الرئيسية / مقالات / … وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر!

… وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر!

بن علي يطالب الدولة التونسية براتبه التقاعدي ـ (فيديو)بنس يحذر تركيا من مخاطر الخروج من برنامج إنتاج طائرات “إف- 35” وأنقرة تردالغارديان: المرحلة الأصعب في الجزائر بدأت الآنبوتفليقة يطلب الصفح من الشعب الجزائري- (رسالة)إسرائيل تستعيد جثة جندي فُقد خلال حرب لبنان عام 1982المرزوقي: تنحي بوتفليقة يمهد الطريق نحو الاتحاد المغاربي

رأي القدس
04042019

باستثناء القضية الفلسطينية فإنه لم تحظ قضيّة باهتمام الشعوب العربية أكثر من قضية تحرّر الجزائر من الاستعمار الفرنسي، والسبب الحقيقيّ في ذلك أنه في كلتا القضيتين يحضر موضوع الاحتلال الاستيطاني المروّع والذي يطمح إلى استبدال شعب بشعب آخر، ويتعامل مع أصحاب الأرض الأصلاء بوسائل الاقتلاع والحديد والنار تارة، وبتحطيم الهويّة الثقافية والدينية للناس تارة، وبأساليب خبيثة كثيرة تارات أخرى.
تتذكر شعوب العالم العربي التي شهدت معارك كفاح الجزائريين لنيل استقلالهم نشيدهم الذي يبدأ بقسم مؤثّر «بالنازلات الماحقات والدماء الزاكيات الطاهرات» ويكرّر في كل مقطع منه جملة «وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر» ويقفلها في كل مرة بفعل: «فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا».
استقلّت الجزائر في 5 تموز/يوليو 1962 أي بعد 132 عاماً بالتمام والكمال على احتلالها في اليوم نفسه من عام 1830، وترك هذا الاحتلال الطويل الأمد آثاره السياسية والاجتماعية واللغوية والثقافية العميقة على الجزائريين، وفي الوقت الذي جعل العداء للأجنبيّ شديدا في دواخلهم، فإنه جعلهم شديدي الحساسيّة ضد أشكال الاستبداد والبطش المحلّية أيضاً.
شكّل هذا الإرث المتناقض ضغطاً هائلاً على الشخصية الجزائرية.
حاول حكّام الجزائر، أن يوازنوا بين هذا العداء العميق المتأصل لفرنسا والاستعمار، والرغبة في تأسيس دولة حديثة تستعيد عناصر الهويّة الثقافية المضطهدة (الإسلامية والعروبية)، لكنّهم لم يفصلوا بين فرنسا الاستيطان الاستعماري واليمين المتطرّف الفرنسي الذي كان أقطابه أدوات لألمانيا النازية عند احتلال فرنسا نفسها (خلال الحرب العالمية الثانية)، وبين فرنسا الاتجاهات الديمقراطية التي ساهمت في دعم تحرّر الجزائر، وشكّل هذا التعميم استثمارا للنخبة العسكريّة ـ الأمنيّة الجزائرية الناشئة في تعميق العداء للديمقراطية بدعوى العداء للاستعمار، لكنّها، في الوقت نفسه طوّرت علاقات تبعيّة مع أجهزة فرنسية وساسة فرنسيين لتأمين غطاء دوليّ لحكمها.
أما ما يتعلّق بحملة الدولة الجزائرية لإعادة تعريب الثقافة الجزائرية فقد توقّفت عندما صار الأمر يتعلّق بدمقرطة المجتمع والسماح للتيّار السياسي الإسلامي بتمثيل حقيقي في البرلمان وسلطات البلاد.
النتيجة كانت طبعاً انفجار تناقضات السلطة والمجتمع عام 1992 فيما يسمى بـ«العشرية السوداء» التي قرّر فيها الجيش في الجزائر إلغاء نتائج الانتخابات وما تلاها من محاولة استئصال الإسلاميين بالقوّة، وهو ما يعني، منظورا إليه في سياق الاستعمار الفرنسيّ، انقلاباً على عناصر الهويّة الثقافية الجزائرية واستعادة ضمنيّة لنهج الاستعمار، ولكن بأيدي الجزائريين أنفسهم.
امتدّت حقبة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة 20 عاماً وهي تمثّل في الحقيقة خلاصة لمعادلة كبرى في الجزائر طرفاها الجيش والشعب، فقد شارك عام 1964 (بعد عامين على الاستقلال) في تكريس معادلة من يحكم الجزائر بدعمه لانقلاب الجيش على مدنيي «جبهة التحرير»، عبر انقلاب هواري بومدين على أحمد بن بلة.
عاد عبد العزيز بوتفليقة إلى الجزائر عام 1998 بدعوة جديدة من الجيش للترشح للرئاسة، وكانت حقبته التي بدأت عام 1999 فترة توازن جديد ضرورية بين الجيش والقوى المدنيّة، لكنّ نهج الحكام في انتهاك الحريّات العامة وفضائح المال العام استمرّ، وقد أضاف بوتفليقة إلى ذلك «إنجازا» جديدا هو تعديل الدستور للسماح له بولاية ثالثة، ثم بولاية رابعة لم يكن خلالها يحكم فعليّا وكان طموح «العصابة» (كما وصفها قائد أركان الجيش الجزائري أول أمس) استخدامه قناعاً في ولاية خامسة الأمر الذي أفلت زمام التوازنات وأعاد ملايين الجزائريين للشوارع وسقط بوتفليقة على سيفه الذي جاء به: الجيش.
وبذلك انفتح المشهد في الجزائر على مرحلة جديدة عاد فيها الشعب ليصبح جزءاً كبيراً من معادلة صناعة الحكم، والمفارقة أن الشعب هذه المرة هو مكّن الجيش من استعادة المبادرة مما أدّى إلى رحيل بوتفليقة.
الجزائريون الآن مجددا أمام قسم نشيدهم الوطني وهم عاقدو العزم على أن تحيا الجزائر.

اضف رد