الرئيسية / أضواء على / “ولاد بيروت”: عرضٌ جديد بنكهة الثورة

“ولاد بيروت”: عرضٌ جديد بنكهة الثورة

حسن مراد|الإثنين13/01/2020
Almodon.com

عام 1959 كتب الرسام والناقد الفني ميشال سوفور “الحركة تخلق المكان”. عبارةٌ انتشرت في مختلف الأوساط الأكاديمية، لا سيما في الدراسات الأنثروبولوجية، كدلالة على أن ارتباط الفرد بمحيطه يتوقف على طبيعة النشاط الذي يمارسه، كما أن هذا النشاط هو ما يضفي هوية على المكان المذكور. 

لم تخرج سارة سراج عن هذا الإطار في فيلمها “ولاد بيروت” الذي صُوِّر بين عامي 2013 و2016 وعُرض للمرة الأولى في مهرجان الدالية عام 2017.

تتناول المخرجة اللبنانية قضية “دالية بيروت”، مساحة عامة لأبناء المدينة احتضنت على الدوام أنشطة اقتصادية واجتماعية: صيد السمك، مطاعم شعبية، جولات بحرية في القوارب، احتفالات عيد النيروز… كما كانت متنزهاً للأسر وللعشاق. واقعٌ تبدل منذ صيف العام 2014 بعدما اقتلعت هذه الديناميكية لصالح إقامة مشروع خاص.

فيلمٌ اكتسب نكهة جديدة بعد ثورة 17 تشرين، وعليه عُرض يوم الجمعة 9 كانون الثاني في إحدى الصالات التابعة لبلدية باريس تحت عنوان “نقاش حول المساحات العامة في لبنان”، عرضٌ حضره جمهور لبناني – فرنسي واستُتبِع بحلقة نقاش. 

الدعوة أتت من مجموعة من الناشطين اللبنانيين انشأوا، في بداية الثورة، صفحة على الفايسبوك بإسم “فوج الشرشف”، وعُرِفت تلك المجموعة من خلال الوقفات الاحتجاجية التي قامت بها داخل عددٍ من المرافق الرسمية اللبنانية في باريس: السفارة، القنصلية وشركة طيران الشرق الأوسط.

بعد عرض الفيلم، الذي سبقته كلمة للمخرجة سراج عرضت فيها جوانب من مرحلة التصوير كما تطرقت إلى إشكالية الدالية، أُعطي الكلام للمدعوين حيث عرض كلٌ منهم أبعاد وخلفيات الفيلم وفقاً لمجال عمله وتخصصه.

أول المتحدثين كان إريك فيرداي الذي قارب “ولاد بيروت” من زاوية التنظيم المدني خاصة وأنه يعرف العاصمة اللبنانية ميدانيا. على عكس الانطباع السائد، أكد فيرداي أن إعادة إعمار بيروت لم تكن عشوائية بل وفق خطة واضحة المعالم قوامها الاستحواذ على المساحات العامة لصالح الطبقات الميسورة مع تهميش الفقراء وهو ما وصفه بالتطهير الاجتماعي. وفي ختام مداخلته، ذكّر فيرداي بأن الناشطين الذين تصدوا لمشروع الدالية موجودون اليوم في ساحات الانتفاضة، ذهنية تساهم ببناء لبنان جديد وفق خطط ومشاريع مختلفة.

ولم تبتعد جنى نخال، الناشطة والباحثة في مجال التنظيم المدني، عما أورده فيرداي. ففي اتصال مرئي معها من بيروت، تطرقت لحالة الطلاق بين اللبنانيين والمساحات العامة، واقعٌ عززته السلطة السياسية. فالمساحات العامة مكان يجمع أفرادا من مختلف الطبقات الاجتماعية والخلفيات الثقافية، وهو ما يتناقض مع العقلية التي سادت في فترة ما بعد الحرب الأهلية.

وخصصت نخال جزءا هاما من مداخلتها لربط موضوع الفيلم بالانتفاضة الحالية على حد تعبيرها. فلمست علاقة جديدة بدأت تجمع اللبنانيين بمساحاتهم العامة، علاقة قوامها استعادة الشعب لها: نصب الخيم، حلقات النقاش في الساحات، تمارين اليوغا في الشارع… بنظر نخال، هذه الأنشطة المختلفة تعبر عن ردة فعل اعتراضية على مصادرة هذه الأمكنة.

اما الزاوية القانونية فتناولها نديم حوري، المدير التنفيذي لمبادرة الإصلاح العربي. أشار حوري إلى أن السياسيين وظفوا القوانين لخصخصة كل الأمكنة العامة كما توقف مليا عند آلية عمل الشركات المعنية، وعلى وجه التحديد سوليدير، إذ لم تكتف الدولة بإطلاق يدها، بل وفرت لها الموارد المالية والمادية لمباشرة عملها. فإذا كانت هذه الموارد متوفرة لدى الدولة، لما لم تنجز هذه المشاريع بنفسها؟ سؤال طرحه حوري.

وتطرق كذلك إلى كيفية استحصال اللبنانيين على الخدمات العامة (التعليم، الاستشفاء…) والتي تمر حصرا عبر زعماء الطوائف لقاء الولاء السياسي والانتخابي، مضيفا ان انقطاع هذه الموارد سمح بتوحيد نضالات اللبنانيين. واختتم حوري مداخلته متوجها للجمهور الفرنسي بالقول إن من بين ما ارتكزت عليه الطبقة السياسية اللبنانية كان الدعم الخارجي، دعمٌ أتى على يد بلدان مثل فرنسا.

جميع المداخلات تناولت حقبة ما بعد الحرب الأهلية حيث سعوا جميعهم لتشخيص الرؤية التي قامت عليها سياسة إعادة الإعمار خاصة لناحية التعامل مع المساحات العامة.

ثم أعطيت الكلمة للحضور، فطُرح سؤال عن الوضع القانوني للأفراد الذين تواجدوا في منطقة الدالية من صيادين وأصحاب أكشاش. وبما أن التنظيم المدني استُعمل للاستيلاء على المساحات العامة، سألت إحدى الحاضرات عن كيفية توظيف التنظيم المدني ولكن لاستعادة هذه المساحات.

وكانت مداخلة لباسل فقيه، الذي أجرى بدوره أبحاثا عن الدالية، طرح خلالها اشكالية علاقة اللبنانيين بالمساحات العامة من زاوية نمط حياتهم الذي لا يحفز على الاحتكاك بالأمكنة العامة. وعليه كان التصدي لمصادرة الأمكنة العامة عبارة عن طروحات نخبوية بنظر شريحة من الشارع اللبناني. وأضاف فقيه أن جيلا جديدا باحتياجات أخرى ونمط حياة مختلف هو الذي فرض معركة استعادة المساحات العامة.

في هذا الصدد اعتبر حوري أن جزءاً من هذه المشكلة سببه ذاكرة الحرب الذي عززت الانطوائية لدى اللبنانيين بفعل الخوف والحذر الدائمين. 

هذا النشاط الذي نظمه “فوج الشرشف” أعاد التذكير بمحطات سابقة من المواجهة مع المنظومة السياسية –الاقتصادية اللبنانية، في تأكيدٍ على أن لحظة 17 تشرين ليست منفصلة عن هذا النضال، نضال نبذ السياسة الاقتصادية التي قام عليها لبنان منذ مطلع التسعينات حيث صودر البلد لصالح طبقة بعينها على حساب فئات أخرى شعرت أنها مهمشة وبلا وزن.

مع هذه الثورة اتضح تصميم اللبنانيين أكثر من ذي قبل على عدم التفريط بحقهم بالاستفادة مما توفره لهم عاصمتهم من متنفس. 

اضف رد