الرئيسية / home slide / ياسمينة خضرا يفكك آليات الإرهابيين المهاجرين وأفكارهم

ياسمينة خضرا يفكك آليات الإرهابيين المهاجرين وأفكارهم

“خليل” المتطرف ينتقم من الجماعة الظلامية عندما يكتشف خداعها

سلمان زين الدين الاثنين 2 نوفمبر 2020 16:34

الكاتب الجزائري الفرنكوفوني ياسمينة خضرا (دار نوفل)

منذ استشرائها في غير منطقة من العالم، شكّلت ظاهرة الإرهاب بؤرة اهتمام للرواية العالمية والعربية، تمخّضت عنها عشرات الروايات حول العالم، راحت تعالج هذه الظاهرة من مختلف جوانبها، إلى حدّ يمكن الحديث عن مكتبة روائية، تتخذ من الإرهاب مادة أولية لها. ولعل رواية “خليل” بالفرنسية، للروائي الجزائري ياسمينة خضرا، الصادرة حديثاً في ترجمة عربية عن دار نوفل، هي من الروايات الجديدة التي تطرح سؤال الإرهاب، في أوروبا وتحديداً في بلجيكا العام 2015. فما الذي يرويه خضرا في روايته؟ وكيف يفعل ذلك؟

في ماهية السرد، يتناول الكاتب الآليات التي تعتمدها الجماعات المتطرفة في اختيار إرهابييها، وإعدادهم للمهام المنوطة بهم، ومتابعتهم حتى الانتهاء من تنفيذها. هذه الآليات تجري ترجمتها في الرواية من خلال شخصية خليل المحورية فيها، والشخصيات الأخرى التي يتعالق معها، بشكل أو بآخر. فخليل الذي يقع الاختيار عليه، شاب مغربي مقيمٌ في بروكسل. ينشأ في أسرة فقيرة، مفككة. الأب فيها مقامر، سكّير، تربطه به علاقة متوترة. والأم مسكينة، مغلوبة على أمرها، تخضع لتسلّط الزوج، فتتسلّط على أولادها. والأخت الكبرى يفوتها قطار الزواج، فتتردى في مشكلاتها النفسية. والأخت التوأم له، مطلقة، وهي الوحيدة التي يستطيع التفاهم معها. ينقطع عن الدراسة في بداية المرحلة الثانوية تأثراً منه برفيقه إدريس الذي يشكل لاحقاً الطُّعم لاستدراجه إلى براثن الجماعة المتطرفة. لا يزاول أي عمل، ويمضي وقته في التسكّع.

وهكذا، يجتمع عليه الفقر والجهل والبطالة ما يجعله خياراً مناسباً، يسهل ترويضه وغسل دماغه وتدريبه، وتحويله إلى قنبلة موقوتة يمكن تفجيرها في الزمان والمكان المناسبين. لذلك، ما إن يعرض عليه إدريس التردّد إلى الجامع بتشجيع من الياس، وكلاهما من رفاقه، حتى يقبل العرض، وينخرط في حياة دينية، تملأ فراغه، وتمنحه الإحساس بالمعنى، وتحوّله إلى أداة طيّعة في يد أمير الجماعة وشيوخها، ممّن يطلق عليهم تسمية “الإخوان”.

الرواية في الترجمة العربية (دار نوفل)

آليات الجماعة والأفراد

لا يقف دور الجماعة الدينية المتشدّدة عند اختيار أدواتها، بل يتعدّى ذلك إلى “تثقيف” تلك الأدوات، وغسل أدمغتها بالترغيب والترهيب، وتدريبها، وإغداق المال عليها،  ومحاصرتها بالعيون والآذان، وقطع أي صلة لها بالعالم الخارجي، حتى تصبح جاهزة للاستخدام. من هنا، يتبع خليل وإدريس لأمير الجماعة المحلي الياس، صديقهما الذي له عليهما حق الطاعة. يتيح لهما فرصة اللقاء ببعض الشيوخ، فيريان في ذلك تشريفاً لهما. وفي مرحلة لاحقة، يُوضع خليل تحت عين رمضان، البنّاء ومدير الجمعية الخيرية التي تتخذها الجماعة غطاءً لممارسة أنشطتها المشبوهة. ويُعهد إلى هادي، الشاب التونسي، بملازمته في سكنه وحلّه وترحاله، إلى أن يحين موعد تنفيذه المهمة المنوطة به.

من جهة ثانية، يتناول خضرا الآليات التي يمارسها الإرهابي لتغطية ما يقوم به، فخليل يمارس الكذب على أسرته ليبرر غيابه عن المنزل، ويمارس التخفي وينام في العراء لتجنّب القبض عليه. ويمارس التقية فيظهر عكس ما يضمر ليوهم مشغّليه بانصياعه لأوامرهم، ويمر في نوبات من الشك في دوافعهم ومنطلقاتهم، تخمد أحياناً بفعل توجيهاتهم، لكنها لا تلبث أن تستعر في نهاية المطاف لترسم المصير الذي يختاره. هو يسايرهم في المسار الذي يختارونه له ويختار مصيره بنفسه في نهاية الرواية.

في الوقائع الروائية، يُشكّل فشل العملية المركبة التي أُسند تنفيذها إلى كل من خليل وإدريس وإرهابيين آخرين، في “ستاد دو فرانس”، في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، البداية النصّية للرواية. ويتمظهر الفشل في اقتصار عدد الضحايا على قتيل واحد ومجموعة من الجرحى، وفي عدم تمكّن خليل من تفجير حزامه في القطارالسريع رغم ضغطه على الزر مراراً، وفي سقوط ابنة خالته في الانفجار. ويأتي اكتشافه أن شريط الحزام لم يكن موصولاً إلى الزر بل إلى هاتف خلوي ليستنتج أن المشرفين على العملية قاموا بتفجير الإرهابيين الثلاثة بواسطة الهاتف ولم يتركوا لهم تحديد الزمان والمكان، وأنّهم بذلك يريدون توجيه رسالة وليس إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا كما أوهموا الإرهابيين، فيبدأ الشك في منطلقاتهم وأهدافهم يتسرّب إلى نفسه، ويروح يتحرّى عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، وهمه تبرير ذاته أمام أميره الياس والآخرين.

الرواية بطبعتها الفرنسية (دار جوليار)

غير أنّ تحرياته تزيد الشك ولا تزيله. فيتم استدعاؤه للمثول بين يدي الأمير والشيخ اللذين ينجحان في جلاء شكه وإعادته إلى جادة الطاعة، حتى إذا ما قامت  السلطات البلجيكية بالقبض على الإمام صادق وتسليمه إلى السلطات المغربية التي تقوم بالتخلص منه، تتخذ الجماعة قراراً بالثأر له، ويقع خيار التنفيذ على خليل وبرونو الشاب البلجيكي الذي أصبح الأخ زكريا بعد اعتناقه الإسلام، إكراماً لهما. ذلك أن كثيرين يتمنون أن ينالوا هذا الشرف. وتمارس القيادة ديمقراطية مزعومة حين تترك لهما المجال للتفكير والتقرير. غير أنهما سرعان ما يحسمان الأمر، ويوافقان على قبول هذا الشرف الأثيل. وتتظاهر تلك القيادة أنها بموافقتها على تنفيذهما العملية إنما تسدي لهما معروفاً كبيراً. وعليه، تطلب إليهما الاستعداد للسفر إلى مراكش، لتفجير حديقة ماجوريل أو ساحة جامع الفنا، ما يتيح لهما فرصة الصعود إلى الجنة. وبذلك، يتم توظيف الدين في غير ما وضع له، ويتم استغلاله سياسياً والانحراف به عن مقاصده الحقيقية.

كرة الشك

في غمرة الاستعداد للسفر، تتراكم مجموعة من الوقائع الروائية التي تترك تأثيرها في خيارات خليل الشخصية: من مقتل ابنة خالته في التفجير الأول، إلى مقتل أخته التوأم في  الثاني، إلى اكتشاف مشاركته في العملية، إلى رؤيته انتحاري مانيكن – بيس مكبّلاً بالأصفاد، إلى قيام أخته الكبرى بطرده من البيت، وقيام والده بالتبرؤ منه، وقيام صديقه ريان بتعنيفه والابتعاد عنه، ما يؤدي إلى ترجّحه بين الندم والشعور بالذنب، وتضخّم كرة الشك في مشغّليه ودوافعهم ومنطلقاتهم. غير أنه ينجح في إخفاء هذه التحولات عنهم، خوفاً على حياته، ورغبة في تنفيذ ما يفكر فيه تكفيراً عن ذنوبه. لذلك، ما إن تهم المجموعة الإرهابية التي هو في عدادها بتنفيذ عمليتها في مراكش حتى يتم إحباطها والقبض عليهم، بفعل بلاغٍ من مجهول لا تسميه الرواية، غير أن الرسالة التي يتركها خليل لصديقه ريان، قبل مغادرته بروكسل، يستعيد فيها قولاً لصديقه البلجيكي موكا، مفاده أنّ “الواجب الحقيقي هو أن تدع غيرك  يعيش”، ويضيف إليه قوله هو: “وأنا قررت انتظار الربيع”، تكفي للاستنتاج أنه هو ذلك المجهول. وبذلك، يعلن خليل توبته، ويكفّر عن الخطيئة التي ارتكبها.

في روايته، لا يكتفي خضرا برصد آليات الإرهابيين قيادةً وأفراداً، بل هو يقوم بتعريتهم فرداً فرداً، وتفكيك زيفهم ونفاقهم وازدواجيتهم وأساليبهم القذرة. فـ”ثمة من يقاتل، وثمة من يتاجر” (ص 159)، كما يقول إدريس الإرهابي المغرر به. الشيخ يغسل أدمغة الشباب ويغرر بهم ويدفعهم إلى الموت وهو يقيم في فيلا فخمة، ويعيش حياة مرفهة. والأمير الياس يتظاهر بالتدين وهو الطالع من حياة التحلل من القيم الدينية والأخلاقية. ورمضان الأمير المؤقت انتهازي يريد التسلق وتسنم المواقع. وهادي الشاب التونسي “المثقف” يدّعي التدين ويحتفظ بعلبة الواقي الذكري في درجه، ويواقع اللذات على أنواعها، ويفتي بما يشرّع مواقعتها. وخليل نفسه يزعم التقوى، ويرفض مصالحة والده، ويصفه بأبشع الصفات. وهم جميعاً يمارسون إرهابهم تحت يافطة جمعية خيرية. ولا يتورعون عن رمي المحصنات حين ينسبون لفطومة، الطاهية في مطعم الجمعية، قضاء ليلتها مع خليل كدليل على عدم مشاركته في عملية التفجير الأولى.

جِدّة الحكاية وتقليدية الخطاب

 في كيفية السرد، يضع خضرا روايته في ست عشرة وحدة سردية، تتعالق فيما بينها في علاقة خطية. غير أن هذه العلاقة قد تتكسر ضمن الوحدة الواحدة، حين يتحرك السرد بين الوقائع الحاضرة والذكريات الماضية، لوجود قرائن تتيح مثل هذه الحركة. وينجم عن هذا التكسر الداخلي أن تتعارض البداية النصية مع تلك الواقعية، بينما تتطابق النهايتان النصية والواقعية. أمّا ما بين البداية والنهاية، من وقائع وأحداث وذكريات، فيخضع للاعتبارات الروائية الفنية التي يفارق فيها النص الواقع. وهو يُسنِد مهمّة الرواي إلى خليل، بطل الرواية. ولعلّه يفعل ذلك كي يكافئه على تحوّله وتوبته وإسهامه في إنقاذ الكثيرين.

 وإذا كان خليل يحتكر السرد في الرواية لنفسه، فإنّه يتشارك الحوار مع الشخوص الأخرى. وبذلك، تجمع الرواية بين الصوت الواحد في السرد، والأصوات المتعددة في الحوار. وهذه التقنيات جميعها تُمارَس بلغة سردية، تستخدم التراكيب القصيرة والمتوسطة، والمفردات المأنوسة الاستعمال، ما يتيح للنص رشاقته وسهولته الممتنعة. وجملة القول، في كيفية الروي، إننا إزاء خطابٍ روائي، بسيط، تقليدي، يروي حكاية حديثة تنتمي إلى العالم المعاصر. وبذلك، يجمع خضرا بين متضادّين اثنين في روايته، هما: حداثة الماهية وتقليدية الكيفية، أو جِدّة الحكاية، وكلاسيكية الخطاب.المزيد عن:روايةالإرهابالتطرفرواية فرنكوفونيةادب جزائريأوروبابلجيكامراكشاخترنا لكم