الرئيسية / home slide / وليد إخلاصي… راوي حلب أغمض عينيه

وليد إخلاصي… راوي حلب أغمض عينيه

مثلما كان خير الدين الأسدي حارساً لتاريخ مدينة حلب في موسوعته المشهورة، كان وليد إخلاصي (1935 ــ 2022/ الصورة) حارساً للمخيّلة الحلبية في أطيافها المتعددة، وكأنّ لكل مدينة راويها الذي لا ينام. يتفقد رائحة أزقتها وحجارتها القديمة وقدودها الموسيقية. ولكن كيف لخبير الأقطان الذي درس الهندسة الزراعية في جامعة الإسكندرية أن يحتضن كل هذه الألفة؟ كان الأسدي ظلّاً لقلعة المدينة، وكتفاً يتكئ عليه الآخرون، إذ لطالما احتضن أجيالاً من المثقفين مثل أبٍ روحي للجميع، حتى بالنسبة للعابرين، إذ لن تكتمل زيارة المدينة من دون أن تلتقي صاحب «أحزان الرماد» الذي كان يعقد يومياً ما يشبه المائدة المستديرة في مقهى «القصر» قبل هدمه. بغليونه كان ينفث ذكرياته وأشجانه وأفكاره، منذ أن غادرت عائلته لواء إسكندرون مروراً بحمص وحماة ووصولاً إلى حلب، تبعاً لعمل والده في الأوقاف. لكن هذه النشأة الدينية بكنف أب أزهري وضعته في مقامٍ آخر، فقد كان الأب تنويرياً، ينصت بمزاج واحد إلى تلاوة القرآن والقدود الحلبية وموسيقى باخ وموزار، وهذا ما سيختزنه الفتى بعمق، قبل أن يكتشف كنوز «دار الكتب الوطنية»، ويغامر بقراءة جان جاك روسو، وهوميروس وابن حزم، وأبي حيّان التوحيدي، والاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية التي كانت تبثها الإذاعة المصرية، كما سيضمه فاتح المدرّس إلى فرقة المسرح في المدرسة. خصوبة مبكرة قادته إلى كلية الطب في دمشق، لكنه لم يستسغ «قاعة التشريح»، فنفر منها لدراسة الهندسة الزراعية في جامعة الإسكندرية، على أمل أن يفشل في إكمالها ليدرس في كلية الآداب، وإذا به يتمّمها بتفوّق «الميكروسكوب علمني كيمياء المعرفة»، يقول. كانت روايته الأولى «شتاء البحر اليابس» (1965) بمثابة انعطافة وحالة عصيان ضد الرواية التقليدية، مثلما كانت تمرّداً على الأساليب الجاهزة، لجهة التجريب والغرائبية وبتأثير من موجة «الرواية الفرنسية الجديدة» في الاشتغال على الرغبة والاغتراب، فيما ستكون مدينة حلب في معظم أعماله هي الفضاء المكاني، نابذاً فكرة الرواية التاريخية: «أكتب حلب التي أشتهي، وأخترع أبواباً لها، غير موجودة في الواقع، للدخول إلى أسرار المدينة، وفتنتها النائمة، وعمارتها التاريخية، وتحوّلاتها الحديثة».

هكذا، تتأرجح سرديات صاحب «باب الجمر» بين الوجودية من جهة، وفضاء المدينة مشتبكاً مع تناقضاتها، ومنتصراً للحكمة في مواجهة العنف، بتوغله من السطح إلى الجذور، وذلك بمكر سردي واضح لتبرير جرعة الأسى، فيتناوب الحكائي بالمتخيّل، كما في «زهرة الصندل»، و«السيرة الحلبية»، و«دار المتعة» بجماليات بلاغية تميّز فضاءه الروائي عن سواه. على المقلب الآخر، يستثمر وليد إخلاصي سيرته كحارس للمدينة في توضيب المتن السردي بطبقات متعددة لا تخفي مقاصده ومواقفه مما يجري في وللمدينة من انهيارات متتالية. هكذا يضيف «باب الجمر» إلى أبواب حلب المعروفة بقصد ترميم المدينة تخييلياً وأسطورياً وتحقيق كمالها المفقود. «أحرص على الابتعاد عن البلاغة اللفظية والتكرار والإنشاء، لمصلحة الصورة المحسوسة، من دون التخلّي عن البعد الروحاني»، يقول. سنقع إذاً، عملاً وراء آخر على جدارية ضخمة لأقدم مدينة حيّة في العالم، في خلائط حكائية لا تخلو من نفس رومنتيكي وشعرية جوانية تدوزن الإيقاع، وتالياً، سوف يغامر بالانتقال من السيرة الذاتية إلى سيرة المدينة في روايته «السيرة الحلبية» بوصفها خلاصة للتجربة والحلم بآنٍ واحد، فهو يعترف بأن سيرته مبثوثة في نسيج رواياته، قبل أن يدوّنها في كتابه «حلب بورتريه بألوان معتّقة» في مسعى لمزج السيرتين معاً. هنا يحفر صاحب «سمعت صوتاً هاتفاً» في تضاريس المدينة، ليكشف كنوزها وعراقتها وحيويتها المتجددة، مذ كان طفلاً يراقب صخب التظاهرات ضد المستعمر الفرنسي إلى بهجة الاستقلال وزمن الانقلابات العسكرية المتعاقبة ونكبة فلسطين. يرسم بإتقان خريطة مدينة، لطالما كانت ملجأ للعابرين وطريقاً للقوافل. فمدينة سيف الدولة الحمداني كانت بلاطاً للعلماء والشعراء، ولا تزال حجارة القلعة وأسوارها تردد صدى قصائد المتنبي وأبي فراس الحمداني من جهة، ومأساة السهروردي، والنسيمي، ونفي عبد الرحمن الكواكبي من جهة ثانية. وحين يتذكر وليد إخلاصي حي المنصورية الذي نشأ فيه، سيستعير أطياف ذلك الحي في روايته «زهرة الصندل» ويعرّج على الأحداث الدامية التي شهدتها المدينة في بداية الثمانينيات. تكمن أهمية منجز وليد إخلاصي في تعدّد مساربه الإبداعية. فعدا الرواية، كتب القصة القصيرة، وأسهم بجدية في الكتابة للمسرح، واعتنى بجمالية العمارة الحلبية وموسيقاها وملوّنيها، وأعلن مراراً ضرورة التنقيب عن الإبداع، كما يتمّ التنقيب عن البترول. «أنا متعب من الهرولة لكي أكتسب شيئاً جديداً وليس من الركض، فكثير من الأشياء تقترب منها فتبتعد عنك، ويبدو أنَّ هناك مسيرة من القلق هي أحد أسباب تفجّر الطاقات الروحية التي يسمونها «الموهبة» أو الإمكانيات الكتابية، وهذه التي جعلتني معظم سنوات عمري مهتماً بالثقافة ولم أتوصل إلى ما أصبو إليه بعد، وما زلت لهذه اللحظة أنسج على منوال البروفة وأعتبر كل الأعمال التي أنتجتها عبارة عن بروفات كوني صانع بروفات جيداً أكثر من كوني كاتباً جيداً، وبالتالي هذه بروفات كي اكتب شيئاً جديداً في المستقبل»، يقول. ينبغي من جانبٍ آخر أن نستحضر صورة الشخص بكامل أناقته وحضريته وألفته، ما منحه حصانة إنسانية وإبداعية محمولة على ثقافة كونية بفضل أب أزهري، كان يدير مجلة باسم «الاعتصام»، وفي صفحاتها وجد الابن فرقاً شاسعاً بين المبادئ التنويرية لوالده الذي كان يتلو الآيات القرآنية ويميل طرباً إلى صوت ماري جبران… وبين صرامة «جمعية الإخوان المسلمين» التي انتسب إليها لفترة قصيرة. بعدها استقطبه الشيوعيون، لكنّه وقع في مطب مشابه… وهكذا إلى أن هجر الأحزاب إلى الأبد منصرفاً إلى الأدب بحثاً عن إجابات لتساؤلات لا نهاية لها. واجه وليد إخلاصي قبل سنوات الإنذار الأوّل في الغياب، فكتب روايته «سمعتُ صوتاً هاتفاً» في توصيف تجربة الموت، ثم حين انهارت حلب في ظل الحرب الدائرة اليوم، أحسّ بنعاس مشابه، فانطوى على نفسه، وتوقّف عن الكتابة، وفي مرحلةٍ ما هاجر إلى الصومال كي لا يرى المصير الأسود لمدينته، ثم عاد أخيراً ليُدفن في ترابها.