ولَجنا الطريق إلى القاع

عصام الجردي|الجمعة13/09/2019
Almodon.com

مشكلة الحاكم سلامة إنه راهن على السياسة، وسدن نظامًا فاسدًا (Getty)

من بين اقتراحات اللقاء الموسّع الذي عُقد في القصر الجمهوري الإعلان عن “حالة طوارئ اقتصادية”. دستورنا يقول حالة طوارئ، يقررها مجلس الوزراء ضمن القضايا الأساسية التي تحتاج إلى ثلثي عدد أعضاء الحكومة وتقع في المادة 65 بين تعديل الدستور والحرب والسلم. وليس في الدستور حالة طوارئ اقتصادية تحديدًا. مع ذلك، لنا أن نقول، أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، يستدعي أكثر من حالة طوارئ اقتصادية. نحتاج إلى حالة طوارئ بيئية، وطوارئ صحية، وطوارئ تعليمية، وطوارئ طاقوية وكهربائية ومائية. كل قطاعاتنا ومرافقنا الإنسانية والاقتصادية ومواردنا الطبيعية باتت في حاجة إلى أكثر. إلى حركة شعبية إنقاذية. لقد ولجنا نصف الطريق إلى القاع. وهيهات لتجار الهيكل السياسي أن يفعلوا ويُصلحوا. لن يطلقوا النار على رؤوسهم!

ضاع النمو بالعجز والنقد
“نعمل من أجلكما”. كل لبنان يعمل الآن عند وزارة المال لتمويل نفقات كيانات الدولة وديمومتها، وعند مصرف لبنان لتموين احتياطه الصافي المُعسر للدفاع عن سعر صرف الليرة، خشية وقوع “المحظور الأسوأ”. وكلاهما تمويل نفقات الدولة، وتعزيز مكانة النقد، طريقهما اقتصاد ينتج، وينمو ويستولد فرص العمل. والناتج المحلي إلى ركود. نفقات الموازنة الجارية الممولة بالعجز، لا تترك للاستثمار نزرًا. ولبنان في حاجة إلى نمو مطّرد بواقع يراوح بين 5 في المئة و7 حدًا أدنى لسنوات خمس مقبلة، لتغيير المسار المالي، وتحقيق وفر كبير في الحساب الأولي من خارج خدمة الدين. لدينا نحو 173 مليار دولار أميركي ودائع مصرفية. أي أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي من نحو 56 مليار دولار أميركي. الأمر الذي لا تحوزه دول ناشئة كثيرة وتلك المصنفة متوسطة الدخل إلى الناتج. المال موجود. بقي المناخ الاستثماري والاستقرار والسياسات الملائمة. ولبنان في الشريحة العليا منها فوق 10 آلاف دولار أميركي سنويًا بحسب احصاءات صندوق النقد والمصرف الدوليين، بصرف النظر عن تركيبة الرقم الذي يوزع الثروة على تعداد السكان بالتساوي! العدل في التوزيع يزيد من المؤشر ويحرك الاقتصاد.

المشكلة المصاحبة للعجز المالي جزءًا لا يتجزأ، هي نضوب موارد مصرف لبنان. سواءٌ لتثبيت سعر الصرف والدفاع عن الليرة، أم لتمويل استحقاقات الديون التي لم تعد تقتصر على الفوائد، بل وعلى أصل الدين الخارجي مع جنوح بعض المراكز الدائنة إلى تصفيته تحت الضغوط، وارتفاع علاوة التأمين ضد عدم السداد. ولبنان الذي يحمل سمعة موثوقة في هذا المجال بات يواجه صعوبات لشراء العملات الأجنبية للسداد حتى بفوائد أعلى من سعر الفوائد المدينة. ويتعثر الإعلان عن إصدار جديد باليوروبوندز لهذه الأسباب. ما يحصل في سوق القطع اليوم، مقدمات تحتاج إلى معالجة قبل يصبح لدينا سوقان لسعر الصرف. ستاندر أند بورز ركزّت بنحو جائر على احتياط مصرف لبنان الصافي القابل للتصرف. وأخرجت منه التزامات مصرف لبنان تجاه المصارف ودائع وشهادات إيداع وخلافها. واعتبرتها استحقاقات عليه. حتى عمليات السواب مع وزارة المال واليوروبوندز التي يحملها المصرف، طالما أنه لم يتمكن من إعادة طرحها للبيع.

غولدمان ساكس
سياسات المصارف المركزية التقليدية وغير التقليدية، موضع جدل واسع في الغرب منذ فترة. مصرف لبنان استخدم وما زال السياستين معًا لتثبيت سعر الصرف وسداد التزامات الدولة. بيد أن اللافت كانت شهادة الإيداع في مصرف لبنان بنحو مليار و400 مليون دولار أميركي هندستها غولدمان ساكس بالتعاون مع سوسيتيه جنرال – لبنان. ليس التوظيف ولا الفائدة عليه الموضوع. فقط للفت النظر إلى أن غولدمان ساكس، وهي إحدى أكبر المؤسسات المالية الاستثمارية في الولايات المتحدة والعالم، معروفة بتدليس حسابات اليونان قبل انفجار أزمتها المالية. وقد تمكنت بالتواطؤ مع مسؤولين حكوميين في اليونان من إخفاء مليارات الديون قبل انفجار أزمتها. وفي عام 2001، كانت اليونان تبحث عن سبل لإخفاء حقيقة وضعها المالي كي توفّي معايير معاهدة ماستريخت لاكتساب عضوية الاتحاد النقدي الأوروبي ومنطقة اليورو. غولدمان ساكس هي التي تولّت ترتيب قرض سري موارب لليونان من مليارين و800 مليون يورو. وتم تحويل ديون بالعملات الأجنبية عملة محلية بالدراخما. الأمر الذي مكّن الحكومة اليونانية من إخفاء نسبة كبيرة من عجزها المالي. المؤسسة الأميركية من بين المؤسسات التي تدير محافظ ديون الدول الخارجية. أوراق اليوروبوندز اللبنانية شهدت تراجعًا كبيرًا في 2019. وارتفع العائد عليها والتأمين ضد المخاطر. هل استخدمت غولدمان ساكس “استدعاء الهامش” أو ما يسمّى (Margin Call) مع المصرف اللبناني بعد تراجع سعر السندات اللبنانية وتحقيق خسائر على المحفظة؟ “إستدعاء الهامش” يحدث حين تنخفض قيمة حساب هامش المستثمر (أي الحساب الذي يحتوي على أوراق مالية تم شراؤها بأموال مقترضة) عن المبلغ المطلوب للوسيط (وفي هذه الحالة غولدمان ساكس). فيطلب الأخير بأن يقوم المستثمر (المصرف اللبناني حامل سندات الدين) بإيداعه أموالًا نقدية، أو أوراقًا مالية إضافية بحيث يتم رفع الحساب إلى الحدّ الأدنى المطلوب بعد تراجع الأوراق المالية إلى نقطة معينة لتلافي الخسائر. أو يقوم بتصفية السندات.

“بلد منهوب وليس مفلسًا”
حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يدرك تمامًا دور غولدمان ساكس ومثيلاتها من المؤسسات المالية الاستثمارية وأحابيلها. هذا ملعبه أساسًا. يعسوبُه لا يجارى فيه ولا يبارى. لكن حقّ للمواطن أن يسأل ويرتاب من سِجل تلك المؤسسات، وانقضاضها على البلدان البائسة في لحظات محنتها مثل بلدنا. سلامة أعلن حالة الطوارئ النقدية من زمان. تفلُّت الوضع المالي عسّر الوضع النقدي والاقتصاد معًا. مشكلة سلامة إنه جاء متأخرًا، راهن على السياسة، وسدن نظامًا فاسدًا. فغدرته التدفقات النقدية السالبة وعجز ميزان المدفوعات، وما عادت الأرانب تخرج من قبّعة الساحر.

لبنان “بلد منهوب وليس مفلسًا”. هذا ما يردده الناهبون أيضًا، لوازم النظام السياسي الفاسد. ولا يبدو عليهم أي طارئ من الطوارئ الاقتصادية والمالية والنقدية. جديدهم، وقف التموين والغذاء عن الجيش والجند. من قال إننا نبذّر ولا نتقشفّ! موازنة 2020 لن تعوق الانحدار إلى القاع، ما لم تبدأ بامتيازات الـ”أوليغارشيا”. كل الإصلاحات دون ذلك. وهي مستعصية أصلًا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*