وقت المصارحة

مروان اسكندر
النهار
04102019


ان هذا المقال لا يهدف الى النيل من سمعة أي وزير أو رئيس وزراء أو لا سمح الله رئيس الجمهورية، بل يهدف الى تبيان حقيقة المشكلة القائمة والتي تحتاج الى اكثر من جرعات التهدئة، على منفعة هذه الجرعات، لتأمين فرصة لانجاز برامج عملية. لكن السبب الرئيس لنقص الدولار عن الحاجات وخوف الناس من انقلاب اوضاع المصارف هو تبخّر الثقة بلبنان وسياساته الاقتصادية وبرامج تطوير البنى التحتية فيه، سواء على مستوى معالجة ازمة الكهرباء، انجاز الطرق، توسيع المطارات، ضبط التلوث الخ.

جلسة مجلس الوزراء برئاسة عون في قصر بعبدا (نبيل اسماعيل).

لا بد من توضيح ادعاء تبخر الثقة. عام 2008، تفجرت الازمة المالية العالمية واصبحت المصارف الكبرى، سواء السويسرية، الفرنسية، البريطانية والاميركية معرضة للافلاس، وقد انقذ عدد كبير من المصارف بدعم من سلطات المصارف المركزية ووزارات المال أحيانًا، وشملت عمليات الانقاذ بنك Crédit Suisse، وبنك باركليز في لندن، والسيتي بنك في الولايات المتحدة، وجرت عمليات شراء اسهم في شركات تعثرت اعمالها مثل شركة التامين على الحياة AIG التي بلغت تكاليف انقاذها 180 مليار دولار، وللاختصار نشير الى تكاليف التدخل والانقاذ في البلدان الرئيسية المتطورة.

الشرارة انطلقت من افلاس مصرف بريطاني في أيلول 2007 اقتضى انقاذه 50 مليار جنيه استرليني. وفي تشرين الاول أفلس بنك ليمان براذرز عن 640 مليار دولار، وتبعته شركة استثمارية لبرنارد مادوف الذي كان يدير استثمارات بلغت 62 مليار دولار، وكان يتعالى عن المستثمرين ويشعرهم، ان هو تقبل مساهمات منهم، بانه يحن عليهم، وكل ما ظهر انه نصاب دولي وهو اليوم مسجون، واحد ابنائه انتحر، ولا تزال شؤون مؤسسته خاضعة لإجراءات قانونية.

اذا أردنا اختصار النتائج المالية الكارثية لازمة عام 2007 – 2008، يمكننا الاشارة الى أن مبادرات المساندة المالية من المصارف المركزية، بما فيها المصرف المركزي الاوروبي ووزارتا المال في بريطانيا والولايات المتحدة، بلغت الارقام الآتية:

استناداً الى الاحتياط الفيديرالي الاميركي، بلغت خسائر ثروات الاسر الاميركية (2007-2008) 14 تريليون دولار، وجاء في تقرير الاستقرار المالي العالمي الذي أصدره صندوق النقد الدولي عام 2012 ان المصارف الاوروبية والاميركية خسرت أكثر من 2.8 تريليوني دولار (2007-2008) لعلاج وقع الازمة المالية. وتعهدت الحكومة الاميركية والاحتياط الفيديرالي الاميركي دعماً بلغ 14 تريليون دولار وفقاً لما أورده تقرير تدفق الاموال الصادر عن الاحتياط الفيديرالي.

وجدير بالذكر ان تصنيف ستاندارد أند بورز لشركة التأمين الاميركية التي احتاجت الى 180 مليار دولار لانقاذها، كان على مستوى AAA أي جيد جدًا، وتصنيف شركة النصاب برنارد مادوف كان على مستوى AA أي جيد، وتالياً وليس للتشكيك في مؤسسات التصنيف العالمية، يمكن النظر في المقاييس التي توفرها لمعايير الاقراض في لبنان وسيولة المصارف، التي لا تزال تتعدى النسب المطلوبة في أوروبا وبالتأكيد النسب المطلوبة لسيولة المصارف الكبرى في الولايات المتحدة والتي لا تزيد على 3 في المئة.

خلال تلك الحقبة السوداء عالمياً، حوّل اللبنانيون 24 مليار دولار الى لبنان من حساباتهم في الخارج، اذ كانت الفوائد منخفضة في العالم الصناعي، ولا بأس بها في لبنان، واليوم الفوائد على الودائع سلبية في سويسرا ولا تزيد على 2 في المئة في الولايات المتحدة. واللبنانيون يملكون في الخارج على الاقل 60 مليار دولار في المصارف ولا يحوّلون الى لبنان ، فهل هنالك برهان أوضح على فقدان الثقة؟

منذ ثلاث سنوات والتحويلات الخارجية الى المصارف العاملة في لبنان على تناقض. فالنتائج التي كانت تظهر أن الودائع ارتفعت بنسبة 2 في المئة، كانت دون الفوائد المتحصلة على الودائع، والقدرات على الاقراض انحسرت خصوصاً بعد رفع الفوائد للدفاع عن الودائع، ومع ذلك كان هنالك انخفاض.

وتزيد ملامح الخوف ندرة المعارف الاقتصادية لدى المحللين في لبنان، وبين المتصدين لتفسيرات الازمة ومضاعفاتها معلقون سياسيون بارزون وأحيانًا بينهم من لا يدرك تفاصيل الاشارة الى الودائع، ومن هذه 45 في المئة لدى مصارف لبنانية تعمل في الخارج، والى احتياط مصرف لبنان وهنالك تداخل بين الاثنين الى حد بعيد.

ان المشكلة الرئيسية – بعد تبخر الثقة – هي في تغطية عجز انتاج الكهرباء وتوزيعها منذ عام 2008 وحتى تاريخه. فرفيق الحريري انجز انشاء معملين بطاقة 450 ميغاوات لكل معمل ومعملين بطاقة 80 ميغاوات في كل من بعلبك والنبطية، ولم يحتج الى اقتراض أكثر من 1.2 مليار دولار للكهرباء التي وفرها للبنان 24/24 ساعة عام 2002.

في المقابل، بلغ عجز الكهرباء منذ عام 2008 وحتى تاريخه بما يشمل مخصصات 2018 و2019، 30 مليار دولار وهذا المبلغ مع الفوائد المتأتية عن اقراضه باتت تشكل نسبة 52 في المئة من الدين العام، وهي القضية الرئيسية التي يجب معالجتها اذا كان لنا ان نتجاوز الازمة قبل انقضاء 2020. والسؤال ما هي برامج الكهرباء التي يبدو انها ضعيفة وغير واقعية وبالغة الكلفة؟

ان الامر الواضح وضوح الشمس هو ان مدخل تفكيك الازمة الخانقة يتمثل في حل قضية الكهرباء. فالكهرباء متوافرة من معامل الدولة والسفينتين التركيتين بما يساوي 1600 ميغاوات، والقطاع الخاص وفر طاقة انتاجية على المستوى ذاته، لكن شراء الكهرباء مع ما يتحصل للمشترك من مصلحة كهرباء لبنان ينتهي بتحميل المشترك كلفة الكيلووات/ ساعة على مستوى 24-25 سنتًا، أي ما يعادل بالفعل كلفة انتاج المعامل المهترئة لدى مصلحة كهرباء لبنان قبل احتساب الخسائر التقنية التي ترفع الكلفة الى 28 سنتاً لكل كيلووات/ ساعة من الانتاج، يضاف اليها على شبكة التوزيع ما يساوي 17 في المئة والنهاية لدى مصلحة كهرباء لبنان تكون بتحصيل 35 في المئة من تكاليف انتاج وتوزيع وفوترة واصلاح اعطال الانتاج والتوزيع.

لقد أكدنا تكرارًا ان استخدام مولدات ذات قدرات متوسطة للانتاج والتوزيع من مناطق قريبة من طرابلس وجبيل وجونية والنبطية وصور بالاعتماد على شركات خاصة، أمر يؤمن الكهرباء 24/24 ساعة لـ90 في المئة من المشتركين، ويحقق جباية بمستوى 99 في المئة مع هدر تقني جد محدود مقابل خسارة حالية للطاقة الموزعة تصل الى 50 في المئة (تقني وسرقة)، والكلفة تكون على مستوى 14 سنتاً لكل كيلووات/ ساعة. والمساهمون في تأمين هذه الوحدات يتحملون تكاليف استيراد اللقيم، أكان من المازوت النظيف، أم من الغاز ان حازوا عقوداً لسنوات، أو غاز البوتان الذي يمكن التعاقد على مشترياته لسنوات في الاسواق المالية.

اذا اقدمنا بشجاعة على هذه الخطوات، لن تكون هنالك حاجة الى سفن لتوليد 1050 ميغاوات كما بشرتنا الوزيرة. وهذا التوجه سيضيف الى العجز على الاقل 1.1 مليار دولار سنويًا، وتكاليف ثلاث سنوات لهذه لسفن اضافة الى السفينتين العاملتين تعني ان العجز سيرتفع الى 1.4 مليار دولار سنويًا على الاقل، وهذا الخيار يعني تراكم عجز اضافي يساوي 4.2 مليارات دولار تكفي لانجاز معامل بطاقة 5000 ميغاوات لو كان هنالك تخطيط. ونعتبر هذا الخيار انتحاراً اقتصادياً، ونعجب كيف ان الرئيس الحريري يمكن ان يوافق عليه و”تيار المستقبل” انجز دراسة موسعة عن الكهرباء اشارت الى مخاطر استمرار العجز عام 2015، والوزير باسيل أعلن منذ أسبوعين انهم لو تنبهوا لمخاطر استمرار عجز الكهرباء منذ 2015 لكانوا حققوا وفرًا على مستوى 10 مليارات دولار.

اننا نناشد رئيس الوزراء ووزير الظل لشؤون الطاقة الالتفات الى ضرورة انقاذ الوضع المتأزم، ونشير الى ان انحسار التحويلات والذي يسهم في نقص الدولار عن الحاجات يمكن تعويضه باستدراج استثمارات كبيرة، في تلزيم مرفأ طرابلس، ومطار الرئيس رينه معوض، واستدراج استثمار في اعادة تشغيل مصفاة طرابلس انما بطاقة خمسة ملايين طن بدل ما كانت عليه قبل توقفها أي 1.8 مليون طن.

ان الخطوات المعددة اعلاه تؤدي الى توازن اقتصادي ومالي أفضل، والشريك الانسب يتمثل بالدولة التي تحتل المركز الاول في احتياطها النقدي، وبالتأكيد المركز الثاني ان لم يكن الاول في مجالات التقنيات الالكترونية الحديثة، أي الصين، وما نعرفه ان أي مقاربة لم تحصل مع الصينيين، ولعل المسؤولين ينشغلون بعمليات معالجة الازمات، لا بترسيخ قواعد النمو والازدهار. ويمكن الصينيين الذين يشغلون أكبر مرفأ في باكستان، ومرفأ أثينا في اليونان، ومرفأ حيفا في اسرائيل، بالتأكيد تشغيل مرفأ طرابلس وانجاز حائط حمايته ولديهم القدرة على تأسيس مصرف في لبنان من فروع مصرفهم الصيني الدولي برأسمال ثلاثة مليارات دولار.

اضف رد