الرئيسية / أضواء على / وليم حسواني… تحيةُ وفاء للشاويش المُثَقَّف

وليم حسواني… تحيةُ وفاء للشاويش المُثَقَّف

وليم حسواني.

عندما يستطيعُ ابنُ المَسرح أن يَضُمَّ الرُوّادَ معه في أَوثَقِ حِبال الأنس، وفي أَوكَدِ أسباب الإلفة، يبلغُ عندها ما خامَرَ قلبَه من شَغَفٍ وهَوىً الى النَّجاح. وهو، بالتالي، ليس مُجبَراً كغيرِه على اعتماد الإسعافِ لسُلوك سبيلٍ أَضنى له جَسَدَه، وما خَفّ ذلك عليه. من هنا، يَنظُمُ مقامُ المَواهب أصحابَها على تَبايُنِ طَبقاتهم، وتَفاوُتِ نوعِهم، في مَراتبَ ومَنازلَ تُدَوَّنُ في المَعاجم، لتفصلَ بين مَن يسلكُ المَحالَّ الكريهةَ الأسماء، وبين الحُذّاقِ المُعجِزين.

وليَم حَسواني، الشّاويشُ المُحَبَّبُ الذي يَحنو على الرِقّة لأنّه إبنُ الأرض، مَثَلُه مع جمهوره مَثَلُ الرسّام المُتأَنِّق الذي يَتخيَّرُ أجملَ الأشكال وأدَقَّ الألوان، فتبدو رسومُه لا رَونَقَ فيها عند مَن لا يُفرِّقونَ بينَ العاديِّ والمُتَجاوِز، لكنّها تَظهرُ ثَمينةً عندَ مَن أَلِفَت أَذواقُهم إبداعاتِ الفنون. لذا، فإنّ فَهْمَ النَّفائس يَحتاجُ دوماً الى ثقافةٍ خاصَّة، وذلك ما لا يُتاحُ لأَيٍّ كان، لكنّه يُطَمئِنُ الى أنّ النَّوعيّة في جَمهرةِ المُصَفِّقين، هؤلاء الذين يُشبِهون صيّادي اللُّؤلُؤ، إنّما يقودُها الى ما تَفعلُ، جَيِّدُ التَّقييم الذي يَصِلُ الى الإقتناع الذي يُثيرُ الإعجاب. والفنّانُ الذي أَفردَته عبقريّتُه فدَقَّ فنُّه وسَمَت صنعتُه، من مثل وليم حسواني الذي تَجاوزَ خَطَّ النهاية منذ المحاولة الأولى في ” تَعجيزات” عاصي فكان من الثَّوابت المُنافِسَة في أعمال الرَّحابنة، هو لا يعيش نُسخةً في غُربة، بل يُشادُ بإسمه في الأندية والمَحافل. فالشّاويشُ النَّضِر، البعيدُ الصّيتِ في دقّة الإقتباس، وحَسِنُ الدّيباجة، وحُلوُ المَلفَظ، والغَزيرُ البَحر، وغَنِجُ الحركات، تلتقي عنده أَواصرُ الفنون، تَمثيلاً وتأليفاً ونَظماً وروايةً، ولم تُكلِّف صاحبَها إلاّ التقاطَها من غُروسِ مواهبه.

وليم حَسواني شاعرٌ بالفِطرةِ ومن الطَّبقة العالية، باغَتَته الأرضُ بِفَضِّ عُلبة إلهامه، فاغتذى من عناصرها وتأثّرَت بها إحساساتُه، مؤَكِّداً على ما قالَه “ريفردي” بأنّ في كلّ جَدولٍ أغنيةً تَجري مع الماء. لقد استجابَت لوليم اللغةُ الفُصحى والمَحكيّة فجاء تَعبيرُه المُشرِق فيها من أَظهرِ مميِّزاته، وكذلك جودةُ الرَّصف وحُسنُ النَّظم. وهذا يعني أنْ ليس في تآليفه فكرةٌ يَحوطُها اللَّبس، فالسّهولة والوضوحُ عنوانا لغته، هذه التي لا يعتريها ضعفٌ ولا التواء. إنّ كلامه أَخَفُّ على القلوب من نَسمةِ العطر، فهو يُبلغُنا أنّه أراد أن يقدِّم لقُرّائه أدباً لطيفَ الحسّ، يُلبّي الدَّعوةَ الى سَفَرٍ بين القِمَم، ويُرتَشَفُ كيفَ يكونُ شُغلُ القلب. وهذه ليست بِدعةً، كَوجناتٍ تُذيبُها القُبَل، إنّما هي مَلاحَةٌ مُرَنَّمَة ومِلاحةٌ في تَغريدِ الوَجد. فالشِّعرُ ليس قَدّاً يُفتَدى بِمَيَسانِه، ولا سَقَماً يَرتجي الصَّباحة، إنّه زَهرٌ مُمتَنِعُ القَطفِ على الذين لم تَينَع في أَكُفِّهم رِقَّةُ الطَّلَب.

البلاغةُ مع وليم حسواني لَحنٌ شَرقيّ يُذاقُ بِطول السَّمع، ولكن من دون مِقياسٍ ضابِط، فالصّورةُ لم يطلبْها لذاتِها بل تُعرَضُ تلقائياً وفقَ سَيرِ الكلام، كما النَّشوةُ التي تتبدّى فوق الوَجنات كلّما لَفَحَتِ النَّفسَ نسائمُ الهوى. من هنا، لم يُسَهِّر وليم ذِهنَه باحثاً عن جَمال، هذا الذي يَستَوحِشُ بعيداً عنه، فما كان أبداً معه عِزّاً مَفقوداً. وحسواني يَذوبُ روحُه عندما يُناجيه الجَمال، ولا يلهو عمّا فيه من نعيمِ الحَواس، هذه التي لم تَنَم عنها جُفونُ الأُنس، فما كانَ حَراماً عليها اللذّةُ والنَّشوة. والخيالُ معه لم يكن دوّامةً خاضعةً لقانون الجاذبيّة، إنّما هو طاقةٌ لا تنضب، تُحَلِّق براحةٍ وحريّة، وكأنّها من عوالِمَ غيرِ عالمِنا، وتتحرَّكُ فتكتبُ خُطاها قصيدة.

الواقعيّةُ فَعّالَةُ الحقيقة، كانت عالَمَ وليم، ففي فِقراته إنطباعيّةٌ تُنجِزُ تحليلاً دقيقاً لِحوادث الأيام وأطباعِ النّاس، هؤلاء الذين كانت أنفاسُهم تدخل نفسَه. وقد تجاوزت مقطوعاتُه سياسةَ المُحاضرات ومُجرَّدَ الدَلِّ على الخطأ والصَّواب، والحَلالِ والحَرام، والخَير والشَرّ، وهذا ما لا يَخفى على أَحَد، لتَصِلَ الى العِبرة، وفي ذلك مَهَمَّةٌ شاقَّة. وبالرَّغم من أنّ الإنسانَ لم يَفُتهُ التَرَقّي، فمن الصّعوبةِ بمكان الوصولُ الى الجوانب المُظلِمَة في ذِهنه، لتُصيبَ هذه بالعِبرةِ نصيباً غيرَ قليل من فَضل النّور. لكنّ وليم، لم تَبِنِ الصّفرةُ في شِعره النَّقدي عندما عَزَمَ على ضَربِ عُنقِ الخطأ، وقد أَهَّبَ عزيمتَهُ الأَقسى من الصَّخر والأَمضى من السَّيف، لتُواجهَ ما تَداعى من القِيَم وتدعوَ الى لِبسِ ما يختلطُ بأجزاء النَّفس من أثواب الحقّ والصَّلاح. فجاءَت رُقَعُه مُحاوَلةً لإيقاظ الضمائر الخامِدَة، علَّها تُوجِمُ وتَخجلُ وتَرفَضُّ عَرَقاً لِما امتلكها من سَيِّئ الطِّباع وشَرِّ المِسالك. وهو في كلّ ذلك، لم يكن سورياليّاً، لأنّ وجدانَه الذي تتراجعُ فيه أصداءُ الوجع الإنساني، عايَنَ الأَقفال الصَّفيقة، لكنّه، كما “لويس أراغون”، لم يجعلها تَحولُ دون فتح الأبواب على ضياءِ الشَّمس.

وليم حَسواني، وإن اختَلَفَ مع أكثرينَ في الخَيار السياسي، وهذا حقٌ ديمقراطيٌّ مَشهود، غير أنّ وطنيَّته ذاتَ البُنية الموضوعيّة تُلزِمُ أن تُحنى الجِباه في حَضرتِها. فالوطنُ في ذهنه ليس لَغزاً إنّما ارتقابٌ مُزَيَّنٌ بالأمل، والوطنيّةُ معه ليست صورةً صامتةً على جِدار، ولا هي قَرضٌ يمكنُ استيفاؤُه بين يومٍ ويوم، أو كِلفةٌ تَجثمُ على القلوب، إنّها سَهمٌ يُحدِّدُ الإتّجاهَ الواحدَ الموصِلَ الى التَّماهي مع الوطن. من هنا، فالوطنيّةُ أَطيَبُ غناءٍ يُؤَدّى، وأَبهى فنون القَول في طَبعةِ العلاقة بين المُواطِن وأرضه. وحسواني لا يُداري في هذا الأمر، فعلى مسرح الوطنيّة الكُلُّ بَطَل، أمّا الدَّورُ الثانويّ فهو خِيانة. والوطنيّةُ تسري مَسرى عزَّة النَّفس معه، فكأنّه شَجرةٌ فَصلُ عُودِها خُلق، لذا لم يُدارِ وليم أعيانَ المَجالس، ولم يُهرِق ماء وجهه في بَلاطات أركان النُّفوذ، ولم يمنَحْهم قريحَته ثناءً، فجلالةُ روحِه شاهِدٌ على سيرته التي دَوَّنَت أسفاراً في عِشقِ الكرامة.

لم يكن التَّعليم مع وليم مهنةً أو تجارة، إنّه رغبةُ إشراكِ الغير بالبحثِ عن المعرفة لإنقاذ العقل من الخُذلانِ بالجَهل. أو هو التَّطهيرُ من الإخفاق في السَّعي لوجودٍ أسمى، يفجِّرُ ينبوعاً مباشِراً للإدراك. هكذا كانت مُقاربةُ الأستاذ للرسالة، وهكذا توبِعَت معه مديراً ومالِكاً لمؤسّسات تربوية. إنّ فنَّ التَّعليم مع وليم حسواني تأثيرٌ لوَجدانٍ في وجدانٍ آخر، لذلك هو سَليلُ فنّ الأخلاق، إذ تدخلُ في هندسته أُسُس القِيَم فتجعلُه مُنبَسَطاً لحُضور الحقيقة، فتقصُرُ المسافةُ بين الله والعقل. أمّا نَهجُ الأستاذ الذي لا يُسَلِّم إلاّ بالفِكر، وهو السّلوكُ الذكيُّ الشَيِّقُ والقائمُ على التَّحفيز، فإنّه يُحرِّرُ من الآليّة والرَّتابة، ويفتحُ خزانةَ المعارف، وهي ثروةُ حسواني، ليغرفَ منها كلُّ مُكتسِب.

أستاذ وليم، أنتَ حلَّقتَ من دون دَويّ، بحِرَفيّتك وطراوتك وإدراكاتك وصِلَة القُربى مع الإبتكار وحميد الأخلاق. لقد تسرَّبتَ الى جَوّ الجَمال في الفنّ، قبل أن يَخطرَ في بالِه أنه مُستَهدَف، فتلمَّستَ أروِقتَه، ولم يُخِفكَ ارتفاعُ بُرجِه، واستطعتَ أن تُعدِّلَ في وَضع القُطَعِ فوق رُقعتِه. يا صديقي، أنتَ قيمةٌ مُضافَةٌ في الفنّ المُبتَكِر ولستَ فيه مَجالاً خَلفيّاً، ويَصحُّ فيكَ أنّ ضِلعَ المُثَلَّث لا يفيدُ شيئاً في المجموعة، إذا لم يُعتَبَر قاطِعاً في مُثَلَّثٍ جديد.

رحمَكَ الله وتَقَبَّلَكَ في غمرةِ يدَيه.

اضف رد