“وطن” بطرس البستاني من أوائل الداعين لتعليم النساء: زوجته راحيل وابنته سارة نموذجاً

يحدد الكبير بطرس البستاني في “خطاب في تعليم النساء”، الذي يعتبره الخطاب الأول من نوعه، الغاية من القاء هذا الخطاب “انما هي انهاض همة النساء الى العلم لكي يكن اهلاً لكرامة أكثر. وان استعطف الرجال لكي ينظروا الى اصلاح حالهن وانتشالهن من أعماق الانحطاط “، كما في اعمال الجمعية السورية (ص 30)، ووفقاً لما ذكره الموسوعي الدكتور يوسف قزما خوري في كتابه “رجل سابق لعصره –المعلم بطرس البستاني 1819-1883” (ص 26).

كتابات بقلم بطرس البستاني ( من صفحة المعلم بطرس البستاني).

لا شك في أن البستاني طبق فعلياً دعوته لتعليم المرأة ومساواتها مع الرجل من خلال تأسيسه المدرسة الوطنية، وزواجه من راحيل عطا البستاني امرأة مثقفة ومتعلمة في ذلك الوقت وتشجيعه ابنته سارة على اكتساب العلم والانخراط في الهيئة التعليمية في المدرسة الوطنية.

الأول من نوعه

استعادت سميرة سعيد في حديثها لـ “النهار” بعضاً من بحثها عن “المدرسة الوطنية للمعلم بطرس البستاني”، والذي يدخل في إطار تحصيلها شهادة الماجستير في علم التاريخ من الجامعة اللبنانية، ولا سيما ما ذكرته في ما خص خطاب البستاني في تعليم النساء.

ماذا تضمن هذا الخطاب؟ “الخطاب يعد الأول من نوعه، لأن الديار الشامية كانت تهمل اهمالاً كلياً تعليم المرأة” قالت. واستندت الى مضمون بحثها مشيرة الى انه ألقى هذا الخطاب في احدى جلسات الجمعية السورية وقد حدد فيه الغاية من انهاض همة النساء الى العلم، لكي يكن اهلاً للكرامة”.

المعلم بطرس البستاني ( من صفحة المعلم بطرس البستاني).

وشددت سعيد على دعوته الرجال “لكي ينظروا الى حال المرأة العامة وانتشالها من أعماق الانحطاط”. قالت: “دعا المعلم بطرس البستاني الى تعليم المرأة ومساواتها مع الرجل في هذا المجال، وعدد العلوم، التي يجب ان يتعلمها، هي الديانة لأنها للرجل وللمرأة معاً، واللغة التي يجب أن تكون عارفة فيها، والقراءة والكتابة لأنهما ضروريتان لها، وعلم تربية الأولاد، وهذا العلم واجب لكل امرأة، وهناك علم آخر هو الاعتناء بالبيت والقيام بواجباته بالإضافة الى الجغرافيا والتاريخ والحساب. وفي نهاية الخطاب، يحدد البستاني الفوائد، التي تجنيها المرأة، من اكتساب هذه العلوم وتساعد في بناء نشء صالح لبناء الوطن على أفضل وجه”.

للمرأة دورها

وفي بحثه عن الإطار العام لمطلب تعليم المرأة ومساواتها بالرجل عند بطرس البستاني، توقف القس سهيل سعود في حديثه لـ “النهار” عند النظرة المختلفة للمعلم بطرس البستاني إلى المرأة، مشيراً الى أن “البستاني رأى ان حقوق المرأة لا تنقص عن حقوق الرجل”. قال البستاني: “لكل دوره في المجتمع. للمرأة دورها، وللرجل دوره”.

وشدد القس سعود على أن “المعلم بطرس البستاني اعتقد أن تعليم النساء هو أمر أساسي من أجل بناء مجتمع عصري مثقّف”. قال:” ظن إن المرأة هي المستفيدة الأولى من تعلّمها لأن هذا سيمنحها الحكمة في التعامل مع عائلتها وأولادها ومجتمعها”. وتوقف سعود عند دعوة البستاني إلى التعلّم، والتي قال فيها: “التعلّم هو مولّد التطوّر الإنساني. إنه الوسيلة لإنقاذ الوطن من الركود، والسير نحو التقدّم نحو حياة أفضل”. وأشار سعود الى انه “اعتبر أن التعلّم يجب ألا يكون مجرّد خيار من خيارات متعدّدة، بل هو ضرورة ماسة للرجال والنساء. التعلّم هو عملية تجديد ذاتي للوصول إلى الهدف الأسمى الذي هو الخير العام”. قال:” تحدّث البستاني عن ضرورة تثقيف وتعليم النساء في المواضيع التالية: القراءة، اللغة، تربية الأطفال، الكتابة، مضمون الإيمان، الإقتصاد، الجغرافيا، التاريخ، والحساب. وكما أكّد على حقوقها فإنه أيضًا أكّد على مسؤوليتها في كل ما تقوم به”.

وأكّد ايضاً على أن “البستاني رفض قساوة تعامل الرجال مع النساء، معتبراً أن السبب يعود إلى نقص في معرفة ورؤية الرجال لدور المرأة الهام”. ولفت الى انه “اعتقد أن تعليم المرأة سيمكنها من الوقوف إلى جانب زوجها ليتشاركا معًا في صعاب الحياة ويتشاركا معًا في القرارات البيتية”.

حب المرأة للوطن

الواجهة الامامية للمدرسة الوطنية (الانترنيت).

وتوقف عند “البستاني، الذي سلط الضوء على أهمية النساء المتعلمات في بناء وطن صالح، والمساهمة في تقدمه”، مشيراً الى انه “اعتبر أن الزوجة الفاضلة المتعلمة والأم الصالحة، تشكّل مدماكًا للوطن”. قال: “المرأة المثالية برأي البستاني هي التي تحبّ وطنها وتظهر غنى بمعرفة لغته وثقافته وتاريخه”.

وانتقل سعود الى ما تطرق البستاني اليه عن “أهميّة تعلّم النساء اللغة العربية الصحيحة كي ينقلنها لأولادهن لغة الوطن” مشيراً الى انه “شجَع النساء على تعلّم لغات أجنبية كيما يتعلّمون أفكارًا أخرى من حضارات أخرى”. وذكر ان البستاني “نبّه من عدم تزويد المرأة بفرص التعلّم هو من أفظع اللعنات على الوطن… فاستثناء النساء من التعلّم هو إنكارٌ لإنسانيتهن واستبعاد عن مشاركتهن في صياغة الوطن”.

وانتقل الى خطابه “في تعليم النساء “والذي رفض البستاني فيه الزواج المدبّر مسبقاً” معلناً أن “إجبار المرأة على الزواج من شخص لم تتعرّف عليه وتحبّه، إنما هو إنكار لحقّها في الاختيار كشخص راشد في المجتمع”. واكد على انه “اعتقد أن الزواج يجب أن يبنى على الحبّ المتبادل، واعتبر أن “حضارة أي بلد، يجب ان تقاس على مستوى الاحترام والمحبة المتبادلين بين الأزواج”.

راحيل عطا و …سارة

وفي العودة الى الحلقة الضيقة من موضوع تعليم النساء لدى البستاني، فقد برزت فعلياً من خلال التزامه الزواج من راحيل عطا المرأة المتعلمة، التي كان لها دور في دفعه لتأييد فكرة تعليم المرأة.

ذكر الموسوعي الدكتور يوسف قزما خوري في الكتاب نفسه (ص. 30) في القسم الخاص عن راحيل عطا البستاني ما نشره سليم البستاني أن “لعل حسن المزايا، التي كانت تتحلى بها راحيل عطا البستاني، نتيجة لحسن تربيتها على ايدي المرسلين الأميركان ولاكتسابها العلوم في مدارسهم، هي التي دعت كلاً من زوجها بطرس البستاني وولدها البكر سليم الى تأييد فكرة تعليم المرأة، وذلك لجنيهما ثمار هذا التعليم ولتحققهما عن كسب الفوائد الجمة التي تستطيع المرأة المتعلمة ان تقدمها لمجتمعها بصورة عامة، ولزوجها وأولادها بصورة خاصة”.

دعمها للمرأة

مبنة المدرسة (الانترنيت).

أما سعيد فقد تناولت في بحثها زواج المعلم بطرس البستاني مشيرة الى ان “راحيل عطا هي اول فتاة التحقت في مدرسة تابعة للإرسالية السورية عام 1824، وكانت مشرفة عليها زوجة عالي سميث، وقد التحقت بهذه المدرسة ثماني بنات بينهن راحيل عطا”. وشددت ايضاً على أن “البستاني تعرف إلى زوجته في أوساط المرسلين، وتعد المرأة الأولى في الشرق، التي دعت زوجها بطرس وابنها البكر سليم الى تأييد فكرة تعليم المرأة”.

اما في الفصل الثاني من بحثها، فقد تطرقت سعيد الى دور “الست سارة، ابنة المعلم بطرس البستاني، التي كانت تعلم في المدرسة الوطنية صفاً في اللغة الإنكليزية”، إذ تلفت إلى ان “مسيرتها التربوية والتعليمية توقفت بسبب موتها في تلك السن وهي في ربيع شبابها”.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter :@rosettefadel

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*