الرئيسية / مقالات / وليمة الضِباع

وليمة الضِباع

 الياس خوري 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
10032020

«هل سبق لك أن رأيت ضبعاً»؟ سألني.
«أنا أقيم في بيروت، فكيف لي أن أرى ضبعاً»؟
قال إنه رأى مجموعة من الضباع، وإنه خاف من ضحكاتها.
«أين»؟ سألته.
«هنا في بيروت»، أجابني.
«مستحيل»، قلت.
وبدلاً من أن يروي متى رأى هذه الضباع، استرسل في وصف ضحكة الضباع التي تثير التقزز والرعب.
«هل تضحك الضباع»؟ سألته، «ما أعرفه هو أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يضحك».
«هذا الحيوان يشبه الإنسان في خاصية واحدة هي الضحك، أما الإنسان فإنه يستطيع أن يشبه الضبع في كثير من الأشياء»، قال.
في سوبر ماركت في بيروت، حيث كان جميع العاملات والعاملين يلبسون الأقنعة ويضعون قفازات مطاطية خوفاً من التلوث الكوروني، التقيت رجلاً في الخمسين من عمره. كان يقف مثلي أمام رفوف البضائع، يتأمل في الأسعار التي ترتفع بشكل صاروخي، يهزّ رأسه قبل أن يتراجع إلى الوراء. وعندما سمع شكواي من الغلاء الفاحش التفت صوبي وسألني عن الضبع.
كنت أريد أن أقول له إنني أعرف الكثير من الحكايات حول طباع الضباع، وخصوصاً تلك الأسطورة المخيفة عن الضبع الذي يبول على ذيله ثم يضرب فريسته البشرية به، فيفقد الإنسان وعيه، ويسير خلف الضبع إلى المغارة حيث يلقى حتفه.
«هل تريد أن تقول إن الشعب اللبناني مضبوع، أنا لا أحب هذه الاستعارات، ونحن في ثورة، ولسنا مضبوعين كما يظن من يحكمنا ويعتقد أنه يستحكم بنا».
قال الرجل إنه لا يتكلم بشكل رمزي، بل يتكلم عن تجربة عاشها.
قال إن بيروت مليئة بالضباع، وإنه يسمع ضحكاتها، فالضبع لا يضحك إلا بعد أن يقتل فريسته أو يعثر على جيفة حيوان ميت.
قال إن مملكة الضبع هي الليل، فهذا الحيوان الذي يشبه ذئباً أعرج، لا يخرج من أوكاره إلا ليلاً، يحتمي بالعتمة كي يقيم وليمته الضاحكة.
«لكن هنا يا أستاذ، هنا في بيروت خرجت الضباع في وضح النهار، وهي تجول في المدينة، وضحكاتها مسموعة في كل مكان، ألا تسمعها، إنني أسمعها الآن، ركّز معي، وستسمع».
بدا لي وكأن الرجل فقد عقله، وأنه مصاب برهاب الضباع. أنا لست محللاً نفسياً كي أجد العلاقة الخفية التي تربط انتشار وباء الكورونا برهاب الضبع، أو كي اكتشف العلاقة بين الفيروس المستجد، كما يسمونه، وبين الانهيار اللبناني الذي أعلنه البروفيسور حسّان دياب مساء السبت 7 آذار-مارس 2020، على شاشة التلفزيون.
والله لقد أذهلني البروفيسور بفصاحته وقدرته على تركيب الجمل من دون أخطاء لافتة، وخصوصاً عبارته عن الفجور، لكن الجميل كان الإخراج التلفزيوني للحلقة. وقف البروفيسور كأنه يلقي محاضرة في الجامعة، وأمامه جلس الوزراء كالطلاب يستمعون إلى خطابه الذي سبق لهم أن قرأوه. لكن معرفة الوزيرات والوزراء بمضمون الخطاب لم تستطع أن تحجب إعجابهم بالبروفيسور، الذي ما إن انتهى من خطابه حتى علا تصفيق أعضاء حكومة لا تجد من يصفق لها فتصفق لنفسها.
قال البروفيسور إن الدولة لن تدفع مستحقات اليورو بوندز، سرق أحد شعارات الانتفاضة، كي يلغي كل شعاراتها الأخرى. وكانت كلمته المفتاحية هي الفساد، وتحدث عن خطط لإنقاذ الاقتصاد، لكنه قال إن خططه ليست جاهزة وعلينا أن ننتظر.
كلمة فساد بدأت تصيبني بالحساسية، فهي كلمة فارغة من المضمون هدفها تغطية الحقيقة التي لها اسم واحد هي السرقة والنهب. كلمة فساد تعفي اللصوص من المسؤولية، لأنهم سيقولون إن المجتمع بأسره فاسد، لكن كلمة نهب وسرقة تعني أن هناك لصوصاً يجب أن يحاكموا ويدفعوا الثمن ويردوا الأموال التي كدّسوها.
هذه هي لعبة التنعّج التي تلعبها حكومة التكنوقراط والظلال.
السلطة الفعلية لم تسمح لدياب بأن ينسب «تعليق» الدفع إلى نفسه أو حكومته. ففي الصباح اجتمع الرئيسان عون وبري إلى دياب وأبلغوه القرار، وكلفوه بالديباجة.
نظام النهب المستدام هو من قرر، وحكومة الظلال كتبت الصيغة، وكانت الصيغة ملائمة للضباع المفترسة. فحجب حقيقة المنهبة العمومية التي نظمتها الطبقة الأوليغارشية الحاكمة وبقايا أمراء الحرب، هو الموضوع.
أما كيف يخرج لبنان من الكارثة فسيكون ذلك عبر إجراءات مؤلمة. أي علينا أن ننتظر ألماً فوق هذا الألم!
يبدو أن الضباع اختبأت خلف الحكومة وضبعت أعضاءها.
قلت للرجل إن حكاية ذيل الضبع أسطورة، ولا لزوم للذهاب بعيداً في المقارنات.
لكن الرجل كان كمن لا يبالي بما أقول، ولم يعنِ له كلامي شيئاً.
قال إنه يستمع إلى ضحكات الضباع التي تقضم عظامنا، وعليّ أن أسمع أصواتها كي أفهم ما يجري.
«وماذا لو اختلفت الضباع وتعاركت أمام الفريسة»؟ سألته.
فوجئ الرجل بسؤالي، قال إن الضبع حيوان خسيس، وخسته تمنعه من التصرف كالسباع.
«لكنها اختلفت وستختلف»، قلت له إن الأصوات التي يسمعها في بيروت هي أصوات استعدادات الضباع للعراك، لأن ما تبقى من الفريسة لم يعد كافياً لإشباع نهمها.
«وماذا نفعل»، سألني.
«لا أعرف»، أجبته.
«هل نكتفي بالتفرج عليها»؟
«لكنها ستقتلنا، لأننا نحن الضحية والشاهد في آن معاً»، أجبته.
«نقتلها»، قال، «علينا أن نقتلها قبل أن تقتلنا، ولكن كيف، والله لا أعرف».
«تستمر الثورة حتى إسقاطها»، قلت.
«لكن الكورونا! هل نستطيع أن نصنع ثورة في زمن الكورونا»؟ قال.
مدّ الرجل يده مصافحاً، وقبل أن تصل إليه يدي سحب يده.
«أعتذر، يجب أن لا يصافح بعضنا بعضاً في زمن الكورونا».
وسمعته يضحك بشكل غريب، وأصبت بالقشعريرة، قبل أن أفهم أن ضباعنا التي توحي لنا بأنها تضحك، هي ضباع تحفر قبورها بأذيالها.

اضف رد