الرئيسية / home slide / وقائع محاكمة شادن فقيه: المحكمة العسكرية تدين “اتّصال الكوتكس” والدفاع يدين محاكمتها للمدنيين

وقائع محاكمة شادن فقيه: المحكمة العسكرية تدين “اتّصال الكوتكس” والدفاع يدين محاكمتها للمدنيين

وقائع محاكمة شادن فقيه: المحكمة العسكرية تدين “اتّصال الكوتكس” والدفاع يدين محاكمتها للمدنيين

لور أيّوب
2022-06-28   |
المفكرة القانونيّة    

من مقابلة ضمن برنامج Ktir Cool على قناة “الجديد”

لم تكن محاكمة شادن فقيه كغيرها من المحاكمات التي تجري في المحكمة العسكريّة الدائمة في بيروت. فالممثلة الكوميديّة الساخرة مثُلت أمام المحكمة يوم الجمعة 24 حزيران وأُدينت وغُرّمت بمبلغ مليون و800 ألف ليرة لبنانيّة إثر دعوى رفعتها ضدّها النيابة العامة العسكرية بتهم المسّ بسمعة قوى الأمن الداخلي وتحقير عناصرها على خلفية ما بات يعرف بـ “اتصال الكوتيكس”. كما شهدت جلستها حملة دفاع في وجه محاكمة المدنيين والمدنيّات أمام المحكمة العسكريّة التي من المفترض أن تكون لمحاكمة العسكريين فقط على الجرائم والمخالفات التي يقومون بها بمعرض وظائفهم، بالإضافة إلى تأكيد على حق انتقاد السلطات، وحق النساء في الوصول بيُسر إلى المنتجات الصحيّة الأساسية في الأزمات. وكشفت جلستها أيضاً عن حساسيّة عالية لدى المحكمة العسكريّة من استخدام شادن لعبارتي “إجِتني” (أي الدورة الشهرية) و”كوتكس” (أي فوط صحيّة) بحسب ما يمكن تفسير إدانتها لمجرّد لفظها هاتين العبارتين خلال اتصالها بقوى الأمن الداخلي.

وحصل ذلك، في محكمة هيئتها مؤلّفة من ثلاثة رجال (العميد علي الحاج رئيساً ومستشار من الضباط ومستشار من القضاة المدنيين)، فيما تمثّلت النيابة العامّة بالقاضية منى حنقير، وتوّلت شادن الدفاع عن نفسها خلال استجوابها المطوّل بمؤازرة المحاميتين غيدة فرنجيّة ولمى الأمين والمحامي أيمن رعد.  في هذه المقالة، نعرض وقائع جلسة محاكمة شادن أمام المحكمة العسكرية التي استمرّت لنحو ساعة من الوقت وتضمّنت استجواب شادن مطوّلاً حول “اتصال الكوتيكس”، والحوار المشحون بينها وبين رئيس المحكمة العسكريّة الدائمة العميد علي الحاج، ومرافعتَي فريق الدفاع وصولاً إلى حكم فرض عليها دفع غرامة بقيمة مليون و800 ألف ليرة.

خلفية الدعوى

قبل عامين خلال الإغلاق الثالث من ضمن الإجراءات التي أقرّتها الحكومة لمواجهة انتشار جائحة كورونا في لبنان وخصوصاً حظر التجوّل بعد الساعة الخامسة مساءً، اتّصلت شادن فقيه بقوى الأمن الداخلي على رقم 112 لتطلب مساعدة في الحصول على الفوط الصحيّة كونها غير قادرة على الخروج بسبب حظر التجوّل. وبنت شادن خطوتها على “توجيهات وزير الداخليّة والبلديّات السابق محمد فهمي الذي صرّح أنّه بإمكان المواطنين الاتصال بالقوى الأمنيّة على 112..”.

صوّرت شادن الاتصال الذي لم يتخطّ عشرين ثانيّة ونشرت الفيديو على حساباتها على شبكات التواصل الاجتماعي في تشرين الثاني 2020. وفي 12 أيّار 2021 فوجئت بقرار النيابة العامة العسكرية ممثلة بالقاضية منى حنقير باستدعائها إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتيّة حيث تمّ التحقيق معها بشأن الاتصال بحضور المحامي أيمن رعد. يومها وبعد الإدلاء بإفادتها، رفضت شادن التوقيع على أي تعهد معتبرة أنّ “الهدف من الاتصال هو انتقاد الإجراءات الفاشلة التي أقرّها وزير الداخليّة والحكومة”.

ولكن كان للنيابة العامّة رأي آخر حيث اعتبرت أنّ شادن “أساءت لسمعة المؤسسة العسكرية وحقّرت موظفاً” فادعت عليها بموجب المادتين 157 من قانون القضاء العسكري و383 من قانون العقوبات. هذا مع العلم أنّ الاتصال الذي أجرته شادن لم يتضمّن أي عبارات مسيئة بل توجهت فيه للعنصر الأمني الذي ردّ على الهاتف، قائلة له “إجتني وبدي كوتكس” أي فوط صحيّة. ولكن ماذا لو كان هدف شادن الاتصال بالقوى الأمنيّة وطلب منها تأمين مياه الشرب، هل كانت ردّة فعل النيابّة العامّة ستكون نفسها؟ أمّ أنّ طلب الفوط الصحيّة أصبح مهانة؟

حوار حول الدورة الشهرية: “ما بعرف لأنّها ما بتصير معي”

كانت الساعة تُشير إلى الواحدة ظهراً حين بدأت الجلسة المعنيّة بقضيّة شادن في المحكمة العسكريّة الدائمة التي يرأسها العميد علي الحاج. قبلها، نظرت هيئة المحكمة بأكثر من 50 قضيّة، اتصلت غالبيتها بإطلاق نار وترويج مخدرات ومعاملة قوى الأمن بالشدّة وحتى تجارة الآثار. وحين وصل عدّاد الجلسات إلى الرقم 62 نادى العميد الحاج على شادن فقيه التي وقفت أمام الهيئة مستمعة إلى التهم التي وجهتها لها النيابة العامّة العسكريّة التي قرأها العميد الحاج أمامها، “أقدمتِ بتاريخ 19 تشرين الثاني 2020 على المسّ بسمعة المديريّة العامّة لقوى الأمن الداخلي، وتحقير موظف أثناء وظيفته …”، وذلك وفقاً للمواد 383 من قانون العقوبات و157 قضاء عسكري.

بدأ العميد بسؤال شادن عن عملها، فعرّفت عن نفسها أمام المحكمة أنّها درست التصميم الفنّي ولكنّها توجهت نحو المسرح والكوميديا الهادفة كمهنة حققت لها ذاتها أكثر من الشهادة التي حازتها. وأوضحت أنّها تمارس عملها عبر المسارح في مجال “ستاند آب كوميدي” وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ثم سألها عن خلفية الفيديو الذي يتضمّن الاتّصال بالـ 112، فحصل الحوار الآتي بينها وبين العميد الحاج:

شادن: “كنّا في المرحلة الثالثة من الإغلاق حين يمنع التجوّل بعد الساعة الخامسة عصراً، وكان وزير الداخلية قال أنْ نتّصل بال 112 إذا احتجنا أي شيء. وقبل فترة حُرّر بحقّي ضبط مخالفة لقرار حظر التجوّل لأنّه “إجتني” فجأة واضطررت للخروج لشراء “كوتكس”، واتصلت بي صديقتي وقالت لي إنه إجتها وبدها تضهر تجيب كوتكس وخايفة تاكل ضبط”. 

الحاج: “عادة الساعة خمسة بتجي؟”.

شادن: “بتعرف أوقات بتفاجئك”.

الحاج: “لا ما بعرف لأنها ما بتصير معي”.

شادن: “أحياناً بتكون حاسس فيها قبل ما تجي، وأحياناً بتفاجئك ما بتكون متوّقعها. وهيك صار معي ومع صديقتي. فقلت لها “اتصلي بالـ 112″، فقالت إنها بتستحي تطلب فوط. فقلت لها ليش بدّك تستحي، شي طبيعي إنّه المرأة تجييها، ووزير الداخلية قال لنا نتصل بالـ 112 إذا احتجنا شي. وهذا ما فعلته”.

الحاج: “أمّنولك؟”.

شادن: “لا ما أمّنولي”.

وعلّق الحاج على قيام شادن بنشر فيديو للاتصال على مواقع التواصل الاجتماعي سائلاً إيّاها عن جديّة حاجتها إلى الفوط الصحية، فأوضحت شادن أنّ النشر هدفه نقد السلطات ومن ضمنها وزارة الداخليّة والبلديّات والإجراءات الفاشلة التي أُقرّت خلال فترة التعبئة العامّة، ومن جهة ثانيّة تشجيع النساء للحديث علناً عن الدورة الشهريّة خاصّة وأنّ السلطات أثبت عدم وضع حاجات النساء للفوط الصحيّة من ضمن أولوياتها، مشيرةً إلى أنّ الدعم لم يشملها كسائر السلع الأساسية رغم الأزمة الاقتصادية.

لم يُقنع تبرير شادن العميد الحاج، فسألها: “وهل نشر الغسيل الوسخ على السوشل ميديا طريقة فعّالة؟”. فأجابت: “أستاذ لم أنشر غسيلي الوسخ، انتقدت الإجراءات وكان هدفي وصّل رسالة إنّها مش كويّسة”. وأمام توجّهها له بعبارة “أستاذ”، صحّح لها العميد وقال: “قصدك ريّس” (أي رئيس المحكمة)، فأجابت: “حضرة القاضي، هيدي بتمشي؟”.

الحاج: “112 خط طوارئ وليس ديليفري، وإنت بتعرفي كان مسموح الدليفري يوصّلوا، مش مقبول الاستهزاء والخفّة بالسلطة..”.

شادن: “أنا عم أعمل فيديو نقدي وموّجه للنساء، مش سخريّة، ولم يكن متاحاً الدليفري من الصيدليّات، كان الخيار الوحيد المتاح أمامنا هو الاتصال بالـ 112”.

تصدّي لمحاولة النيابة تكبير الملف: “عندك مشكلة مع الجيش؟”

فيما تمحور الاستجواب حول الاتصال بالقوى الأمنيّة، بادرت ممثلة النيابة العامة العسكرية القاضية منى حنقير بشكل مفاجئ بالطلب من العميد الحاج سؤال شادن عمّا إذا كان لديها شيء ضدّ الجيش، فأجابت شادن أنّ الفيديو لا علاقة له بالجيش. فأضافت حنقير أنّ شادن نشرت فيديو آخر على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمّن انتقاداً للجيش اللبناني. شكّل السؤال محلّ احتجاج عند شادن التي رفضت الإجابة، مشددة على أنّ “هذا السؤال ليس موضوع الجلسة اليوم، وأنّه بإمكان النيابة أن تدّعي على فيديو آخر إذا أرادت”.

وأمام إصرار شادن على عدم الإجابة، طلبت حنقير من المحكمة عرض فيديوهات شادن التي تنتقد فيها الجيش خلال الجلسة، فطلب العميد من العناصر تجهيز الكومبيوتر تمهيداً لعرضها. ثم تدّخلت وكيلة شادن المحامية غيده فرنجيّة معترضة على طلب النيابة بالقول: “هذا الدليل من خارج الملف، ولم يتسنَّ لنا الاطلاع عليه، لذا نرفض عرضه في الجلسة”. فأصرّت القاضية حنقير قائلة إنّ “هذا الفيديو بمثابة إخبار، ومنشور علناً وشافوه الكل”، لكن فرنجية أجابت “أنا ما شفتو، لو نحنا جبنا دليل بدنا نعرضه فجأة بالجلسة، هل النيابة بتقبل؟”، مطالبة بتطبيق الأصول نفسها على جميع الخصوم سواء كانت النيابة أو فريق الدفاع. فتراجعت المحكمة عن عرض الفيديوهات. وقد أظهر إصرار حنقير (وهي نفسها المدعيّة في الملف) على توسيع موضوع الاستجواب أنّها خرجت عن حدود الموضوعية في الملف.

الدفاع عن الكوميديا الهادفة: “دوري إنتقد إجراءات الوزير

سأل العميد شادن ما إذا كانت تعتبر أنّ ما قامت به صائب أم خاطئ. فأجابت أنّه “انطلاقاً من عملها الكوميدي، من حقها كمواطنة متضرّرة كما غيرها من النساء المتضرّرات أن تنتقد إجراءات الحجر”. فسأل العميد إذا كانت غرفة العمليات في قوى الأمن الداخلي هي المرجع الصالح لهذا الانتقاد. فأجابت شادن: “هيك طلب الوزير”.

فرد العميد: وليش ما اتّصلتي بوزارة الداخلية؟

لتسأله شادن: مين بردّ؟ الوزير؟”

فسألها العميد مجدداً لماذا يتضمّن نقدها استهزاء واستخفافاً بالسلطة وتضييعاً لوقت الأمن (علماً أنّ الاتصال لم يتجاوز العشرين ثانية). فأجابت: “من يستهزئ ويضيّع وقت الأمن هو الوزير. أنا طبقت ما قاله لنا وحكيت عن موضوع نسوي لأنه بعض النساء بتستحي تحكي فيه. إذا كانت إجراءات الوزير فاشلة، دوري انتقدها لأني كوميدية”.

فسألها العميد مجدّداً: إذا كان الاتصال هدفه الجدّية والنقد، لماذا نشرتِه؟ فأجابت شادن: “هيدا سؤال مهم”، وشرحت أنّ الكوميديا هدفها إيصال رسالة إلى الناس بشكل سهل ومضحك، “مثل ما الصحافي بينشر مقال بجريدة، أنا بنشر فيديوهات على سوشل ميديا”.

ثم سأل العميد فريق الدفاع إذا كان يرغب في طرح أسئلة على شادن. فطلبت المحاميّة غيدة فرنجيّة من العميد سؤال شادن عمّا إذا كانت تعتبر أنّ الاتصال يتضمّن أي إساءة للقوى الأمنية أو للعنصر الأمني الذي ردّ على الهاتف، فأجابت شادن بالنفي كونه لم يكن المستهدف بالفيديو وأنّ النقد موجّه إلى وزير الداخلية وليس إلى قوى الأمن الداخلي وأنّها لم تقل أي كلام مسيء. ورداً على سؤال من العميد أكّدت أنّها استعانت مرّة بالـ 112 عندما واجهت مشكلة وتابعت شكواها بكلّ مهنية، وهي قدّرت ذلك.

الاتصال الذي “هزّ” هيبة الدولة؟

وكان من المستغرب أنّ العميد قرر متابعة استجواب شادن بدلاً من إنهائه، فقام بتوجيه أسئلة إضافية إلى شادن معظمها تكرار الاسئلة السابقة، كما فتح المجال للنيابة العامة بتوجيه أسئلة إضافية.

وسأل العميد شادن: “هل تعتبرين أنّ هناك حدوداً للحرّية الشخصية تقف عند إزعاج الآخرين أو تؤثر على عمل الآخرين؟ فأجابت أنّ من حقّها أن تمارس حريّتها طالما لم تعتدِ على أحد. فاضاف: “لكن اتصالك هو اعتداء وإزعاج”. فردّت شادن “الاتصال لم يتخطّ عشرين ثانيّة، وهذا لا يعدّ تعطيلاً لعمل القوى الأمنيّة، إنّما في الواقع التحقيق الذي فتحته القوى الأمنيّة هو الذي عطّل عملهم”. وأضافت: “هناك نحو ثمانيّة عناصر قاموا بالتحقيق في الاتصال، وتمّ استدعائي لمكتب مكافحة الجرائم المعلوماتيّة ثم إلى هذه المحكمة”. وتابعت، “أليس هذا تعطيلاً لعمل القوى الأمنيّة؟”.

ثم ذهب العميد الحاج ليعتبر أنّ ما قامت به شادن هو تشجيع النساء على الاتصال بشكل كثيف بالـ 112، وهذا ما شددت عليه بدورها مفوضة الحكومة القاضيّة حنقير عندما سألت شادن ما إذا كانت تعتبر نفسها مؤثرة (influencer).

فسألها العميد، “ماذا لو تأثرت بك 20 ألف إمرأة وقامت بالاتصال بالقوى الأمنيّة للسبب ذاته؟”. فردّت شادن رافضة الافتراض باعتباره غير منطقي، مؤكّدة أنّها لم تشجّع الناس على الاتصال بالـ 112 ورفضت أن يكون  أي ضرر قد وقع على القوى الأمنيّة جرّاء الاتصال. ولفتت إلى أنّ “وزير الداخليّة السابق قال على الهواء إنّه قتل شخصين، هل سيتأثر المشاهدون بكلامه ويقتلوا آخرين؟”. فردّ العميد أنّها تخرج عن الموضوع، فأجابت شادن أنّها تعطي مثالاً وأنّ الناس لا تقلّد كلّ ما تراه على السوشل ميديا “مبارح على تيك توك شفت وحدة عم تسفُق أمّها بالبيضة، ايه ما رحت سفقت امي بالبيضة! أنا كنت عم ببعت فكرة واضحة، مش الهدف الاتصال بالـ 112، بل إظهار أنّ الوزير إجراءاته فاشلة، وبدّي ضلّ عم بحكي”.

ورغم إجابة شادن على سؤال ما إذا كانت تعتبر نفسها “مؤثرة”، أصرّت حنقير على تكراره ما دفع المحامية فرنجية إلى الاعتراض طالبة من النيابة إبراز أي إثبات على ورود اتصالات إلى غرفة العمليات بعد عامين على اتصال شادن إذا كان هذا الأمر حصل، وإلّا الاكتفاء باجابة شادن “هي قالت أنها لم تطلب من أحد الاتصال بال 112”.

وعاد العميد لصياغة سؤال جديد حول الاتصال، فسألها: “من الواضح أنّك جديّة. ألا تعتبرين أنّ هذا الأسلوب في التعاطي مع القوى الأمنيّة ونشر فيديو الاتصال يؤثر على هيبة الدولة؟”. أجابت شادن: “إذا كان هذا الاتصال كفيل بهزّ هيبة الدولة يعني هيبتها ركيكة. السلطات هي التي تهزّ هيبة الدولة، أنا لم أسرق الأموال ولم أفجّر المرفأ”. فأجاب العميد أنّ لا علاقة لذاك بالموضوع، فأجابت: “أنت تسألني عن هيبة الدولة، أنا اللي عم هزّ هيبة الدولة؟ عم بحكي بصراحة. ألم تتأثر هيبة الدولة بانفجار المرفأ، وسرقة أموالها؟ ألم تهتزّ عندما لم يتمّ تنفيذ مذكّرات التوقيف للمتهمين بتفجير المرفأ؟”.

مرافعة رفضاً لمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري

بدأت المرافعات بطلب القاضية حنقير إدانة شادن بمواد الادعاء، وتلاها فريق الدفاع عن شادن ممثلاً بالمحاميتين غيده فرنجيّة ولمى الأمين حيث ترافعت الأولى في عدم صلاحية القضاء العسكري للمحاكمة المدنيين فيما ترافعت الثانية في عدم ارتكاب شادن لأي جرم يتعلّق بالاساءة إلى القوى الأمنية.

محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكريّة كانت موضوع مرافعة فرنجية، وهي مسؤولة قسم التقاضي في “المفكرة القانونية”، التي عللّت الأسباب التي تسمح للمحكمة بإعلان عدم صلاحيتها النظر في الدعوى لكون شادن مدنيّة “لا تنتمي لأي سلك عسكري أو أمني”. وأوضحت فرنجية أنّ “المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية تسمح للمحكمة باستبعاد تطبيق قانون القضاء العسكري الذي منح صلاحية واسعة لمحاكمة المدنيين على خلفية أي خلاف جزائي بين مدني وعسكري، لتعارضه مع المواثيق الدوليّة التي كرّست الحق في المحاكمة العادلة”.

وهنا، اعترضت القاضية حنقير، معتبرة أنّ ما تدلي به فرنجية هو دفع شكلي وليس مرافعة بالأساس. فأجابت فرنجية أنّ موضوع صلاحية المحكمة “هو من الانتظام العام وبإمكاننا الإدلاء به في جميع مراحل المحاكمة” وأنّ محكمة التمييز قد أكّدت على ذلك في اجتهاداتها. وأضافت أنّ فريق الدفاع سوف يترافع بالشكل وبالأساس.

وتابعت فرنجية مرافعتها ضدّ المحاكمات العسكرية للمدنيين والتي نادراً ما يتمّ مناقشتها أمام المحكمة العسكرية، وهي ما يسمّى بـ “دفاع الرفض” حيث لا يقتصر دفاع المحامي على الحجج التقنية بل يتجاوزها إلى نزع شرعية قانون معيّن والتعبير عن رفض النظام بكامله. وكان عدد من المدنيين الذين تمّ الادّعاء عليهم على خلفية مشاركتهم في تظاهرات حراك النفايات في 2015  قد تقدّموا بدفاع مماثل في العام 2017 إلّا أنّ المحكمة رفضته آنذاك من دون تعليل.

وبررت فرنجية أسباب طلبها بإعلان المحكمة لعدم صلاحيتها محاكمة شادن بـ “أنّ القضاء العسكري هو قضاء استثنائي، ويتبع أصولاً استثنائية مختلفة عن الأصول العاديّة، وهو يفتقر لضمانات المحاكمة العادلة الموجودة أمام المحاكم العاديّة”.

وأعطت مثالين اثنين عن الضمانات التي يفقدها المدنيون عندما يحاكمون أمام القضاء العسكري، أوّلها، “غياب التعليل في الأحكام الصادرة عن القضاء العسكريّ”، ما يعني أنّ الحكم الذي سيصدر بحق شادن لن يُعلّل سبب براءتها أم إدانتها، والتعليل هو من أهم الضمانات لحكم عادل وفي غيابه تغيب العدالة”.

أمّا الضمانة الثانيّة التي يفقدها المدنيون والتي طرحتها فرنجية فتتعلق “بكيفيّة تشكيل المحاكم العسكريّة التي تتعارض مع الحق في المحاكمة أمام القاضي الطبيعي والمحكمة الحياديّة”. وأضافت: “بما أنّ المحاكم العسكريّة متخصّصة بمحاكمة العسكر، وتضمّ قضاة غير مدنيين ينتمون للأسلاك العسكريّة والأمنيّة وخاضعين لأنظمتها وتراتبّيتها، فهذا يثير الشك المشروع لدى المدنيين في حيادية المحكمة بغض النظر عن شخصيّة القضاة وتُشعر المدني بأنّ المحكمة منحازة ضدّه”. بمعنى “أنّ مفهوم الحياد الظاهر يرتبط بهيكليّة المحكمة وليس بشخصيّة القاضي”. واعتبرت أنّ “ضمانة حياد المحكمة مفقودة أمام القضاء العسكري كما ضمانة التعليل”.

كلام النساء عن الفوط الصحيّة ليس بجرم

من جهتها، تولّت المحاميّة لمى الأمين في مرافعتها تفنيد مواد الادعاء التي استندت إليها النيابة العامّة العسكريّة للادعاء على شادن وهي: 157 من قانون القضاء العسكري و383 من قانون العقوبات. فاعتبرت أنّ “ادّعاء النيابة العامة بالمادة 157 والمتعلّقة بالمسّ بسمعة الجيش، لا تنطبق على القضية، إذ أنّ النص يذكر الجيش حصراً فيما الواقعة حصلت مع قوى الأمن الداخلي، ما يعني أنّ عناصر الجريمة غير متوفّرة”. وسألت الأمين: “لماذا ادّعت مفوضة الحكومة بهذه المادة في ظلّ عدم انطباق عناصر المادة على الواقع؟”. ثم أشارت إلى أنّ “المادّة الثانيّة المدعى بها ضدّ شادن وهي 383 من قانون العقوبات تتصل بتحقير موظف، هي جنحة عقوبتها أقل من سنة ما يعني وفقاً للقانون العسكري أنّها من صلاحيّة القاضي المنفرد وليس من اختصاص هذه المحكمة”.

وتابعت  الأمين بإثبات عدم توفّر عناصر جرم تحقير عناصر قوى الأمن الداخلي، مشيرة إلى أنّ “العبارات التي استخدمت من قبل شادن خلال الاتصال لم تتضمن أي إساءة”. وفي الحقيقة فإنّ الفيديو الذي لا يزال متاوفراً للمشاهدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تضمن فقط عبارة “إجتني” و”فوط صحيّ”. وهاتان العبارتان ليستا إهانة. وهذا ما شرحته الأمين في مرافعتها مشيرةً إلى أنّ “شادن نقلت قصّة شابّة خلال دورتها الشهريّة تحتاج للفوط الصحيّة، ولم يتضمّن الاتصال أي تحقير للعنصر الذي أجاب على الهاتف”. وأضافت: “العبارات متداولة بشكل طبيعي بين النساء والرجال، والدورة الشهرية جزء لا يتجزّأ من حياة النساء اليوميّة، كما أنّ الفوط الصحية هي من الحاجات الأساسيّة مثل حاجتنا للمياه”. وذكّرت الأمين المحكمة بأنّ “هذه المواد لم تكن ضمن لائحة المواد المدعومة رغم أهميّتها، كما أنّ ثلثي النساء في لبنان غير قادرات على الوصول إليها”.

وأضافت الأمين أنّه فيما يتعلّق بالعنصر المعنوي للجريمة: “الفقه والاجتهاد اعتمد تفسيراً أضيق لمفهوم التحقير والمسّ بالسمعة حينما يكون بمفهوم فنّي. وذلك يعود إلى أنّ الكوميديا تتخطى الحدود المألوفة لإضحاك الجمهور، وفي حالتنا فإنّ شادن ممثلة كوميديّة متابعة للقضايا الاجتماعيّة والاقتصاديّة ومن أهم أهدافها القضايا النسائية”. وختمت مشيرة إلى أنّ اتصال شادن بالقوى الأمنيّة كان هدفه “توعية النساء على هذه القضايا، وتشجيعهنّ على حلّ هذه المشكلة عبر الوسيلة الوحيدة التي كانت متاحة وهي الاتصال بالـ 112″، مشددة على أنّ النيابة العامة لم تقدّم أي دليل على ورود اتصالات إضافية لإثبات حصول أيّ ضرر طالبة إبطال التعقّبات بحق شادن.

واستطراداً، رأت الأمين أنّه “لو وجدت المحكمة أيّ ضرر ناتج عن الاتصال، وفي حال قارنّا ضرر الاتصال بكلفة متابعة الادعاء نجد أنّ هذا الادعاء مرّ على ثمانيّة عناصر، وعلى فرع المعلومات الذي بحث في داتا الاتصالات، وعلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتيّة الذي استدعى شادن، وأمام هذه المحكمة”. وخلصت إلى أنّ “كلفة التحقيق أعلى من أي ضرر أو خسارة في حال وجود جرم حقاً، وهذا ما نراه سبباً إضافياً لإبطال التعقّبات بحق شادن”.

وبعد انتهاء فريق الدفاع من مرافعته، ذكّر العميد الحاج بقانون القضاء العسكري الذي يسمح للمحكمة العسكريّة بمقاضاة المدنيين في الجرائم التي تمسّ بمصلحة الأمن الداخلي، وهو الأمر الذي كانت المحاميّة غيده فرنجيّة قد طرحته في مرافعتها، فعادت الأخيرة وكرّرت أنّ “المادة 2 من أصول المحاكمات المدنية تسمح للمحكمة بعدم تطبيق هذا القانون حين يتعارض مع المعاهدات والمواثيق الدوليّة، وتحديداً المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة”.

حكم “تأديب” وغرامة مرتفعة: هل تبرّر المحكمة العسكرية حكمها؟

إذاً كانت تلك من المرّات القليلة التي تشهد المحكمة العسكريّة هذا النوع من الملفات والاستجوابات في قضايا ترتبط بحرية التعبير، فغالباً تشهد غرف المحكمة محاكمات من نوع آخر “محاكمة متظاهرين بمعاملة قوى الأمن بالشدّة على خلفيّة المشاركة في التظاهرات”، والتي تخرج كنقيض للملفات الكبيرة التي تنظر فيها المحكمة مثل الإرهاب والعمالة وإطلاق النار العشوائي والقتل وغيره.

وبدا الحديث عن الفوط الصحيّة غريباً على المحكمة التي ذهب رئيسها إلى التركيز على “ضرر محتمل” جرّاء اتصال شادن بالقوى الأمنيّة لطلب الفوط الصحيّة بهدف انتقاد الإجراءات التي أقرّتها وزارة الداخليّة والبلديّات بدلاً من الأخذ بعين الاعتبار حقّ المواطنة في النقد كما حق الكوميدية في استخدام مهاراتها المهنيّة لنقد أداء السلطات وبخاصّة تجاه حاجات النساء التي تُعد من الأولويّات مثلها مثل حقنا في شرب الماء. وبدا مستغرباً توجّه المحكمة العسكريّة لإعطاء العمل البسيط الذي قامت به شادن حيّزاً واسعاً من الاستجواب، ثم محاولة استحضار دليل من خارج الملف ضدّها والانتهاء بحكم يُدينها وتغريمها مبلغ مليون و800 ألف ليرة لبنانيّة.

وتعدّ هذه الغرامة بحسب المحاميّة غيده فرنجيّة مرتفعة جداً مقارنة مع الأحكام المماثلة التي تصدر عن المحكمة العسكرية، كونها تعادل ستة أشهر حبس في حال عدم دفعها. وأشارت إلى أنّ “فريق الدفاع لم يستلّم بعد نسخة كاملة عن الحكم لمعرفة ما إذا تضمّن أي تعليل أو توضيح حول كيفية وصول المحكمة إلى هذه النتيجة”. وذكّرت بأنّ المحكمة العسكرية عادة لا تعلّل أحكامها وهو ما يؤدّي إلى “شعور بوجود تعسّف واعتباطية في قراراتها طالما أنّها تحرم المدنيين من أي تعليل”. ونشرت شادن التي احتجزت في المحكمة طوال النهار لغاية صدور الحكم عند السابعة ليلاً على حساباتها على سوشل ميديا أنّ السبب الحقيقي لهذا الحكم هو “محاولة النيابة العامة أنْ تربّيني” وهدفها “التخويف”، وأنّ سبب ارتفاع الغرامة يعود لاعتقادها أنّها “ما قصّرت بالجلسة”.

وشددت فرنجية على أهمية أن يتقدّم المحامون بدفاع الرفض في القضاء العسكري كلما سمح الأمر وذلك “منعاً للتطبيع مع المحاكمات العسكرية للمدنيين إلى حين تعديل قانون القضاء العسكري”.

من الملفت أيضاً أنّ القضايا الأخرى التي نظرت فيها المحكمة العسكريّة في هذا النهار لم تأخذ هذا الحيّز من اهتمامها. فعلى سبيل المثال، في إحدى الجلسات التي اتّهم فيها سجينان من رومية بتعاطي المخدرّات أعرب أحد المدعى عليهما في رد على العميد أنّه “لا يزال يتعاطى المخدرات وهو في السجن”. وهو ما لم يُحرّك ممثلة النيابة العامّة القاضيّة حنقير باعتبار إفادته إخبار لوجود مروّجي مخدرات في السجن (علماً أنّ العميد طلب إخضاعه لفحص مخدرات)، بينما في جلسة شادن، اعتبرت حنقير أنّ الفيديو الذي انتقدت فيه الجيش اللبناني إخبارٌ (وهو فيديو ليس موضوع الملف).  وكان ملفتاً خلال جلسة السجينين أيضاً مزاح جميع القضاة والمحامين بأنّ “كلّ البلد عم يتعاطى مخدرات” في حين أنّ الكلام في جلسة شادن عن الفوط الصحية اعتبر عملاً مسيئاً.

وأخيراً وبخلاف المحكمة التي توجّست من الحديث عن الدورة الشهريّة فقد حاولت شادن تطبيع الحديث عن الدورة الشهريّة سواء من خلال الفيديو الأساسي موضوع الملف سواء من خلال ردودها على الاستجواب، وأخيراً في تصريحاتها للإعلام خصوصاً قبل دخولها المحكمة حين قالت إنّها تُحاكم لأنّها طلبت فوطاً صحيّة قبل عامين: “بعد شوي ح نفوت على المحكمة كرمال الكوتكس، وأحلى شي إنو جاييتني”.