الرئيسية / أضواء على / وسام أمين معلوف باعتبار توقيته إنذارًا من رتبة الخطر الأقصى

وسام أمين معلوف باعتبار توقيته إنذارًا من رتبة الخطر الأقصى

ما يجري في لبنان هنا، والآن، لا علاقة له بحقيقة لبنان، بل فقط بحقيقة صغار ناسه وسرّاقه وتجّاره وقاتليه. أمّا ما جرى في باريس، أوّل من أمس، فيجب أنْ يُرى جيّدًا، وفي كلّ معانيه. ذلك أنّ تكريم أمين معلوف يجسّد، في توقيته “الخطير”، جوهر المسألة اللبنانيّة رمزيًّا ودلاليًّا، ويمثّل الإشارة المنتفضة، بل الثوريّة، للبنان التوّاق لاستعادة حقيقته وكرامته ومصيره، وللإمساك بزمامها. ومن حيث لا يتوقّع أحد.

وإذ يجيئنا هذا التعبير الفوّاح من باريس، يعزّ علينا أنْ يكون لبنان السياسيّ المافيويّ الميليشيويّ المعفّن النتِن المقزِّز المسروق المصادَر المحتلّ والمتلاعَب به، هو الذي يختصر ما آل إليه لبنان على أيدي وحوشه في الداخل والخارج.

لبنان هذا، ليس هو لبنان.

لبنان الصحّ المضرَّج القتيل، الثائر على مقتلته، فجأةً أرى يدًا تُدلِّك قلبه الجوهريّ الثقافيّ النيّر، الأصليّ والأصيل، وتدعوه إلى الاستيقاظ الفوريّ. فينتفض. ويرتعش. ويعود إلى خفقانه الروحيّ المزدهر.

فجأةً تتراقص نجمةٌ معنويّةٌ أنوفةٌ فوق غيمةٍ متعالية، لتنحني على شجرة أرز. فجأةً ترتفع يدٌ سمحاء نظيفةٌ ومزغرِدة. فجأةً ترتسم علامةٌ زرقاء خضراء ليليكيّة بنفسجيّة زمرّديّة بيضاء. فجأةً ينقدح حجر صوّان. فجأةً تشرق قوس قزح. فجأةً تولد وردةٌ من بين الركام. وفجأةً، أقول فجأةً، يُسمَع صوتٌ يخترق أسوار اللصوص ويهزّ ممالك المعدن وصفاقة الصنم والعدم، مؤنِّبًا، لكنْ مناديًا، ومبشِّرًا: هذا هو وطني الحبيب الذي به سررتُ.

فجأةً من قلب الليل اليائس، من قلب المقبرة اللبنانيّة الموشّحة سورياليًّا برائحة الجيف والفساد السياسيّ، يصل إلى مسامعنا من باريس توبيخ الضمير المحفِّز: لبنان ليس عقارًا للبيع. لبنان ليس ليرةً للمقايضة. لبنان ليس سوقًا للنخاسة. لبنان ليس جاريةً تُستأجَر للمضاجعة. لبنان ليس أرضًا للموت. لبنان هو لبنان الثقافيّ لا لبنان طبقته الحاكمة. فلا تخافوا.

هذه هي المسألة اللبنانيّة، التي ليست دستورًا ولا ميثاقًا ولا اتّفاق طائف، ولا أيضًا مسألةَ حكومةٍ برئيسها والأعضاء، ولا رئاسةً لمجلس النوّاب، ولا نوّابًا وأشباه نوّاب، ولا رئاسةً للجمهوريّة، ولا حاشيةً، ولا سلطةً، ولا طبقةً سياسيّة، ولا… تغيير نظام.

المسألة اللبنانيّة هي هذه، حين في لحظة الموت القصوى، ينبري ما يقول العكس تمامًا. وما يؤكّد رسوخ الفكرة القصوى، ونبل المعنى.

الوسام الذي علّقه رئيس الجمهوريّة الفرنسيّة على صدر أمين معلوف، عضو “مجمع الخالدين” في الأكاديميّة الفرنسيّة، لا بدّ أنْ يكون مهمًّا. لكنّه لي، ليس مهمًّا في ذاته. بل في توقيته. وفي معناه. وفي رمزيّته. وفي الدلالة.

هذا الوسام يوبّخ ويؤنّب ويتّهم. إذ يقول إنّ لبنان لا يجوز أنْ يُعامَل كما تعامله سلطته وطبقته الحاكمة وأحزابه وتيّاراته وطوائفه ومذاهبه، والحسابات والصفقات الدنيئة والصغيرة. هو، من حقّه، ومن الواجب، أنْ يُعامَل باعتباره دولةً لا كالدول، بل قضيّةً لذاته، ولجواره، وبين الأمم.

من العار الذي لا يوازيه عارٌ، أنْ يكون لبنان، هذا اللبنان الخارق المعنى، على مائدةٍ للقمار، أو للعهر السياسيّ والعربدة الصفيقة. من العار انْ تنحدر الحياة السياسيّة والوطنيّة في لبنان إلى هذا القاع. إنّنا نُعيَّر بين الأمم باعتبارنا دولةً للسماسرة والقوّادين وقطَاع الطرق والسرّاق والسفلة من أسوأ طراز؛ دولةً مارقةً وفاشلةً وغير مستحقّةٍ سيادتها وكرامتها واستقلالها وحرّيّتها.

يا لَهذا العار الذي لا أستثني أحدًا من المتسبّبين به، لا مرجعًا، ولا جهةً، ولا طرفًا، ولا شخصًا، مهما كبُر شأنه أو صغُر.

أنظر إلى لبنان من هنا، وأنظر إليه من حيث رأيتُ الوسّام معلَّقًا على صدر حامل “صخرة طانيوس”، بالعبارات النبيهة التي تفوّه بها الرئيس الفرنسيّ، فألعن لبنان الذي يُفترَس بأنياب مسؤوليه الشرهة وبأظفارهم النتنة، وأمسح برحيق الشعر العارَ اللاحق بجبينه، وأقبّل قدمَي هذا اللبنان الآخر، لبنان في شقّيه، لبنان الشاعر، ولبنان السياسيّ على حدٍّ سواء. ريمون إدّه نموذجًا.

أكرّر: وسام أمين معلوف ليس مهمًّا لي في ذاته. بل يؤخذ باعتباره إنذارًا في الوقت الخطير، والخطير جدًّا: تلقّفوا هذا الوسام – الإنذار قبل أنْ يفلت الزمام. لم يعد مسموحًا الولوغ في هذا التدمير الكارثيّ للبنان. من العار أنْ يستمرّ هذا القتل. ومن أجل ماذا؟ من أجل حفنةٍ من سلطة، ومن مال!

لبنان يستحقّ. هناك كُثُرٌ غفيرون، من مثل أمين معلوف. نساءً ورجالًا. وفي كلّ المجالات. هنا، وفي أنحاء المعمورة. تلقّفوا هذا الوسام – الإنذار من رتبة الخطر الأقصى. تلقّفوه قبل فوات الأوان!

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد