وطن الأحلام الممنوعة


نهاية الأسبوع الماضي، تلاقت المناسبات في صدفة غير عاديّة، ذكّرت اللبنانيين بنوع من القادة السياسيين الذين مرّوا في تاريخ البلد، فصنعوا أحلاما وطنية أو طائفية، ومضوا قبل أن يحققوا شيئا من طموحاتهم الكبيرة.

جرياً على عادتهم كلّ عام، التقى في المختارة أنصار الزعامة الجنبلاطية ومحبّو كمال جنبلاط ورفاق مسيرته، تكريماً له في الذكرى الثانية والأربعين لاستشهاده.

صنع كمال جنبلاط حلم الفقراء بتحقيق نوع من العدالة في توزيع الدخل والثروة. وألهب حماسة المثقّفين والمؤمنين بوطن متحرّر من الطائفية والعصبيات، فجمع حول مبادئه مثقفين منتشرين في كل لبنان، من أقصاه إلى أقصاه.

كان زاهداً في حياته رغم قدرته على التمتّع بالرفاهية ورغد العيش، وخاض معركة لا تستكين ضد الفساد في الحياة السياسية والإدارة. ومن المؤسف أن كمال جنبلاط مضى قبل أربعة عقود ولا يزال الفساد محور الجدل في حياتنا السياسية.

انطلق من طائفة صغيرة في منطقة لبنانية صغيرة ليصبح من أبرز رموز النضال العربي في سبيل فلسطين وقضايا التحرّر والاستقلال.

وما دمنا نتحدّث عن الأحلام، فلا بدّ من استذكار رفيق الحريري الذي احتفلنا بذكرى استشهاده المدوّي قبل شهر من ذكرى كمال جنبلاط. رفيق الحريري كان صاحب حلم إعمار لبنان الذي دمّرته الحرب، واستعادة دوره الاقتصادي في المنطقة.

ومن يتعمّق في مسيرة رفيق الحريري يكتشف أن أهدافه الاقتصادية لم تكن إلاّ حلمه الظاهر. أما مشروعه المستتر، والذي أدّى على الأرجح إلى اغتياله، فهو تسخير كل علاقاته الدولية لانتزاع استقلال لبنان من بين فكّي الوصاية، وحصر السلاح بيد الدولة. هذا هو مضمون القرار الدولي الذي “اتّهم” الحريري بصياغته والعمل على إخراجه وتطبيقه.

نعود إلى نهاية الأسبوع الماضي وما حمله من مناسبات متقاطعة، بالصدفة.

قبل يوم واحد من ذكرى كمال جنبلاط، احتفل رفاق بشير الجميّل في جامعة الروح القدس بإطلاق “أكاديمية بشير الجميل” وهدفهم تعريف الجيل الجديد بأفكار القائد العسكري الكتائبي الذي أصبح الزعيم الأول للمسيحيين، بدون منازع، وانتخب في آخر حياته القصيرة رئيساً للجمهورية.

الحلم الذي مثّله بشير الجميّل لم يكن حلماً لكل اللبنانيين، بل كان موجّهاً للمسيحيين، وعلى الأخصّ للموارنة، الذين شاهدوا على مرّ السنين أن السلطة في الكيان الذي صنعوه تسقط من يدهم رويدا رويدا. وقد أصابهم نوع من الخوف العميق على المصير بعد دخول السلاح الفلسطيني بقوّة إلى المعادلة اللبنانية، وبعدما أنشأ الفلسطينيون دولة ضمن الدولة وجيشا غير لبناني في موازاة جيش لبنان.

وقد عدّل بشير خطابه قبيل وبعيد انتخابه رئيسا للجمهورية، ليٌصبح موجّها إلى كل اللبنانيين، لكنه كان بحاجة إلى وقت أطول لوضع خطابه اللبناني على محكّ التجربة، إلا أن القدر لم يمهله فسقط وهو في ريعان الشباب.

حلم المسيحيون مع بشير بإعادة انتاج الدولة والبلد، بالقوّة، تحت سلطة مارونية مركزية تكون جزءا من الغرب وثقافته وتحالفاته، على أنقاض المفاهيم الوسطية للميثاق الوطني، الذي مزّقته الحرب الأهلية. وقدّم لهم بفضل سلوكه الشخصي مثلا على أن الحكم في الدولة الجديدة سيقوم على أساس نظافة الكفّ والترفّع عن المصالح الشخصية والابتعاد عن الفساد.

قليلون لاحظوا أن إطلاق “أكاديمية بشير الجميّل”، في الخامس عشر من آذار، صادف ذكرى ميلاد زعيم لبناني كبير هو ريمون إدّه، الذي جسّد في حياته السياسية وخطابه حلم الدولة الديموقراطية الخالصة التي يسمو فيها القانون على كل ما عداه. حلم بدولة تقوم على نسق الدول الديموقراطية الغربية العريقة، غير مكترث بأنه يسوّق هذا الحلم في بلد الطوائف والعشائر والعصبيات، التي تستبيح القانون وتشرّع كل أنواع “الزعبرة” والفساد.

ما أسهل سحق الأحلام في لبنان عندما تتجاوز الخطوط المرسومة للبلد من القوى الإقليمية أو الدولية.

بين منتصف شباط ومنتصف آذار تذكّرنا قادة رحلوا ورحلت معهم أحلامهم، لأن الأحلام الكبيرة لا مكان لها في هذا البلد الصغير. البلد متاحٌ فقط للذين يقبلون بسياسة صغيرة وأهداف محدودة، سقفها هو الحفاظ على النفوذ الخاص والمنافع الشخصية، مهما كان صوتهم عالياً “أمام الجماهير” الغفيرة، وعلى الشاشات والمنابر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*