الرئيسية / أبحاث / وطنٌ يُبنى حجرًا حجرا والمئة الفائتة رفّة عين

وطنٌ يُبنى حجرًا حجرا والمئة الفائتة رفّة عين

شذرات من مسارات قرانا

من القاصوف الى صنين

شربل نجار
هنا لبنان
09022019

قرى خمس وقرويون شاركوا في عمار البلد انسانا تلو إنسان وحجرا بضهر حجر. المثل أمثال بسكنتا مثل والشوير وبيت شباب والمتين وبكفيا أمثال.

تلك القرى المنازل واسعة رحبة . تعيش في كل منها عائلات كثيرة، الحيط على الحيط والشباك قبالة الشبَاك والباب واحد والحقل واحد  والمعجن واحد  والخير للجميع . المدرسة مدارس والكنيسة كنائس والطريق الى الدير واحد. أما الطرقات  فطرق دواب لم يمسَسْها إنسان.


درب الكنيسة  دروب وصور قديسين وشموع وبخّور  ومذاهب ومَذابح!.  في كل منزل من تلك المنازل الخمس حياة زاخرة زاهية حزينة وفرحة “مشغولة البال” يسكنها هاجس الغدر بها على الدوام.

منزل يضيق فينتقل أهله الى منزل مجاور وبسكنتا هي الأعلم بنزوح فروع من آل الهراوي الى زحلة  والنجار الى زحلة والمتين أو فروع أخرى الى أمكنة أخرى. وبيت شباب تدري وتتذكّر  هي التي أُحرقت مرّتين  كيف فرّ أهلها ليعودوا فيبنوا ما دمره ابراهيم باشا المصري في طريق انسحابه من لبنان وما إقترفته أيدي عسكر المتصرفيّة زمن داود باشا حقدا على الشبابيين الذين استقبلوا يوسف بك كرم في ديارهم.

 منزل يتاجر كبكفيا ، عاصمة القائممقامية الشمالية  كانت ، ولم يخبُ عزّها . منزل آخر قيل أنه كان عاصمة لبيت لمعي مرادي  كبير  فالمتين تزرع  ، يفيض إنتاجها خبزًا والبانًا وخمرًا ودبسًا وحريرًا . ورهبان موزعون بين صوامع وأديرة من بنابيل الى الشوير وبعبدات يفلحون الأرض  يشذّبون الغرس ويهذّبون الناس. منزل يُصنّع كبيت شباب وعمارة مدرسية هائلة في الشوير حيث يتبارى الجميع لتقديم أجود أنواع التعليم في غرف المنزل  الشويري الواحد.

منزل يغادره أولاده الى الأرجنتين حيث توجّهت غالبية متينية مهاجرة، ومنزل تجذب أبناءه إفريقيا كما أبناء بيت شباب أو تجذبهم  الولايات المتحدة كما أبناء  الشوير وبسكنتا .أما البرازيل فسعى اليها الجميع بأعداد متفاوتة كانت أغزرها أعداد الشويريين الذين لحقوا بآل يافت التبشراني أول الواصلين. بكفيا شذّت عن القاعدة فذهب أهلها عن إقتدار مادي وتضلّع ثقافي الى مصر البلد القريب حيث صاروا بكوات وباشوات وصيدلانيين وأطباء ومحامين  وأصحاب معامل وصحف ورأي.

كل المنازل سمعت نداء البحر في وقت واحد ولسبب واحد ، إنّه ضيق الحال زمن المتصرفية  وكثرة الأهوال خلال الحرب الكبرى. ففي المتين والشوير وبسكنتا وبيت شباب وبكفيا  جاء نداء البحر  في اول سبعينيات القرن التاسع عشر ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم وغدًا شباب لبنان الذين بلّطوا البحر في ما مضى يزرع أحفادهم اليوم  الأجواء  ذهابًا وإيابًا فلا طائرة تطير ولا قطار يسير إلا وبين المسافرين لبناني ولو لبناني واحد.
 
كانت تلك المنازل الخمسة تمتهن بالإضافة الى الحِرَف المتشابهة التي تتقنها كانت تتميّز بصناعات خاصّة بها . ولم تَغرس تلك المنازل  يوما  إلا شتولا متشابهة ومختلفة في آن معًا  وأشجارًا مثمرة  لا تشبه بعضها في اللون والطعم  فلا التراب واحد  ولا المياه إيّاها ولا الإرتفاع  عن سطح البحر متشابه. إلا أن القرى الخمس هذه لم تنتج من الصناعات  يومها إلا أجودها  ومن الفاكهة إلا ألذّها ومن الخضار إلا أطيبها وعلى الطيبة والجودة التقت والتسقت وسعت كغيرها من القرى فذهبت  بالجبل الى رحاب أوسع.

في نهاية القرن التاسع عشر كانت الفتاة تدخل المدرسة كالفتى وإن بأعداد أقل. وتأهّبت  مدارس الراهبات  ففعلت فعلها في جمع وتدريس وتدريب  فتياة تلك المنازل – القرى  وإعدادِهِنّ  زوجات صالحات مجتهدات فجنّبتهنّ سوق العمل البيروتي القريب الذي  لم يوفّر للفتيات النازلات من فوق أكثر من الخدمة  في المنازل أو في  مواخير الدعارة.

في المتين تعلّم الفتيان  ما يكفي للعمل في الزرع  والرعي ومعاصر العنب وكراخين الحرير . في بكفيا صاروا محامين وأطباء  ومفكرين وشعراء ولفّيفة سجاير وسجّاد وفي بيت شباب صيدلانيين ومترجمين وصحافيين وصنّاع أجراس  وفخّارين وحائكين ، وفي بسكنتا  صاروا محامين ومزارعين وكتّابا وشعراء.  أما في الشوير فقد أمنت مدرسة عين القسيس البروتستانتية للبروتستنت والأورثوذكس معا طريقاً  عريضا باتجاه الجامعة الأميركية في بيروت ومنها الى الولايات المتحدة الأميركية فحيّدتهم عن مهنة تقصيب الحجر ورصفه أبنية شاهقة وأبوابًا عالية  وواجهات وشرفات ونوافذ . إنها المهنة الشويرية  التي   تخطت في فنّها قصور لبنان من بيت الدين الى دير القمر فوصلت مواصيلها الى القاهرة والشام وبغداد وفلسطين .

منازل جبلية تعلّم فتيانها ونصف فتياتها لغات مختلفة في صروح مختلفة  . مدارس أسسها  أفراد و جمعيّات و رهبان . لقد فتحت تلك المدارس  أبوابها على مصراعيها وعلّمت السريانية والعربية والفرنسية والإنجليزية والحساب حتى صار للناس رأي في السياسة والأدب والفن والموسيقى ثم مبادرات متعددة في شتى مجالات الإبداع.

هؤلاء الذين كانوا  يعتبرون وحتى القرن الثامن عشر  أن الأرض مسطحة ، وأن الطب مهنة القديسين وحيطان الكنائس وأجران العماد، صاروا وعلى مدى القرن التاسع عشر يتعرّفون شيئا فشيئا الى مفاصل الجغرافيا والتاريخ فيجدّ بعضهم باتجاه “قصر العيني” في مصر و”دار الشفقة”  في اسطمبول ليتعلّموا النطاسية زمن بشير أو الطب عند الأميركيين واليسوعيين في بيروت  زمن المتصرفية وما تلاه من زمان.

عاشت تلك المنازل  حروبا  ومذابح وزخّ رصاص في القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين. العاميّات متلاحقة من  أنطلياس عام 1820 الى لحفد  عام 1821 كانت شغل بشير الشاغل. ثم عانى الناس من هول انسحاب  ابراهيم باشا المصري وانهيار حكم بشير الثاني عام 1840. إحترقت بيت شباب ، سلمت بكفيا، فرض ابراهيم باشا على بسكنتا  في ذروة انسحابه  قوتًا لجنوده  فأطعمتهم بسكنتا  كما  روتهم ينابيع جرود المتين . ثمّ وبعد سنتين على نفي بشير وخلال نظام القائممقاميّتين  عاثت الفتن  المذابح في حدائق الجبل  بين درزي ونصراني  وإقطاعي وعامي وقد بلغت أوجّها عام 1860-1859 حاصدة عشرات آلاف القتلى  ولم تنته  الا بعد تدخل فرنسي أوروبي  بجيش بلغ عداده 12 الف جندي نصفهم من الفرنسيين.
توقف القتال عام 1860 بعد أن فرضت الدول الأوروبية على الجبل  نظاما جديدا خاصا كان للمتين حصة كبيرة في مجلس إدارته تقاسمها لمعيون وعقليون سَعَوا لنهضة الجبل وغرقوا في تطاعنهما و عانوا من بطش   المتصرفين.

عادت بعد مذابح 1860 دواليب الحرير الى الدوران . عاشت المتين عزّ القز قبل غيرها وكان إنتاجها وفيرا. شُقّت طريق إنطلياس بكفيا وطريق بكفيا ضهور الشوير ولاقى شق الطريق معارضة شعبية  تصرّ على طرقات الدّواب الضيّقة الوعرة بقصد ابقاء الجبل حصينا عصيا على الإجتياحات. غير أن  الوقوف في وجه الإنماء زمن الثورة الصناعية في أوروبا وما بعدها كان ضربا من المحال .فكما شيّدت المدارس والجامعات ،أنشئت شبكة سكك الحديد  وشُقّت طرقات ،  كان  طريق الشام الذي بوشر شقُه  عام 1863 من بيروت الى دمشق ،أهمّها في تنشيط التواصل بين تينك المدينتين بيروت مركز الحركة التجارية والعمرانية الآخذة في الإزدهار ودمشق العاصمة التاريخية ومركز القرار السياسي في ولاية الشام العثمانية. سمح هذا الطريق بتفريع آخر بين قبيع والمتين مرورا بحمانا وقرنايل وبزبدين استفادت  منه قرى ومزارع مجاورة للمتين والشوير عبر “مرحاتا” التي صار اسمها  ضهور الشوير”. أطلّ القرن العشرون بحرب شاركت فيها معظم دول العالم فسمّيت بالحرب الكبرى وكانت نتائجها وبالا على اللبنانيين ساحلا وجبلا. تصدّعت المنازل الخمس . ضربتها الأمراض وقسى عليها الجوع نتيجة اجتياح الجراد والحصار البري الذي فرضه  العثمانيون والحصار البحري الذي نصبه الحلفاء على شواطئ المتوسط الشرقية  فاختنق الجبل.


مات كثيرون وتشتت  كثيرون ومرض كثيرون وصمد آخرون.


اضف رد