“وينن”: لطيفة ملتقى تحوّل الكبر في السن عظمة مُذهلة في الأداء

سمير عطاالله
النهار
27112018

قلّما أشاهد فيلماً جديداً أو قديماً هذه الأيام. فالسينما الكبيرة بالنسبة اليّ عملٌ طقوسيٌّ وليست مجرد تجزيةٍ للوقت، لأن أوقات الفراغ قليلةٌ في أي حال. الأسبوع الماضي شاهدت يوماً بعد آخر، ومن دون أي تخطيطٍ مسبق، فيلمين من تُحَف الأداء التمثيلي. الأول “فيكتوريا وعبدول” الذي أدَّت فيه دور تلك الملكة العظيمة واحدةٌ من ثلاث أو أربع أهم ممثلات عندي، هي جودي دنش. في مثلِ هذه الحالات أضيعُ تماماً عن مسار الفيلم ونقاط الضعف والقوة فيه، لأنني أغرق بصورةٍ عفوية في انبهارٍ شبه تخديري، بصاحبة الدور التي تطغى – ربما من غير قصدٍ على الإطلاق – على جميع مَن حولها في أدوارهم الرئيسية أو الثانوية. وفي ربع القرن الذي عشناه في لندن كنت أذهب إلى المسرح أو السينما لمشاهدة الليدي دنش، من دون أن أسأل سلفاً عن الموضوع أو النص أو الإخراج، مكتفياً بحضور هذه الشخصية المذهلة. طبعاً تقدّمت دنش في السن وتغيّرت أدوارها عاماً بعد عام، من دون أن يتغيّر مكانها في المرتبة الأولى. أو ما فوق الأولى.

تؤدي السيدة دنش دور فيكتوريا في أواخر سنيها، ويقدِّمها لنا المخرج وقد ابيّض شعرها تماماً وتوسعَّت فروقه تحت المشط الخشبي. وما هي إلا ملكةٌ في أي حال، بل سيدة الملكات في العصور الإمبراطورية، غير أنها تضعف هنا أمام عبد الكريم، المسلم الشاب القادم من الهند، تاج المستعمرات. وما بين فروض وأحكام العرش وما بين قلب المرأة، تعوم فيكتوريا مُمَجَدةً في أداءٍ قد لا يحصُد الجوائز، لكنه بالتأكيد يحصُدُ النفوس.

مساء اليوم التالي وبمحض الصدفة نفسها، شاهدت على “إل بي سي أي” فيلم جورج خبّاز “وينن”. شعرت أمام أداء لطيفة ملتقى أنني أكمل حلقةً ثانية من جودي دنش. ها هي الممثلة الكبيرة تحوّل الكبر في السن إلى عظمةٍ مُذهلة في الأداء. لوحةٌ بعد لوحة ترسم لطيفة ملتقى صورة الأم المأسورة في منزلها الصغير ما بين المطبخ والدار، فيما غاب ابنها في مجهولٍ لا نهاية له. الحياة تنقبض إلى مساحة سجنٍ، والإنتظار يملأُ هذا البيت ويملأُ معه كل العالم من حول الأم. ولا يمكن العثور على من يؤدي دور الأب والزوج المسحوق تحت ثقل شجاعته والمُحاط بلوعةِ زوجته، سوى انطوان ملتقى. لطالما التقيا منذ بداية عملهما الريادي في المسرح. فالواقع أن العمل كان حياتهما أيضاً. وبسبب النخبوية فيهما كان نتاجهما خارج التعليم الجامعي قليلاً. ومن الصعب على من كان أستاذاً في المسرح أن يرضى بمستوياتٍ لا تستكمل شروط الإبداع.

في فيلم “وينن” بدا لي أنطوان ولطيفة ملتقى وكأنهما يقدّمان شريطاً عن انجازات العمر. فالجائزة هنا ليست فقط على ما نشاهد، بل أيضاً على ما شاهدنا من أعمالٍ خلال أكثر من نصف قرن. ولسبب أو أسباب لا أعرفها، لم ينل أنطوان ولطيفة شيئاً من حقهما في دنيا الفنون العالية. وربما لذلك اكتفيا بأن يعلّقا بيديهما الأوسمة. وهذا الجزء من فيلم “وينن” كان وشاحاً مذهباً. سوف أتذكره كلما تذكّرت عملاً درامياً رائعاً، أو كلّما تذكرت ظلماً أو مظلوماً، أو كلّما تذكرت هباء الحياة ولعة الأمهات، وتلك المكابرة المحزنة التي يحاولها الأباء، مُمَثّلين بأداء مبهر من انطوان ملتقى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*