وطنيون فاسدون أم وطنيات فاسدة؟

تدخل السياسة اللبنانية في الآونة الأخيرة حقبة تجديد في تجاذبات القوى المتصارعة في المنطقة ومنها عبر لبنان.

زادت وتيرة تفقّدِ هذه القوى لمواقعها اللبنانية بما يضخ في جسم السياسة اللبنانية بعض الحيوية. جاءنا جواد ظريف ونستقبل مايك بومبيو وبينهما مر علينا بعض الخليجيين والأوروبيين المرموقين.

تُعلِّمنا التجربةُ السياسية في تاريخ الدولة اللبنانية المعاصر، خصوصا بعد 1943، ثم بعد 1990 أن سمة الارتباط الطائفي وغير الطائفي بالخارج، كسمةٍ بنيوية، هي حالة تختلط فيها العمالة بالوطنية اختلاطا مدهشا وبالغ التأثير في الداخلي، لكنه أبلغ في مجال التأثر بالخارجي.

دعوني قبل أن أسترسل، بمناسبة تجدد الصراع الإقليمي الدولي على لبنان، أو الأدق الأدق عبر لبنان، ولو أنه لا زال داخل شبكة أمان بحصره في نطاق السلم اللبناني الاقتصادي (سعر الليرة) والسياسي (غير الصدام بالسلاح)…. بمناسبة زيارات مسؤولين إقليميين ودوليين متصارعين في كل المنطقة وآخرهم وأعلاهم تأثيرا وزير الخارجية الأميركي… دعوني أوضح بعض معاني المصطلحات التي أستخدمها:

1- لا أتحدث عن التجسس بل عن العمالة. التجسس تقنية مرذولة أينما كان، بل عن العمالة التي هي أداة سياسية ومالية وأمنية تمارسها الأطراف السياسية اللبنانية. ومن الثابت أنها جزء عضوي من تركيب لبنان الاقتصادي كنظام خدمات.

2- لكل عمالة وطنيتها أو مفهومها الخاص للوطنية. هناك عمالات بناء علاقات مع الخارج وهناك عمالات بالولادة في الخارج، أقصد النجاح الخارجي في توليد تنظيمات سيصبح لها امتدادها في المجتمع – المجتمعات اللبنانية. وهذا الفارق بين عمالة الارتباط وعمالة الولادة هو معيار اختلاف كبير بين ديناميّتي النظام الطائفي قبل حرب 1975 وبعد انتهاء الحرب. أما الأيديولوجيون ولو كان تأثيرهم محدودا في السياسة اللبنانية بسبب انحصار أحجامهم على أهميتها بين النخب لا الجمهور، فهم أيضا قدموا مقاربات مختلفة لوطنيات متنوعة.

3- العمالة لها جذر ثقافي في السوسيولوجيا اللبنانية.

لا يمكن للسياسة اللبنانية إلا أن تكون عميلة، حملت العمالة اسم وطنية من الوطنيات الطائفية المختلفة أو المشتركة أو لم تحمل علنا. في العالم العربي و العالم غير الديموقراطي عموما، استبداد النظام لا تمنع وطنيته أو الخطاب الوطني الوحيد فيه الذي تحمله الدولة وحدها. في لبنان حيث يوجد التفكك ولا يوجد الاستبداد، فالوطنية لا يمكن إلا أن تكون عميلة، لأنها وطنيات مختلفة غالبا طائفية ذات مُنْبَعَث من الثقافة الطائفية.

من مظاهر التموضع الوطني العميل مع موجة التفقّد التي يقوم بها رموز من البلاطات الخارجية الفعالة أن القوى اللبنانية الأساسية تحاول تقديم صورة إعلامية عن قدرتها على إدارة دولة غير منهارة. النتائج فاضحة. لأن عددا من السلوكيات أظهر عدم قدرة هذه القوى على حفظ ماء الوجه بسبب إمعانها في تناتش توافقي على التوظيف الزبائني داخل الدولة بعد انكشاف رقم العشرة آلاف موظف المعينين أو المتعاقَد معهم منذ شهر آب في مخالفة جماعية من كل أطراف النظام لمقررات مؤتمر سيدر بما جعل من الضروري قيام انتداب اقتصادي فرنسي – غربي على لبنان. أضفِ، وهذا أكثر من إضافة، عدم وجود شفافية لكشف أسماء المالكين والشركاء اللبنانيين للشركات المرشحة لتنفيذ مشاريع الـ 11مليار دولار السيدرية.

طالما أنه من المسَلَّم به أن الطبقة السياسية هي طبقة فاسدة (بمعزل عن قوتها وشعبيتها في مجتمع ذي ثقافة فساد) فالسؤال هو هل يجعل هذا الواقع من الوطنيات التي تحملها وطنيات فاسدة؟

وطنيون فاسدون لا يعني ولا يجوز أن يعني أن الوطنيات فاسدة إلا من زاوية إتيكيّة هي أنها، أي الوطنيات، تأخذ إلى الحرب الأهلية أو تجعل المجتمع اللبناني في حالة حرب أهلية دائمة.

الوطنيات تستعير لغات بعضها التخوينية والتبريرية والتبشيرية معا، ورغم تبدّل الوقائع والأجيال فإن الوطنيات العميلة كتلميذ المدرسة الذي يغش في الامتحان ينسخ اللغة السياسية، وهذا مثل من أمثلة، يستخدم الديني مصطلحات أسّسها في الثقافة السياسية العربية غير دينيين. والعكس صحيح.

في القرن الحادي والعشرين السؤال الأصعب في دول فاشلة (المحظوظة) ودول منهارة (غير المحظوظة) هو: من الفاسد الوطنيون أم الوطنيات؟ طبعا الوطنيون. وأرجو وضع كلمة “البعض” أمام أي صفة يختارها القارئ لأن التعميم ظالم. بعض الكذا… وبعض الكذا… لأنه هناك دائما في كل الوطنيات وطنيون أبرياء.. ووطنيون لا يدرون ماذا يفعلون!

الوطنيون الفاسدون هم الموضوع.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*