الرئيسية / مقالات / ويلكم من الشعب والله؟

ويلكم من الشعب والله؟

هل شاهدتم شريط الرجل الذي تسلل الى المطعم وسرق رغيف شاورما وفرّ هارباً، وسط ذهول الموجودين. وقبلها هل شاهدتم صورة الرجل الذي هاجم المصرف بالفأس في طرابلس، طالباً الحصول على وديعته. ولا بد من أنكم شاهدتم التدافع العنيف على أبواب المصارف في صيدا، بين المنتفضين الصارخين “لن ندفع” ورجل الأمن المسكين، الذي كان حائراً بين غضبين، غضب المودعين في الداخل وغضب المتظاهرين في الخارج، فيما كاد الموظفون المساكين أيضاً ان ينهاروا من الضغوط والحرج.

في المقابل، هل شاهدتم منذ اندلاع الثورة قبل 74 يوماً صورة لواحد من الرؤساء والوزراء والنواب الميامين، فيها ولو ملامح همٍّ وتجهم وقلق، لا والله كل صورهم عابقة بالحبور والضحك وتوزيع الإبتسامات الملائكية، فهم لا يخرجون من إجتماعات تحمل هموم البلد الآخذ في الإنهيار، بل من مسرح الساعة العاشرة، والحقيقة ان لا فرق بين الدولة الغاشية ومسرحيات الكوميديا العبثية.

إذاً ماذا تنتظرون مع بداية السنة الجديدة غير هذا المزيج المتناقض واللامعقول بين دولة الكوميديا وشعب التراجيديا، وهو ما ينزل اليأس القاطع على رؤوس اللبنانيين الذين بدأوا يتحدثون عن مجاعة الحرب العالمية الأولى وبعض اليائسين قهراً ومرارة قد فضّل الإنتحار على المهانة، أو بعض الذين هربوا وارسلوا صورهم وهم يحرقون الهوية اللبنانية، التي مزقها السياسيون قبلهم طبعاً؟

لم يكن أحد في حاجة عملياً الى تحذير وليد جنبلاط، من ان الجبل ولبنان على مشارف مجاعة وان الاقتصاد على باب الإنهيار إن لم يكن قد إنهار، مع ان شهادة جنبلاط يجب ان تشكل إنذاراً قوياً، على الأقل للغارقين في خنادق القتال على تشكيل الحكومة الجديدة، التي لن تستطيع قط ان تجلب فلساً واحداً لبلد أدار ظهره للعالم ليجوع أبناؤه ويسرقوا رغيف شاورما… ويا ويلكم من الله!

قبل جنبلاط كان الرئيس تمام سلام الهادئ يعلن انه لا يجد في البلد نافذة حلٍ أو بصيص أمل، محذّراً من الإنزلاق في مستنقع الإنهيار خلال اشهر، لأن العقلية المتحكمة بالسلطة السياسية مبنية على قاعدة المحاصصات والأنانيات والتسلط والإستئثار وبناء العروش على حساب الشعب.

لكن بات من الواضح الآن ان تسونامي الجوع الذي وصل وبدأ يضرب من الشمال الى الجنوب سيجرف في النهاية كل شيء، الشعب والعروش!

لا معنى للعودة الى إيراد الأرقام عن الأزمة والإنهيار والبطالة ونسبة الفقر، فعندما تداعت مجموعة تضم نحواً من ألف مؤسسة وشركة الى ساحة الثورة في وسط بيروت، وأعلنت عن إقفال ما بين ٥٠٠ و١٠٠٠ مؤسسة شهرياً، وان الأرقام تشير الى ان ٥٦٠ ألف عائلة تعتاش من القطاع الخاص، لم يرف جفن أحد من المسؤولين الغارقين في الخلافات الأبدية على الحصص والأدوار في السلطة التنفيذية، وفي أي بلد من المجاهل كانت تتهاوى الزعامات والحكومات والمسؤولون أمام أرقام مروعة من هذا النوع!

لكن كما تكونون يولى عليكم، وليس لكم سوى أن تتعلموا النصب والإحتيال لسرقة ربطة خبز للأولاد الجائعين، صدقوني ذلك أفضل بكثير من مهازل حديثهم عن إستعادة الأموال المنهوبة، فمن الواضح جداً ان الذين نهبوا لن يقرروا قانونياً وجزائياً اسماء من نهبوا وملياراتهم، وهذا أمر لن يحصل لأن “مافيات الفساد متضامنة في ما بينها” كما قال الرئيس ميشال عون، ولأنها كانت دائماً الدولة التي لا تزال الدولة، التي يوليها اللبنانيون الأذكياء على أنفسهم.

اضف رد