائم يعرفه “الحزب” بالتأكيد ويعرفه اللبنانيون على تناقض “شعوبهم”، وهو الاختلاف السياسي على النظام وعلى الدستور وعلى الصلاحيات وعلى نوعية الدولة مدنية أم دينية، مركزية أم فيديرالية… وما لم يتم حلّ هذا الاختلاف الذي يخلق هواجس مطلبية بل مخاوف عند أبناء “الشعوب” كلها فإن “حزب الله” سيبقى معرّضاً باعتباره الأقوى الآن الى الاستهداف من الخارج مع الاستعانة بالداخل. كما أن غيره من الأقوياء وإن كانوا أقل منه قوّة سيُستهدفون بعد ازدياد قوتهم وسيُستعملون لتنفيذ أجندات خارجية وهم يعتقدون أنها ستحمي شعوبهم في الداخل. ويدل ذلك على أنهم لم يتعلموا. لكن محبّي “الحزب” لتحريره لبنان من احتلال إسرائيلي دام 22 سنة يتمنّون أن يتصرّف انطلاقاً من هذه الحقيقة التي يعرفها. فهل يفعل؟

اضف رد