يحيى جابر يواصل جولته على أطياف المجتمع اللبناني… كوميديا

مونودراما مسرحية بلكنة محلية شعبية

كاتيا الطويل  الأربعاء 15 مايو 2019 16:00

من العرض المونودرامي”شو…ها” (اندبندنت عربية)

يتألّق الشاعر والمسرحيّ والصحافيّ اللبنانيّ يحيى جابر مجدّدًا عبر مسرحيّته “شو… ها” (مسرح فردان – بيروت) التي تقع ضمن سلسلة مسرحيّات أرادها رسمًا لفسيفساء الهويّة اللبنانيّة المعاصرة بكافة أطيافها وطوائفها. فبعد “ابتسم أنت لبنانيّ”، و”من كفرشيما للمدفون”، و”بيروت فوق الشجرة”، و”بيروت الطريق الجديدة”، مرورًا بـ “مجدّرة حمرا”، يقدّم جابر نصًّا متوهّجًا متينًا يُبرز خصائص الهويّة الشيعيّة البيروتيّة “شو ها”. فعبر شخصيّته الوحيدة حسين قاووق، ابن علي قاووق، بائع الفول النازح من كفررمّان إلى الضاحية الجنوبيّة، يسلّط جابر الضوء على يوميّات عائلة تنتمي إلى الطائفة الشيعيّة، موظّفًا الكلمات والتعابير والمجريات لخدمة مرسلته ألا وهي نقل حال عائلة شيعيّة عاديّة.

اعتمد يحيى جابر المعروف بنزعته العلمانية، المونودراما لنقل صورة حقيقيّة للمجتمع البلدي بأخباره المضحكة وعاداته المتجذّرة وقصصه وتعابيره وطرق تفكيره والديناميكيّات التي تحرّكه. والمونودراما فنّ من فنون المسرح ازدهر في العصر الحديث في أوروبّا وبخاصّة بعد نشوب الحرب العالميّة الثانية، وهو قائم على وجود شخصيّة واحدة على المسرح تتحدّث بشكل مباشر مستعيدةً ماضيها وقصصها، وناقلة هواجسها ومخاوفها ووجدانيّتها على خشبة المسرح. وبينما تبحث شخصيّة المونودراما عن مخلّص أحيانًا، تظهر شخصيّة حسين قاووق شخصيّةَ شابّ لا ينتظر من يخلّصه إنّما من يستمع إليه. حسين قاووق شابّ لا يريد سوى أن يحملنا معه إلى مجتمعه وأهله على متن ذكرياته المضحكة الظريفة. فهل نقبل التحدّي؟

المتلصّص الهادئ

ملصق المسرحية (اندبندنت عربية)

يعتمد جابر على تقنيّة المونودراما، أيّ الشخصيّة الوحيدة على خشبة المسرح، لينقل بدقّة خصائص الشخصيّة المقصودة. فجابر هو الكاتب والمخرج المتلصّص: يراقب، يتأمّل، يدوّن، ثمّ ينقل بدقّة وحنكة وطرافة الحياة اليوميّة للفرد الشيعيّ وعبره الحياة اليوميّة للمجتمع بأسره. فيكتشف الجمهور قصصًا ونكاتًا مستمدّة من واقع الحياة الشيعيّة اليوميّة. يتابع الجمهور تفاصيل هذه الحياة بصعابها وهفواتها وخصائصها. فينتقل من المدرسة إلى البيت، ومن الضاحية إلى كفررمّان، يعاين المشاكل الداخليّة للعائلة الواحدة كما يعاين الانقسامات السياسيّة التي ترزح تحتها الطائفة: الانقسامات بين الحزب والحركة، الانقسامات بين الشيعة والجيش، الانقسامات بين شيعة الجنوب وشيعة بعلبكّ، بين شيعة لبنان وشيعة ميشيغن في الولايات المتّحدة الأميركيّة؛ وذلك كلّه في إطار باهر من الكوميديا السوداء الظريفة الساخرة. ويحترم جابر في نصّه الخصائص اللغويّة لهذه الفئة من المجتمع، هو الذي اختار أن يتناولها بمختلف تجلّياتها، فيستعمل في نصّه تعابير تختصّ بها الطائفة الشيعيّة كمثل “بلاعيط؛ ريتني موت؛ علي مدد” وغيرها، كما لا يتوانى عن التعمّق في الطائفة ومنحها تصنيفات إنّما هي تمنحها لنفسها: “نحني طايفة بتعطش”؛ “نحني طايفة بتحبّ الألوان”؛ “نحني محلّ ما منمرق منبرق”.

البطل العاشق

قدّم جابر نصًّا جميلاً متماسكًا اعتمد فيه حقلاً معجميًّا ظريفًا وقصصًا تعكس الحياة الشيعيّة بأدقّ تفاصيلها، فانتقل الجمهور في رحلة جميلة عبر ذكريات حسين قاووق ابتداءً من قصصه في المدرسة إلى قصّة حبّه لماريّا المسيحيّة، فقيادته المتهوّرة للسيّارة، فنزهاته مع عائلته وغيرها من الأمور. وقد نقل جابر هذه الحوادث كلّها بدقّة وصدق محنّك وأمانة لا تخلو من الظرف والخفّة. ويبقى المجهود الرائع للممثّل الشابّ حسين قاووق الذي تمكّن من أداء دوره بشكل متميّز ومشرق. فقد أدّى حسين قاووق دوره بمهارة عالية، وتمكّن من السيطرة على تعابير وجهه وعلى حركة جسمه من دون أن يخسر ولو لحظة واحدة اهتمام جمهوره. فامتلك قاووق خشبة المسرح بأسرها على الرغم من غياب الديكور أو أيّة حركة في الإضاءة قد تزيل عنه شيئًا من العبء. وقد أتقن قاووق تغيير تعابير وجهه والتلاعب بنبرة صوته مع تغيّر الحالات والشخصيّات والذكريات التي يستعيدها. ففي مشهد واحد تمكّن من تقليد الأم والأب والجدّ والجدّة والولد والكلب حتّى، وذلك كلّه بحرفيّة لا مثيل لها.

ومنذ اللحظة الأولى لاعتلائه خشبة المسرح حتّى لحظة نزوله عنها، تمكّن قاووق من استقطاب اهتمام الجمهور، وذلك بحركته الخفيفة ولهجته الطريفة وقدرته الجميلة على الحفاظ على انجذاب الجمهور إليه. وإلى جانب تعابير وجهه وجماليّة تمثيله وحركته على المسرح، تمكّن قاووق من ملء بعض الفراغات النصّيّة بغناء رافقته الموسيقى أحيانًا وغابت عنه في أحيان أخرى وذلك بسلاسة وظرافة وخفّة جميلة. فامتزج النصّ بالغناء بالتمثيل لتكون النتيجة عرضًا ثريًّا متينًا متماسكًا يشفي الغليل.

وبغياب الديكور ركّز الجمهور اهتمامه على حسين قاووق وحده. فخلا المسرح من الديكور عمومًا إلاّ من طاولة عليها إبريق، وكنبة. كنبة جعلت المسرح يبدو كصالون يتلقّى فيه حسين قاووق زيارة أصحابه، أو عيادة طبيب نفسيّ يجلس فيها حسين ليستعرض ماضيه وحاضره ويكشف خفايا روحه وهويّته.

“شو ها” مسرحيّة كوميديّة جميلة اختار أن يبرز فيها يحيى جابر خصائص اجتماعيّة للهويّة الشيعيّة الطيّبة المضحكة بأخبارها وقصصها وعاداتها وطرق تفكيرها ومخيّلتها التي تميل دومًا إلى تخيّل الأسوأ. “شو ها” مونودراما الطائفة التي تفضح من الداخل طائفةً نازحةً عانت كثيرًا في تاريخها ولكنّها بذلك لا تختلف كثيرًا عن الطوائف اللبنانيّة الأخرى.المزيد عن:مسرح شعبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*