ولادات الرحيل

مساكن الحزن والحنان

شربل نجّار
هنا لبنان
25012019
…..

من هنا نبدأ

وصل القائد رضا بك من زحلة الى بكفيا مرورًا بالمتين  ومرحاتا (ضهور الشوير لاحقًأ) مسيّرا ثلاثة ألاف جندي من أمامه وورائه . إحتل المنازل والآديار وأقام  معظم جنوده  جهة بحرصاف. ويذكر بليبل  في كتابه  تقويم تاريخ بكفيا وأسرها  أن هؤلاء الجنود كانوا خائفين من اللبنانيين أكثر مما كان اللبنانيون خائفين منهم. وإنهم بعد اطلاعهم على واقع الحال ، شدّوا عزائمهم وتشجعوا  فأخضعوا لامرهم كل ما رؤوه مفيدًا لهم دون أن يقاومهم أحد. فحضّروا الإستحكامات في الأراضي وقطعوا الأشجار وجمعوا الأسلحة ونهبوا موجودات دير اليسوعيين في بكفيا واستولوا على منسوجات الديما التي كانت عند تجار بكفيا وبيت شباب فأُصيب أولئك التجار بخسائر فادحة وإضطرّوا أن يوقفوا أعمالهم. (1) 

لم تقع حرب في ديارنا ،الجوع كان أقسى!

في المتين لم أعثر على شيء مكتوب إلا ما  كتبه وشدّد عليه كاهن رعية مار جرجس ، الخوري لويس النجار في دفتر كنيسة مار جرجس للوفيات وهو دفتر من  خمس دفاتر لكل من إجراءات العماد والتثبيت والخطبة والزواج والوفيات يحرص عليها كاهن الرعية ويضمّنها  ما يمت الى كل فرد من أفراد الرعية في المحاور الخمسة الآنفة الذكر . وفي باب الوفيات ،  حرص الخوري لويس على تسجيل كل وفاة حصلت  بسبب الجوع أو المرض   في زمن المجاعة الكبرى في الحرب الكبرى بين عامي 1915 و 1917. 

لقد دَقّقَ ذلك الكاهن  بالأهوال التي ضربت رعية مار جرجس  فذكر الوفيات على الطرقات  بين زحلة والمتين أو بين المتين وبيروت كما ذكر البالغين والأطفال  الذين ماتوا بسبب الجوع والمرض. (2) وفي تعداد أبناء الرعية عام 1920 وأعداد المتوفين الذين سجلهم الخوري لويس يبدو أن أكثر من ثلث أبناء الرعية قضوا  بين عامي    1915و 1917 .  ومن سمحت له الظروف،  فإطّلع على مدوّنات دفتر الوفيات في أيلول و”تشارين”  1916 لإستشعر هول الفاجعة التي ضربت عائلات تلك الرعيّة كما سائر عائلات جبل لبنان. 


اما سائر رعايا المتين فلم تُفِدنا بما لديها من وثائق حول هذا الموضوع وأغلب الظن أن المخطوطات التي كانت داخل الكنائس أو في حوزة  وكلاء تلك الكنائس قد احترقت أو نُهبت أثناء حرب 1976.أما بالنسبة الى كنيسة  مار جورجيوس للروم الأرثوذكس  فإنّني لم أعثر بين الكتب على دفتر من مثل تلك الواجب اعتمادها  في كنائس الموارنة. 


غير أن “الشهود العيان” من المتينيين نقلوا بعض أخبار المجاعة وتستّروا على الكثير منها  لما كان في تلك الأخبار من  إنهيار للقيم الإنسانية ومن مذلّة للإنسان والله في أن واحد. 
 
 لقد روى لي  الصديق خليل بو غصن سلامة أنه كان مارًا  بجوار كنيسة السيدة في المتين وإذ به يشاهد في تلك الباحة يوسف لحود هارون بنبش بقايا هياكل عظمية . ولما سأله خليل عما يفعل أجاب أن في هذا المكان دفنوا  موتاهم وأن أغلبية موتى المجاعة في رعية السيدة ومار يوحنا طُمروا في ساحة الكنيسة. وكان قد أوكل  يوم ذاك الى يوسف استصلاح الساحة وترتيب مكان لدفن الهياكل بجوارها. 

ومن الأخبار التي تبعث على الإبتسام أن أمين اسطفان الساخر المتيني الأول دون منازع مرّ على الأستاذ سليم بو رزق فرآه يشرب لبناًّ .انتظره برهة ثم  قاما يكافحان الجراد في الحقول كما سائر أهل الضيعة ، وأثناء العمل “زحط ” سليم  على صخر أملس فنظر اليه أمين ضاحكا  وسأل : “شو! خلص اللبن”؟


في تلك الأيام كان الرغيف يقي من الجوع  والصابونة تقي من الأمراض والجمرة “المستقرضة”  من الجار القريب أو البعيد  تشعل موقدا إن توَفّر موقد ولم يتوفر عود كبريت واحد (3). وخرقة القُماش تقي ولدا جمر الصقيع . القمح مفقود والمطاحن مقفلة والميسورون الذين آزروا الناس تحوّلوا الى محتاجين  مثلهم مثل سائر الناس.

إن العامل  في الأرض  في صليما القريبة من المتين  في بداية الحرب الكبرى كان بحاجة الى أربعة أيام ونصف اليوم من العمل ، إن وجد، ليؤمن بأجره رطلا من القمح.  ثم أصبح  بحاجة عام 1916 الى 12 يوم عمل لتأمين رطل من القمح. بينما كان  الفلاح عينه قبل الحرب يؤمن ثمن 4 أرطال من القمح بأجر يوم عمل واحد . وان سعر القمح الذي كان 13 قرشا  للرطل عام 1914 صار ثمنه 60 قرشا عام 1917 أما سعر رطل اللحم   فبلغ  عام 1917،  135 قرشا في جبل لبنان بينما كان يباع في حلب ب 5 قروش (4).

إن عوامل كثيرة إجتمعت في نفس المكان والزمان فصنعت مأساة جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولي.

……..


(1)  طوني بشارة مفرّج  : الموسوعة اللبنانية المصوّرة، ج1، قري ومدن قضاء المتن الشمالي ، مكتبة حبيب جعيتا كسروان، بيروت 1969،ص 96.


(2) شربل سمعان  النجار: مسارات في تاريخ المتين، إصدار خاص ، بيروت 2014 ، ط1 ، ص 45-46.

(3) ميريام بيز بو صادر: مجاعة لبنان شاهدة وشهداء، دار سائر الشرق، بيروت 2016 ص 89.

 
(4) عصام كمال خليفة :مقاومة أهوال المجاعة1916-1918 ، إصدار خاص، ط1، بيروت 2017 ،ص 27-28 


عن كتاب يصدر قريبًا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*