وصية شاعر

عقل العويط
النهار
18122018

لا مال الدنيا، لا الجاه، لا المنصب، ولا التكريمات والتقريظات، ترضي شاعراً أبيّاً، إذا كانت لا تعنيه في الأساس وفي المطلق، أو إذا كان يعتقد أنها ربما قد تكون تسترضيه، تستميله، تدجّنه، أو تنتقص كرامته. في هذا السياق نفسه، الوسام الممنوح لشاعرٍ، كلّ وسامٍ، أياً يكن مانحه، لا يرضي شاعراً إذا كان لا يعنيه هذا الوسام، كما لا يرضي عائلته على السواء، إذا كانت قد تشرّبت القيم ذاتها، وتنشّأت على السلوك نفسه. الوسام، في هذا المعنى، خفيفٌ، زائفٌ، وزائل، لأنه لا يعني شيئاً عند الممنوح. وإذا كان الموقف الكريم – كموقف رفض وسام – يدلّ، في جانبٍ منه، على الكِبَر والأنفة وعزّة النفس والترفّع عن الأمجاد والدنيويات وعدم المساومة، فهو قد يكون يدلّ، في جانبٍ آخر منه، في بعدٍ رمزيّ، خفيّ ومضمر، على الاحتجاج، على الرفض، على التمرّد، على التنديد، على التأنيب، وعلى توجيه رسالةٍ مطلقة، أبعد من المناسبة، ومن مانح الوسام، ومن كلّ زمانٍ ومكان.

أكتب هذا المقال، تكريماً للوصية التي تركها الشاعر الكبير الراحل موريس عواد، والتي نفّذتها عائلته، وعملتْ بموجبها، خلال مراسم الجنازة التي أقيمت له الأسبوع الفائت، حين طلبت (على ما أكد لي ابن الشاعر وكتبته “النهار” في “أسرار الآلهة”) من وزير الثقافة عدم إلقاء كلمة في المناسبة، وعدم تقديم الوسام الذي منحه رئيس الجمهورية للشاعر.

لا تعنيني التفاصيل. يعنيني الموقف. هذا الموقف بالذات. كما تعنيني الفكرة الكامنة وراءه. وتعنيني الصلابة الروحية التي أمْلتْ كتابة وصيةٍ كهذه، وأملتْ على حرّاس الوصية لزوم تنفيذها، على ما في التنفيذ من إحراجٍ ماديٍّ ومعنويٍّ كبيرين.

هل من مغزى؟ بمعزلٍ عما ابتغاه الشاعر في وصيته، يهمّني شخصياً، باعتباري مواطناً، أن أقول إن الشاعر الشاعر لا تهمّه الأوسمة والتكريمات. يهمّه الشعر. وتهمّه الكرامة. يعنيني أن تكون حياتنا اللبنانية متمتعةً بالكرامة الفردية والوطنية، وأن تكون هذه الكرامة محفوظة ومصونة. فهل كرامتنا محفوظة ومصونة؟ جوابي: لا بالتأكيد. هذا هو شعور المواطن العادي، فكيف إذا كان هذا المواطن شاعراً، يملك من رهافة الحسّ ما يمكّنه من أن يكون ضميراً، لا فردياً فحسب، بل ضمير الجماعة الوطنية، فيستشعر أحلامها المجهضة، وأوجاعها وخيباتها ومراراتها، بحيث توغل شعريته في التركيز على فلسفة الوجود، وعلى الأسى الذي يلفّ الحياة فيجعلها لا تُطاق ولا يُحتمَل السكوت عليها.

الشاعر الشاعر، في رأيي المتواضع، هو كَرَمٌ مطلق، وحريةٌ مطلقة. وهو ليس في الضرورة قائداً ثورياً، ولا ينظر إلى الواقع السياسي إلا من منظار احترام الممارسة السياسية للأخلاقيات الجوهرية، لسلّم القيم، للمعايير، معايير الحقّ والحرية والقانون والعدل والأنسنة والكرامة. إنه شاعر. قصيدته تنوب عن ألف قيادة، وألف ثورة. فإذا كان ثمة شعبٌ موجوعٌ ومُهانٌ في عيشه وحقّه وحريته ولقمة خبزه وكرامته، كما في مستقبله ومصيره، فليتخذ من روح الشاعر، كلّ شاعر، ضوءاً، ومن وصية موريس عوّاد عبرةً. تحية إلى هذا الشاعر وإلى وصيته!

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*